موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الأربعاء 21 رمضان 1447 هجرية الموافق ل11 مارس 2026


الآية [1] من سورة  

إِنَّآ أَعْطَيْنَٰكَ ٱلْكَوْثَرَ


ركن التفسير

سورة الكوثر 1 - (إنا أعطيناك) يا محمد (الكوثر) هو نهر في الجنة هو حوضه ترد عليه أمته والكوثر الخير الكثير من النبوة والقرآن والشفاعة ونحوها

قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة فرفع رأسه متبسما إما قال لهم وإما قالوا له لم ضحكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه أنزلت علي آنفا سورة" فقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر" حتى ختمها فقال "هل تدرون ما الكوثر؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "هو نهر أعطانيه ربي عز وجل في الجنة عليه خير كثير ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب يختلج العبد منهم فأقول يا رب إنه من أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي وهذا السياق عن حمد بن فضيل عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك. وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشخب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر وأن آنيته عدد نجوم السماء وقد روي هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي من طريق علي بن مسهر ومحمد بن فضيل كلاهما عن المختار بن فلفل عن أنس ولفظ مسلم قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما قلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال "لقد أنزلت علي آنفا سورة" فقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر" ثم قال "أتدرون ما الكوثر"؟ - قلنا الله ورسوله أعلم قال "فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل عليه خير كثير وهو حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة آنيته عدد النجوم في السماء فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك". وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة وأنها منزلة معها. فأما قوله تعالى "إنا أعطيناك الكوثر" فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن أنس فقال حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أنه قرأ هذه الآية "إنا أعطيناك الكوثر" قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري ولم يشق شقا وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ فضربت بيدي في تربته فإذا مسك أذفر وإذا حصباؤه اللؤلؤ" وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا محمد بن أبي عدي عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "دخلت الجنة فإذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء فإذا مسك أذفر قلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله عز وجل" ورواه البخاري في صحيحه ومسلم من حديث شيبان بن عبدالرحمن عن قتادة عن أنس بن مالك قال: لما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر" وهو لفظ البخاري رحمه الله. وقال ابن جرير حدثنا الربيع أخبرنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم مضى به جبريل إلى السماء الدنيا فإذا هو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ وزبرجد فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك قال "يا جبريل ما هذا النهر؟ قال هو الكوثر الذي خبأ لك ربك" وقد تقدم حديث الإسراء في سورة سبحان من طريق شريح عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مخرج في الصحيحين. وقال سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف. فقال الملك - الذي معه - أتدري ما هذا؟ هذا الكوثر الذي أعطاك الله وضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك" وكذا رواه سليمان بن طرخان ومعمر وهمام وغيرهم عن قتادة به. قال ابن جرير حدثنا ابن أبي شريح حدثنا أبو أيوب العباس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثني محمد بن عبدالوهاب ابن أخي بن شهاب عن أبيه عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر فقال "هو نهر أعطانيه الله تعالى في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل ترده طير أعناقها مثل أعناق الجزر" قال أبو بكر يا رسول الله إنها لناعمة قال "آكلها أنعم منها" وقال أحمد حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن عبدالوهاب عن عبدالله بن مسلم بن شهاب عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال "هو نهر في الجنة أعطانيه ربي لهو أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر - قال عمر يا رسول الله إنها لناعمة قال - آكلها أنعم منها يا عمر" ورواه ابن جرير من حديث الزهري عن أخيه عبدالله عن أنس أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر فذكر مثله سواء. وقال البخاري حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة رضي الله عنها قال سألتها عن قوله تعالى "إنا أعطيناك الكوثر" قالت نهر أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم شاطئاه عليه در مجوف آنيته كعدد النجوم ثم قال البخاري رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به. وقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عائشة قالت الكوثر نهر في الجنة شاطئاه در مجوف وقال إسرائيل نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء. وحدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب القمي عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق أو مسروق قال: قلت لعائشة أم المؤمنين حدثيني عن الكوثر قالت نهر في بطنان الجنة قلت وما بطنان الجنة؟ قالت وسطها حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت ترابه المسك وحصباؤه اللؤلو والياقوت. وحدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن أبي جعفر الرازي عن ابن أبي نجيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر فليجعل أصبعيه في أذنيه. وهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة وفي بعض الروايات عن رجل عنها ومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك لا أنه يسمعه نفسه والله أعلم قال السهيلي ورواه الدارقطني مرفوعا من طريق مالك بن مغول عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.ثم قال البخاري حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم اخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر هو الخير الذي أعطاه الله إياه قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير فإن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه ورواه أيضا من حديث هشيم عن أبي بشر وعطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الكوثر الخير الكثير وقال الثوري عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الكوثر الخير الكثير وهذا التفسير يعني النهر وغيره لأن الكوثر من الكثرة وهو الخير الكثير ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومحارب بن دثار والحسن بن أبي الحسن البصري حتى قال مجاهد هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة وقال عكرمة هو النبوة والقرآن وثواب الآخرة وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا فقال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عمر بن عبيد عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الياقوت والدر ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل وروى العوفي عن ابن عباس نحو ذلك وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه ذهب وفضة يجري على الدر والياقوت ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد عن جرير عن عطاء بن السائب به مثله موقوفا وقد روي مرفوعا فقال الإمام أحمد حدثنا علي بن حفص حدثنا ورقاء قال: وقال عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب والماء يجري على اللؤلؤ وماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب به مرفوعا وقال الترمذي حسن صحيح. وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال محارب بن دثار ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت حدثنا عن ابن عباس أنه قال هو الخير الكثير فقال صدق والله إنه للخير الكثير ولكن حدثنا ابن عمر قال لما نزلت "إنا أعطيناك الكوثر" قال رسول الله "الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب يجري على الدر والياقوت". وقال ابن جرير حدثني ابن البرقي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني حرام بن عثمان عن عبدالرحمن الأعرج أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حمزة بن عبد المطلب يوما فلم يجده فسأل عنه امرأته وكانت من بني النجار فقالت خرج يا نبي الله آنفا عامدا نحوك فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار أو لا تدخل يا رسول الله؟ فدخل فقدمت إليه حيسا فأكل منه فقالت يا رسول الله هنيئا لك ومريئا لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنيك وأمريك أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرا في الجنة يدعى الكوثر فقال "أجل وعرضه - يعني أرضه - ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ" حزام بن عثمان ضعيف ولكن هذا سياق حسن وقد صح أصل هذا بل قد تواتر من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث وكذلك أحاديث الحوض وهكذا روي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة وقال عطاء هو حوض في الجنة.

تفسير سورة الكوثروهي مكية في قول ابن عباس والكلبي ومقاتلوهي ثلاث آياتبسم الله الرحمن الرحيمإنا أعطيناك الكوثرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر قراءة العامة . إنا أعطيناك بالعين . وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف : ( أنطيناك ) بالنون ; وروته أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ; وهي لغة في العطاء ; أنطيته : أعطيته . والكوثر : فوعل من الكثرة ; مثل النوفل من النفل ، والجوهر من الجهر . والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا . قال سفيان : قيل لعجوز رجع ابنها من السفر : بم آب ابنك ؟ قالت بكوثر ; أي بمال كثير . والكوثر من الرجال : السيد الكثير الخير . قال الكميت :وأنت كثير يا بن مروان طيب وكان أبوك ابن العقائل كوثراوالكوثر : العدد الكثير من الأصحاب والأشياع . والكوثر من الغبار : الكثير . وقد تكوثر إذا كثر ; قال الشاعر :وقد ثار نقع الموت حتى تكوثراالثانية : واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ستة عشر قولا :الأول : أنه نهر في الجنة ; رواه البخاري عن أنس والترمذي أيضا وقد ذكرناه في كتاب التذكرة . وروى الترمذي أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الكوثر : نهر في الجنة ، حافتاه من ذهب ، ومجراه على الدر والياقوت ، تربته أطيب من المسك ، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج . هذا حديث حسن صحيح .الثاني : أنه حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في الموقف ; قاله عطاء . وفي صحيح مسلم عن أنس قال : بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أغفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : نزلت علي آنفا سورة - فقرأ - بسم الله الرحمن الرحيم : إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر - ثم قال - أتدرون ما الكوثر ؟ . قلنا الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ربي - عز وجل - ، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم فأقول إنه من أمتي ، فيقال إنك لا تدري ما أحدث بعدك .والأخبار في حوضه في الموقف كثيرة ، ذكرناها في كتاب ( التذكرة ) . وأن على أركانه الأربعة خلفاءه الأربعة ; - رضوان الله عليهم - . وأن من أبغض واحدا منهم لم يسقه الآخر ، وذكرنا هناك من يطرد عنه . فمن أراد الوقوف على ذلك تأمله هناك . ثم يجوز أن يسمى ذلك النهر أو الحوض كوثرا ، لكثرة الواردة والشاربة من أمة محمد - عليه السلام - هناك . ويسمى به لما فيه من الخير الكثير والماء الكثير .الثالث : أن الكوثر النبوة والكتاب ; قاله عكرمة .الرابع : القرآن ; قاله الحسن .الخامس : الإسلام ; حكاه المغيرة .السادس : تيسير القرآن وتخفيف الشرائع ; قاله الحسين بن الفضل .السابع : هو كثرة الأصحاب والأمة والأشياع ; قاله أبو بكر بن عياش ويمان بن رئاب .الثامن : أنه الإيثار ; قاله ابن كيسان .التاسع : أنه رفعة الذكر . حكاه الماوردي .العاشر : أنه نور في قلبك دلك علي ، وقطعك عما سواي .وعنه : هو الشفاعة ; وهو الحادي عشر .وقيل : معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك ; حكاه الثعلبي ، وهو الثاني عشر .الثالث عشر : قال هلال بن يساف : هو لا إله إلا الله محمد رسول الله .وقيل : الفقه في الدين . وقيل : الصلوات الخمس ; وهما الرابع عشر والخامس عشر . وقال ابن إسحاق : هو العظيم من الأمر ; وذكر بيت لبيد :وصاحب ملحوب فجعنا بفقده وعند الرداع بيت آخر كوثرأي عظيم .قلت : أصح هذه الأقوال الأول والثاني ; لأنه ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في الكوثر . وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال : ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض ، لقد تركت عجائز خلفي ، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي حوضه يقول الشاعر :يا صاحب الحوض من يدانيكا وأنت حقا حبيب باريكاوجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيادة على حوضه ، - صلى الله عليه وسلم - تسليما كثيرا .

﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ افْتَتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَسْتَتْبِعُ الإشْعارَ بِتَنْوِيهِ شَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ في ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ البِشارَةِ وإنْشاءِ العَطاءِ لا مَساقَ الإخْبارِ بِعَطاءٍ سابِقٍ. وضَمِيرُ العَظَمَةِ مُشْعِرٌ بِالِامْتِنانِ بِعَطاءٍ عَظِيمٍ. والكَوْثَرُ: اسْمٌ في اللُّغَةِ لِلْخَيْرِ الكَثِيرِ صِيغَ عَلى زِنَةِ فَوْعَلٍ، وهي مِن صِيَغِ (p-٥٧٣)الأسْماءِ الجامِدَةِ غالِبًا نَحْوَ الكَوْكَبِ، والجَوْرَبِ، والحَوْشَبِ والدَّوْسَرِ، ولا تَدُلُّ في الجَوامِدِ عَلى غَيْرِ مُسَمّاها، ولَمّا وقَعَ هُنا فِيها مادَّةُ الكُثْرِ كانَتْ صِيغَتُهُ مُفِيدَةً شِدَّةَ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ زِيادَةَ المَبْنى تُؤْذِنُ بِزِيادَةِ المَعْنى، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِالمُفْرِطِ في الكَثْرَةِ، وهو أحْسَنُ ما فُسِّرَ بِهِ وأضْبَطُهُ، ونَظِيرُهُ: جَوْهَرٌ، بِمَعْنى الشُّجاعِ كَأنَّهُ يُجاهِرُ عَدُوَّهُ، والصَّوْمَعَةُ لِاشْتِقاقِها مِن وصْفِ أصْمَعَ وهو دَقِيقُ الأعْضاءِ؛ لِأنَّ الصَّوْمَعَةَ دَقِيقَةٌ؛ لِأنَّ طُولَها أفْرَطُ مِن غِلَظِها. ويُوصَفُ الرَّجُلُ صاحِبُ الخَيْرِ الكَثِيرِ بِكَوْثَرٍ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ في رِثاءِ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ الأسَدِيِّ: ؎وصاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنا بِفَقْدِهِ وعِنْدَ الرِّداعِ بَيْتُ آخَرَ كَوْثَرُ (مَلْحُوبٍ والرُّداعِ) كِلاهُما ماءٌ لِبَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَوَصَفَ البَيْتَ بِالكَوْثَرِ، ولاحَظَ الكُمَيْثُ هَذا في قَوْلِهِ في مَدْحِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: ؎وأنْتَ كَثِيرٌ يا ابْنَ مَرْوانَ طَيِّبٌ ∗∗∗ وكانَ أبُوكَ ابْنُ العَقايِلِ كَوْثَرا وسُمِّيَ نَهْرُ الجَنَّةِ كَوْثَرًا كَما في حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ المُتَقَدَّمِ آنِفًا. وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ الكَوْثَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَفاسِيرَ أعَمُّها أنَّهُ الخَيْرُ الكَثِيرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ناسًا يَقُولُونَ هو نَهْرٌ في الجَنَّةِ، فَقالَ: هو مِنَ الخَيْرِ الكَثِيرِ. وعَنْ عِكْرِمَةَ: الكَوْثَرُ هُنا: النُّبُوءَةُ والكِتابُ، وعَنِ الحَسَنِ: هو القُرْآنُ، وعَنِ المُغِيرَةِ: أنَّهُ الإسْلامُ، وعَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: هو كَثْرَةُ الأُمَّةِ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أنَّهُ رِفْعَةُ الذِّكْرِ، وأنَّهُ نُورُ القَلْبِ، وأنَّهُ الشَّفاعَةُ. وكَلامُ النَّبِيءِ ﷺ المَرْوِيُّ في حَدِيثِ أنَسٍ لا يَقْتَضِي حَصْرَ مَعانِي اللَّفْظِ فِيما ذَكَرَهُ. وأُرِيدَ مِن هَذا الخَبَرِ بِشارَةُ النَّبِيءِ ﷺ وإزالَةُ ما عَسى أنْ يَكُونَ في خاطِرِهِ مِن قَوْلِ مَن قالَ فِيهِ: هو أبْتَرُ، فَقُوبِلَ مَعْنى الأبْتَرِ بِمَعْنى الكَوْثَرِ، إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اعْتِراضٌ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى هَذِهِ البِشارَةِ بِأنْ يَشْكُرَ رَبَّهُ (p-٥٧٤)عَلَيْها، فَإنَّ الصَّلاةَ أفْعالٌ وأقْوالٌ دالَّةٌ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ وذَلِكَ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ. وناسَبَ أنْ يَكُونَ الشُّكْرُ بِالِازْدِيادِ مِمّا عاداهُ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ وغَيْرُهم مِمَّنْ قالُوا مَقالَتَهُمُ الشَّنْعاءَ: إنَّهُ أبْتَرُ، فَإنَّ الصَّلاةَ لِلَّهِ شُكْرٌ لَهُ وإغاظَةٌ لِلَّذِينِ يَنْهَوْنَهُ عَنِ الصَّلاةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] لِأنَّهم إنَّما نَهَوْهُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي لِوَجْهِ اللَّهِ دُونَ العِبادَةِ لِأصْنامِهِمْ، وكَذَلِكَ النَّحْرُ لِلَّهِ. والعُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ دُونَ: فَصَلِّ لَنا، لِما في لَفْظِ الرَّبِّ مِنَ الإيماءِ إلى اسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِأجْلِ رُبُوبِيَّتِهِ فَضْلًا عَنْ فَرْطِ إنْعامِهِ. وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ النَّبِيءِ ﷺ وتَقْرِيبِهِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ يَرُبُّهُ ويَرْأفُ بِهِ. ويَتَعَيَّنُ أنَّ في تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ مَعَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلى أنْ أعْطاهُ الكَوْثَرَ - خُصُوصِيَّةً تُناسِبُ الغَرَضَ الَّذِي نَزَلَتِ السُّورَةُ لَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الأمْرَ بِالنَّحْرِ مَعَ الصَّلاةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧] في سُورَةِ الحِجْرِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ عَنِ البَيْتِ في الحُدَيْبِيَةِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا، أيْ: قَدَّرَهُ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَإنَّهُ نَزَلَ في أمْرِ الحُدَيْبِيَةِ فَقَدْ قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفَتْحٌ هَذا ؟ قالَ: نَعَمْ. وهَذا يَرْجِعُ إلى ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يُصَلِّيَ ويَنْحَرَ هَدْيَهُ ويَنْصَرِفَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. وأفادَتْ اللّامُ مِن قَوْلِهِ (لِرَبِّكَ) أنَّهُ يَخُصُّ اللَّهَ في صَلاتِهِ فَلا يُصَلِّي لِغَيْرِهِ. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم يُصَلُّونَ لِلْأصْنامِ بِالسُّجُودِ لَها والطَّوافِ حَوْلَها. وعَطْفُ (وانْحَرْ) عَلى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ مُتَعَلِّقِهِ مُماثِلًا لِمُتَعَلِّقِ (p-٥٧٥)﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] أيْ: وأبْصِرْ بِهِمْ، فالتَّقْدِيرُ: وانْحَرْ لَهُ. وهو إيماءٌ إلى إبْطالِ نَحْرِ المُشْرِكِينَ قُرْبانًا لِلْأصْنامِ، فَإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَلَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ اقْتَرَبَ وقْتُ الحَجِّ وكانَ يَحُجُّ كُلَّ عامٍ قَبْلَ البَعْثَةِ وبَعْدَها وقَدْ تَرَدَّدَ في نَحْرِ هَداياهُ في الحَجِّ بَعْدَ بَعْثَتِهِ، وهو يَوَدُّ أنْ يُطْعِمَ المَحاوِيجَ مِن أهْلِ مَكَّةَ ومَن يَحْضُرُ في المَوْسِمِ ويَتَحَرَّجُ مِن أنْ يُشارِكَ أهْلَ الشِّرْكِ في أعْمالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَنْحَرَ الهَدْيَ لِلَّهِ ويُطْعِمَها المُسْلِمِينَ، أيْ: لا يَمْنَعُكَ نَحْرُهم لِلْأصْنامِ أنْ تَنْحَرَ أنْتَ ناوِيًا بِما تَنْحَرُهُ أنَّهُ لِلَّهِ. وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً وكانَ نُزُولُها قَبْلَ فَرْضِ الحَجِّ كانَ النَّحْرُ مُرادًا بِهِ الضَّحايا يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، ولِذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِن الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ صَلاةُ العِيدِ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ وقالَ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ. وأخَذُوا مِن وُقُوعِ الأمْرِ بِالنَّحْرِ بَعْدَ الأمْرِ بِالصَّلاةِ دَلالَةً عَلى أنَّ الضَّحِيَّةَ تَكُونُ بَعْدَ الصَّلاةِ، وعَلَيْهِ فالأمْرُ بِالنَّحْرِ دُونَ الذَّبْحِ مَعَ أنَّ الضَّأْنَ أفْضَلُ في الضَّحايا وهي لا تُنْحَرُ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُضَحِّ إلّا بِالضَّأْنِ تَغْلِيبٌ لِلَفْظِ النَّحْرِ وهو الَّذِي رُوعِيَ في تَسْمِيَةِ يَوْمِ الأضْحى يَوْمَ النَّحْرِ، ولِيَشْمَلَ الضَّحايا في البَدَنِ والهَدايا في الحَجِّ أوْ لِيَشْمَلَ الهَدايا الَّتِي عُطِّلَ إرْسالُها في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ويُرَشِّحُ إيثارَ النَّحْرِ رَعْيُ فاصِلَةِ الرّاءِ في السُّورَةِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أقْوالٌ أُخَرُ في تَفْسِيرِ (انْحَرْ) تَجْعَلُهُ لَفْظًا غَرِيبًا.


ركن الترجمة

HAVE SURELY given you pre-eminence (in numbers and following);

Nous t'avons certes, accordé l'Abondance.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :