ركن التفسير
81 - (وقل) عند دخولك مكة (جاء الحق) الإسلام (وزهق الباطل) بطل الكفر (إن الباطل كان زهوقا) مضمحلا زائلا وقد دخلها صلى الله عليه وسلم وحول البيت ثلثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت رواه الشيخان
وقوله: "وقل جاء الحق وزهق الباطل" الآية: تهديد ووعيد لكفار قريش فإنه قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية فيه ولا قبل لهم به وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع وزهق باطلهم أي اضمحل وهلك فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" وقال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبدالله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصف فجعل يطعنها بعود في يده ويقول "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" وكذا رواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من طرق عن سفيان بن عيينة به وكذا رواه عبدالرزاق عن ابن أبي نجيح به. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير حدثنا شبابة حدثنا المغيرة حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنما تعبد من دون الله. فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت على وجوهها وقال "جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا".
قوله تعالى : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فيه ثلاث مسائل : الأولى : روى البخاري والترمذي عن ابن مسعود قال : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة عام الفتح وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يطعنها بمخصرة في يده - وربما قال بعود - ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا . جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد لفظ الترمذي . وقال : هذا حديث حسن صحيح . وكذا في حديث مسلم ( نصبا ) . وفي رواية ( صنما ) . قال علماؤنا : إنما كانت بهذا العدد لأنهم كانوا يعظمون في يوم صنما ويخصون أعظمها بيومين . وقوله : فجعل يطعنها بعود في يده يقال إنها كانت مثبتة بالرصاص وأنه كلما طعن منها صنما في وجهه خر لقفاه ، أو في قفاه خر لوجهه . وكان يقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا حكاه أبو عمر والقاضي عياض . وقال القشيري : فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه ، ثم أمر بها فكسرت .الثانية : في هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم ، ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله ، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله - تعالى - . قال ابن المنذر : وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها ، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه . ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص ، إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرا أو قطعا فيجوز بيعها والشراء بها . قال المهلب : وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة ; إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال . وقد تقدم حرق ابن عمر - رضي الله عنه - . وقد هم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة . وهذا أصل في العقوبة في المال مع قوله - عليه السلام - في الناقة التي لعنتها صاحبتها : دعوها فإنها ملعونة فأزال ملكها عنها تأديبا لصاحبتها ، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به . وقد أراق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبنا شيب بماء على صاحبه .الثالثة : ما ذكرنا من تفسير الآية ينظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها الحديث . خرجه الصحيحان . ومن هذا الباب هتك النبي - صلى الله عليه وسلم - الستر الذي فيه الصور ، وذلك أيضا دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي كما ذكرنا . وهذا كله يوجب المنع من اتخاذها ويوجب التغيير على صاحبها . إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم : أحيوا ما خلقتم ; وحسبك ! وسيأتي هذا المعنى في [ النمل ] إن شاء الله - تعالى - .قوله - تعالى - : وقل جاء الحق أي الإسلام . وقيل : القرآن ; قال مجاهد . وقيل : الجهاد . وزهق الباطل قيل الشرك . وقيل الشيطان ; قاله مجاهد . والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة ، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه . وزهق الباطل : بطل الباطل . ومن هذا زهوق النفس وهو بطلانها . يقال زهقت نفسه تزهق زهوقا ، وأزهقتها .إن الباطل كان زهوقا أي لا بقاء له والحق الذي يثبت .
﴿وقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ أعْقَبَ تَلْقِينَهُ الدُّعاءَ بِسَدادِ أعْمالِهِ، وتَأْيِيدِهِ فِيها بِأنْ لَقَّنَهُ هَذا الإعْلانَ المُنْبِئَ بِحُصُولِ إجابَةِ الدَّعْوَةِ المُلْهَمَةِ، بِإبْرازِ وعْدِهِ بِظُهُورِ أمْرِهِ في صُورَةِ الخَبَرِ عَنْ شَيْءٍ مَضى. ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الرَّسُولِ هي لِإقامَةِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ كانَ الوَعْدُ بِظُهُورِ الحَقِّ وعْدًا بِظُهُورِ أمْرِ الرَّسُولِ، وفَوْزِهِ عَلى أعْدائِهِ، واسْتَحْفَظَهُ اللَّهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الجَلِيلَةَ إلى أنْ ألْقاها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عَلى مَسامِعِ مَن كانُوا أعْداءَهُ (p-١٨٨)فَإنَّهُ لَمّا دَخَلَ الكَعْبَةَ ووَجَدَ فِيها وحَوْلَها الأصْنامَ جَعَلَ يُشِيرُ إلَيْها بِقَضِيبٍ ويَقُولُ ﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ فَتَسْقُطُ تِلْكَ الأنْصابُ عَلى وُجُوهِها. ومَجِيءُ الحَقِّ مُسْتَعْمَلٌ في إدْراكِ النّاسِ إيّاهُ، وعَمَلِهِمْ بِهِ وانْتِصارِ القائِمِ بِهِ عَلى مُعاضِدِيهِ؛ تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ الظّاهِرِ بِالشَّيْءِ الَّذِي كانَ غايِبا فَوَرَدَ جائِيًا. و(زَهَقَ) اضْمَحَلَّ بَعْدَ وُجُودٍ، ومَصْدَرُهُ الزُّهُوقُ والزَّهَقُ، وزُهُوقُ الباطِلِ مَجازٌ في تَرْكِهِ أصْحابَهُ، فَكَأنَّهُ كانَ مُقِيمًا بَيْنَهم فَفارَقَهم، والمَعْنى: اسْتَقَرَّ وشاعَ الحَقُّ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ النَّبِيءُ، وانْقَضى الباطِلُ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَنْهى عَنْهُ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ لِما فِيهِ مِن عُمُومٍ يَشْمَلُ كُلَّ باطِلٍ في كُلِّ زَمانٍ، وإذا كانَ هَذا شَأْنَ الباطِلِ كانَ الثَّباتُ والِانْتِصارُ شَأْنَ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ ضِدُّ الباطِلِ فَإذا انْتَفى الباطِلُ ثَبَتَ الحَقُّ. وبِهَذا كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها، والمَعْنى: ظَهَرَ الحَقُّ في هَذِهِ الأُمَّةِ وانْقَضى الباطِلُ فِيها، وذَلِكَ شَأْنُ الباطِلِ فِيما مَضى مِنَ الشَّرائِعِ أنَّهُ لا ثَباتَ لَهُ. ودَلَّ فِعْلُ كانَ عَلى أنَّ الزُّهُوقَ شِنْشِنَةُ الباطِلِ، وشَأْنُهُ في كُلِّ زَمانٍ أنَّهُ يَظْهَرُ ثُمَّ يَضْمَحِلُّ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ [يونس: ٢] في صَدْرِ سُورَةِ يُونُسَ.