ركن التفسير
62 - (قال أرأيتك) أي أخبرني (هذا الذي كرمت) فضلت (علي) بالأمر بالسجود له وأنا خير منه خلقتني من نار (لئن) لام قسم (أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن) لأستأصلن (ذريته) بالإغواء (إلا قليلا) منهم ممن عصمته
"قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي" الآية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول لأستولين على ذريته إلا قليلا وقال مجاهد لأحتوين وقال ابن زيد لأضلنهم وكلها متقاربة والمعنى أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي لئن أنظرتني لأضلن ذريته إلا قليلا منهم.
قال أرأيتك أي قال إبليس . والكاف توكيد للمخاطبة .هذا الذي كرمت علي أي فضلته علي . ورأى جوهر النار خيرا من جوهر الطين ولم يعلم أن الجواهر متماثلة . وقد تقدم هذا في [ الأعراف ] . وهذا نصب ب أرأيت . الذي نعته . والإكرام : اسم جامع لكل ما يحمد . وفي الكلام حذف تقديره : أخبرني عن هذا الذي فضلته علي ، لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين ؟ فحذف لعلم السامع . وقيل : لا حاجة إلى تقدير الحذف ; أي أترى هذا الذي كرمته علي لأفعلن به كذا وكذا .ومعنى لأحتنكن في قول ابن عباس : لأستولين عليهم . وقاله الفراء . مجاهد : لأحتوينهم . ابن زيد : لأضلنهم . والمعنى متقارب ; أي لأستأصلن ذريته بالإغواء والإضلال ، ولأجتاحنهم . وروي عن العرب : احتنك الجراد الزرع إذا ذهب به كله . وقيل : معناه لأسوقنهم حيث شئت وأقودنهم حيث أردت . ومن قولهم : حنكت الفرس أحنكه وأحنكه حنكا إذا جعلت في فيه الرسن . وكذلك احتنكه . والقول الأول قريب من هذا ; لأنه إنما يأتي على الزرع بالحنك . وقال الشاعر :أشكو إليك سنة قد أجحفت جهدا إلى جهد بنا وأضعفتواحتنكت أموالنا واجتلفتإلا قليلا يعني المعصومين ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وإنما قال إبليس ذلك ظنا ; . كما قال الله - تعالى - : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه أو علم من طبع البشر تركب الشهوة فيهم ; أو بنى على قول الملائكة : أتجعل فيها من يفسد فيها . وقال الحسن : ظن ذلك لأنه وسوس إلى آدم - عليه السلام - فلم يجد له عزما .
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجَدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أراَيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أيْ واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَذْكِيرُ النَّبِيءِ ﷺ بِما لَقِيَ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ مِن مُعانَدَةِ الأعْداءِ والحَسَدَةِ مِن عَهْدِ آدَمَ حِينَ حَسَدَهُ إبْلِيسُ عَلى فَضْلِهِ، وأنَّهم لا يَعْدَمُونَ مَعَ ذَلِكَ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِمْ، وهم خِيرَةُ زَمانِهِمْ كَما كانَتِ المَلائِكَةُ نَحْوَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ في كُلِّ عَصْرٍ يَمُتُّ إلى أحَدِ الفَرِيقَيْنِ الَّذِي في عَهْدِ آدَمَ، فَلِفَرِيقِ المَلائِكَةِ المُؤْمِنُونَ ولِفَرِيقِ الشَّيْطانِ الكافِرُونَ، كَما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣] الآيَةَ، فَفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِأنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَذْكِيرَهُ إيّاهُ بِهِ، وذَكَرَ النَّبِيءُ ذَلِكَ مَوْعِظَةً لِلنّاسِ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ؛ لِيَنْظُرَ العاقِلُ أيْنَ يَضَعُ نَفْسَهُ ؟ وتَفْسِيرُ قِصَّةِ آدَمَ وبَيانُ كَلِماتِها مَضى في سُورَةِ البَقَرَةِ وما بَعْدَها. والِاسْتِفْهامُ في أأسْجُدُ إنْكارٌ، أيْ لا يَكُونُ. (p-١٥٠)وجُمْلَةُ ﴿قالَ أأسْجُدُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ اسْتِثْناءَ إبْلِيسَ مِن حُكْمِ السُّجُودِ لَمْ يُفِدْ أكْثَرَ مِن عَدَمِ السُّجُودِ، وهَذا يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْ سَبَبِ التَّخَلُّفِ عَنْ هَذا الحُكْمِ مِنهُ، فَيُجابُ بِما صَدَرَ مِنهُ حِينَ الِاتِّصافِ بِعَدَمِ السُّجُودِ أنَّهُ عِصْيانٌ لِأمْرِ اللَّهِ ناشِئٌ عَنْ جَهْلِهِ وغُرُورِهِ. وقَوْلُهُ طِينًا حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِي خَلَقْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ طِينًا، فَيُفِيدُ مَعْنى أنَّكَ خَلَقْتَهُ مِنَ الطِّينِ، وإنَّما جَعَلَ جِنْسَ الطِّينِ حالًا مِنهُ لِلْإشارَةِ إلى غَلَبَةِ العُنْصُرِ التُّرابِيِّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ في تَحْقِيرِهِ في نَظَرِ إبْلِيسَ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ بِاعْتِبارِ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنِ احْتِقارِ آدَمَ وتَغْلِيطِ الإرادَةِ مِن تَفْضِيلِهِ، فَقَدْ أُعِيدَ إنْكارُ التَّفْضِيلِ بِقَوْلِهِ أرَأيْتَكَ المُفِيدِ الإنْكارَ، وعَلَّلَ الإنْكارَ بِإضْمارِ المَكْرِ لِذُرِّيَّتِهِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ﴾ عَنْ جُمْلَةِ ﴿قالَ أأسْجُدُ﴾ كَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] . وأرَأيْتَكَ تَرْكِيبٌ يُفْتَتَحُ بِها الكَلامُ الَّذِي يُرادُ تَحْقِيقُهُ والِاهْتِمامُ بِهِ، ومَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَمّا رَأيْتُ، وهو مُرَكَّبٌ مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ، و(رَأى) الَّتِي بِمَعْنى عَلِمَ، (وتاءِ المُخاطَبِ) المُفْرَدِ المَرْفُوعِ، ثُمَّ يُزادُ عَلى ضَمِيرِ الخِطابِ كافُ خِطابٍ تُشْبِهُ ضَمِيرَ الخِطابِ المَنصُوبِ بِحَسَبِ المُخاطَبِ واحِدًا أوْ مُتَعَدِّدًا، يُقالُ: أرَأيْتَكَ وأرَأيْتَكم كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ [الأنعام: ٤٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذِهِ الكافُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الَّذِي تُفِيدُهُ تاءُ الخِطابِ الَّتِي في مَحَلِّ رَفْعٍ، وهو يُشْبِهُ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ، وقالَ الفَرّاءُ: الكافُ ضَمِيرُ نَصْبٍ، والتَّرْكِيبُ: أرَأيْتَ نَفْسَكَ، وهَذا أقْرَبُ لِلِاسْتِعْمالِ، ويُسَوِّغُهُ أنَّ أفْعالَ الظَّنِّ والعِلْمِ قَدْ تَنْصِبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ ما هو ضَمِيرُ فاعِلِها نَحْوَ قَوْلِ طَرَفَةَ:(p-١٥١) ؎فَما لِيَ أرانِي وابْنَ عَمِّي مالِكًا مَتى أدْنُ مِنهُ يَنْأ عَنِّي ويَبْعُدُ أيْ: أرى نَفْسِي. واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ نِيَّتِكَ أهَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِلا وجْهٍ. وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إلَخْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وهي جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ مَعَ الشَّرْطِ، والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الدُّعاءِ، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] . وهَذا الكَلامُ صَدَرَ مِن إبْلِيسَ إعْرابًا عَمّا في ضَمِيرِهِ، وإنَّما شَرَطَ التَّأْخِيرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ لِيَعُمَّ بِإغْوائِهِ جَمِيعَ أجْيالِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ فَلا يَكُونُ جِيلٌ آمِنًا مِن إغْوائِهِ. وصَدَرَ ذَلِكَ مِن إبْلِيسَ عَنْ وِجْدانٍ أُلْقِيَ في نَفْسِهِ صادَفَ مُرادَ اللَّهِ مِنهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَهُ قَدَّرَ لَهُ أنْ يَكُونَ عُنْصُرَ إغْواءٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّهُ يُغْوِي كَثِيرًا مِنَ البَشَرِ، ويَسْلَمُ مِنهُ قَلِيلٌ مِنهم. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى إغْواءِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ولَمْ يَذْكُرْ إغْواءَ آدَمَ وهو أوْلى بِالذِّكْرِ إذْ آدَمُ هو أصْلُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ النّاشِئَةِ عَنِ الحَسَدِ مِن تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ، إمّا لِأنَّ هَذا الكَلامَ قالَهُ بَعْدَ أنْ أغْوى آدَمَ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ فَقَدْ شَفى غَلِيلَهُ مِنهُ، وبَقِيَتِ العَداوَةُ مُسْتَرْسِلَةً في ذُرِّيَّةِ آدَمَ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] . والِاحْتِناكُ: وضْعُ الرّاكِبِ اللِّجامَ في حَنَكِ الفَرَسِ لِيَرْكَبَهُ ويُسَيِّرَهُ، فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِجَلْبِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ إلى مُرادِهِ مِنَ الإفْسادِ والإغْواءِ بِتَسْيِيرِ الفَرَسِ عَلى حُبِّ ما يُرِيدُ راكِبُهُ.