ركن التفسير
178 - (يا أيها الذين آمنوا كتب) فرض (عليكم القصاص) المماثلة (في القتلى) وصفاً وفعلاً (الحُرُّ) يقتل (بالحر) ولا يقتل بالعبد (والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) وبينت السنة أن الذكر يقتل بها وأنه تعتبر المماثلة في الدين فلا يُقتَل مسلمٌ ولو عبدا بكافر ولو حرا (فمن عفي له) من القاتلين (من) دم (أخيه) المقتول (شيء) بأن ترك القصاص منه ، وتنكير شيء يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه ومن بعض الورثة ، وفي ذكر أخيه تعطف داع إلى العفو وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان ومن مبتدأ شرطية أو موصولة والخبر (فاتباع) أي فعلى العافي اتباع للقاتل (بالمعروف) بأن يطالبه بالدية بلا عنف ، وترتيب الاتباع على العفو يفيد أن الواجب أحدهما وهو أحد قولي الشافعي والثاني الواجب القصاص والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسمها فلا شيء ورجح (و)على القاتل (أداء) الدية (إليه) أي العافي وهو الوارث (بإحسان) بلا مطل ولا نجس (ذلك) الحكم المذكور من جواز القصاص والعفو عنه على الدية (تخفيف) تسهيل (من ربكم) عليكم (ورحمة) بكم حيث وسع في ذلك ولم يحتم واحدا منهما كما حتم على اليهود القصاص وعلى النصارى الدية (فمن اعتدى) ظلم القاتل بأن قتله (بعد ذلك) أي العفو (فله عذاب أليم) مؤلم في الآخرة بالنار أو في الدنيا بالقتل
يقول تعالى كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون حُركم بحركم وعبدكم بعبدكم وأنثاكم بأنثاكم ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى مَن قبلكم وغيروا حكم الله فيهم وسبب ذلك قريظة والنضير كانت بنو النضير قد غزت قريظة فى الجاهلية وقهروهم فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به بل يفادي بمائة وسق من التمر وإذا قتل القرظي النضري قتل وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية القرظي فأمر الله بالعدل في القصاص ولا يتبع سبيل المفسدين المحرفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفرا وبغيا فقال تعالى "كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير حدثني عبدالله بن لهيعه حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى" يعني إذا كان عمدا الحر بالحر وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم والمرأة منا الرجل منهم فنزل فيهم "الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" منها منسوخة نسختها النفس بالنفس: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "والأنثى بالأنثى" وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فأنزل الله "النفس بالنفس والعين بالعين" فجعل الأحرار فى القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم فى النفس وفيما دون النفس وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله النفس بالنفس "مسألة" ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري فى رواية عنه ويقتل السيد بعبده لعموم حديث الحسن عن سمرة "من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه ومن خصاه خصيناه" وخالفهم الجمهور فقالوا لا يقتل الحر بالعبد لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر لما ثبت في البخاري عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يقتل مسلم بكافر" ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة. "مسألة" قال الحسن وعطاء لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله عليه السلام "المسلمون تتكافأ دماؤهم" وقال الليث إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. "مسألة" ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد: قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع وحكى عن الإمام أحمد رواية أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبدالملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت ثم قال: ابن المنذر وهذا أصح ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر وقوله "فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" قال مجاهد عن ابن عباس "فمن عفي له من أخيه شيء" فالعفو أن يقبل الدية في العمد وكذا روى عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان وقال الضحاك عن ابن عباس "فمن عفي له من أخيه شيء" يعني فمن ترك له من أخيه شيء يعني أخذ الدية بعد استحقاق الدم وذلك العفو "فاتباع بالمعروف" يقول فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية "وأداء إليه بإحسان" يعني من القاتل من غير ضرر ولا معك يعني المدافعة وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو عن مجاهد عن ابن عباس ويؤدي المطلوب بإحسان وكذا قال: سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان. "مسألة" قال مالك رحمه الله في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في أحد قوليه ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل وقال: الباقون له أن يعفو عليها وإن لم يرض. "مسألة" وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي وخالفهم الباقون وقوله "ذلك تخفيف من ربكم ورحمة" يقول تعالى إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفا من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو كما قال: سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرني مجاهد عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى ولم يكن فيهم العفو فقال الله لهذه الأمة "كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء" فالعفو أن يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف مما كتب على بني إسرائيل من كان قبلكم "فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" وقد رواه غير واحد عن عمرو وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس بنحوه: وقال قتادة "ذلك تخفيف من ربكم" رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا وقوله "فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم" يقول تعالى فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله أليم موجع شديد وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبي العوجاء عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص وإما أن يعفو وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها" رواه أحمد وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية" يعني لا أقبل منه الدية بل أقتله.
) قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليمفيه سبع عشرة مسألة :الأولى : روى البخاري والنسائي والدارقطني عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فالعفو أن يقبل الدية في العمد فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم قتل بعد قبول الدية . هذا لفظ البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت مجاهدا قال سمعت ابن عباس يقول : وقال الشعبي في قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى قال : أنزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا فقالوا ، نقبل بعبدنا فلان بن فلان ، وبأمتنا فلانة بنت فلان ، ونحوه عن قتادة .الثانية : قوله تعالى : كتب عليكم القصاص كتب معناه فرض وأثبت ، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيولوقد قيل : إن كتب هنا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء ، والقصاص مأخوذ من قص الأثر وهو اتباعه ، ومنه القاص لأنه يتبع الآثار والأخبار . وقص الشعر اتباع أثره ، فكأن القاتل سلك طريقا من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك ، ومنه فارتدا على آثارهما قصصا ، وقيل : القص القطع ، يقال : قصصت ما بينهما ، ومنه أخذ القصاص ; لأنه يجرحه مثل جرحه أو يقتله به ، يقال : أقص الحاكم فلانا من فلان وأباءه به فأمثله فامتثل منه ، أي اقتص منه .الثالثة : صورة القصاص هو أن القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع ، وأن الولي فرض عليه الوقوف عند قاتل وليه وترك التعدي على غيره ، كما كانت العرب تتعدى فتقتل غير القاتل ، وهو معنى قوله عليه السلام : إن من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة : رجل قتل غير قاتله ، ورجل قتل في الحرم ، ورجل أخذ بذحول الجاهلية . قال الشعبي وقتادة وغيرهما : إن أهل الجاهلية كان فيهم بغي وطاعة للشيطان ، فكان الحي إذا كان فيه عز ومنعة فقتل لهم عبد ، قتله عبد قوم آخرين قالوا : لا نقتل به إلا حرا ، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلا ، وإذا قتل لهم وضيع قالوا : لا نقتل به إلا شريفا ، ويقولون : ( القتل أوقى للقتل ) بالواو والقاف ، ويروى ( أبقى ) بالباء والقاف ، ويروى ( أنفى ) بالنون والفاء ، فنهاهم الله عن البغي فقال : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد الآية ، وقال ولكم في القصاص حياة ، وبين الكلامين في الفصاحة والجزل بون عظيم .الرابعة : لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولوا الأمر ، فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود وغير ذلك ; لأن الله سبحانه خاطب جميع المؤمنين بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود ، وليس القصاص بلازم إنما اللازم ألا يتجاوز القصاص وغيره من الحدود إلى الاعتداء ، فأما إذا وقع الرضا بدون القصاص من دية أو عفو فذلك مباح ، على ما يأتي بيانه .فإن قيل : فإن قوله تعالى كتب عليكم معناه فرض وألزم ، فكيف يكون القصاص غير واجب ؟ قيل له : معناه إذا أردتم ، فأعلم أن القصاص هو الغاية عند التشاح ، والقتلى جمع قتيل ، لفظ مؤنث تأنيث الجماعة ، وهو مما يدخل على الناس كرها ، فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى وغرقى ، وشبههن .الخامسة : قوله تعالى : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى الآية . اختلف في تأويلها ، فقالت طائفة : جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه ، فبينت حكم الحر إذا قتل حرا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والأنثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر ، فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس وبينه النبي صلى الله عليه وسلم بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة ، قاله مجاهد وذكره أبو عبيد عن ابن عباس . وروي عن ابن عباس أيضا أنها منسوخة بآية " المائدة " وهو قول أهل العراق .السادسة : قال الكوفيون والثوري : يقتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمي ، واحتجوا بقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى فعم ، وقوله : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قالوا : والذمي مع المسلم متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص وهي حرمة الدم الثابتة على التأبيد ، فإن الذمي محقون الدم على التأبيد ، والمسلم كذلك ، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام ، والذي يحقق ذلك أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي ، وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال المسلم ، فدل على مساواته لدمه إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه ، واتفق أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى على أن الحر يقتل بالعبد كما يقتل العبد به ، وهو قول داود وروي ذلك عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما ، وبه قال سعيد بن المسيب وقتادة وإبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والجمهور من العلماء لا يقتلون الحر بالعبد ، للتنويع والتقسيم في الآية . وقال أبو ثور : لما اتفق جميعهم على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار فيما دون النفوس كانت النفوس أحرى بذلك ، ومن فرق منهم بين ذلك فقد ناقض ، وأيضا فالإجماع فيمن قتل عبدا خطأ أنه ليس عليه إلا القيمة ، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد ، وأيضا فإن العبد سلعة من السلع يباع ويشترى ، ويتصرف فيه الحر كيف شاء ، فلا مساواة بينه وبين الحر ولا مقاومة .قلت : هذا الإجماع صحيح ، وأما قوله أولا : " ولما اتفق جميعهم - إلى قوله - فقد ناقض " فقد قال ابن أبي ليلى وداود بالقصاص بين الأحرار والعبيد في النفس وفي جميع الأعضاء ، واستدل داود بقوله عليه السلام : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم يفرق بين حر وعبد . وسيأتي بيانه في " النساء " إن شاء الله تعالى .السابعة : والجمهور أيضا على أنه لا يقتل مسلم بكافر ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل مسلم بكافر أخرجه البخاري عن علي بن أبي طالب ، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل يوم خيبر مسلما بكافر ; لأنه منقطع ، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا . قال الدارقطني : " لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك الحديث ، والصواب عن ربيعة عن ابن البيلماني مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وابن البيلماني ضعيف الحديث لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف بما يرسله " .قلت : فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري ، وهو يخصص عموم قوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الآية ، وعموم قوله : النفس بالنفس .الثامنة : روي عن علي بن أبي طالب والحسن بن أبي الحسن البصري أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ، ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبدا أو عبد حرا ، أو ذكر أنثى أو أنثى ذكرا ، وقالا : إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية ، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة . وإذا قتلت امرأة رجلا فإن أراد أولياؤه قتلها قتلوها وأخذوا نصف الدية ، وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها . روى هذا الشعبي عن علي ، ولا يصح ; لأن الشعبي لم يلق عليا ، وقد روى الحكم عن علي وعبد الله قالا : إذا قتل الرجل المرأة متعمدا فهو بها قود ، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي وأجمع العلماء على أن الأعور والأشل إذا قتل رجلا سالم الأعضاء أنه ليس لوليه أن يقتل الأعور ، ويأخذ منه نصف الدية من أجل أنه قتل ذا عينين وهو أعور ، وقتل ذا يدين وهو أشل ، فهذا يدل على أن النفس مكافئة للنفس ، ويكافئ الطفل فيها الكبير .ويقال لقائل ذلك : إن كان الرجل لا تكافئه المرأة ولا تدخل تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلمون تتكافأ دماؤهم فلم قتلت الرجل بها وهي لا تكافئه ثم تأخذ نصف الدية ، والعلماء قد أجمعوا أن الدية لا تجتمع مع القصاص ، وأن الدية إذا قبلت حرم الدم وارتفع القصاص ، فليس قولك هذا بأصل ولا قياس ، قاله أبو عمر رضي الله عنه ، وإذا قتل الحر العبد ، فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد ، وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد ، هذا مذكور عن علي والحسن ، وقد أنكر ذلك عنهم أيضا .التاسعة : وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل ، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء ، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات . قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبو ثور : وكذلك القصاص بينهما فيما دون النفس ، وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة : لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس بالنفس ، وهما محجوجان بإلحاق ما دون النفس بالنفس على طريق الأحرى والأولى ، على ما تقدم .العاشرة : قال ابن العربي : لقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا : يقتل الحر بعبد نفسه ، ورووا في ذلك حديثا عن الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قتل عبده قتلناه وهو حديث ضعيف ، ودليلنا قوله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل والولي ها هنا السيد ، فكيف يجعل له سلطان على نفسه " ، وقد اتفق الجميع على أن السيد لو قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال ، وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده بهفإن قيل : فإذا قتل الرجل زوجته لم لم تقولوا : ينصب النكاح شبهة في درء القصاص عن الزوج ، إذ النكاح ضرب من الرق ، وقد قال ذلك الليث بن سعد . قلنا : النكاح ينعقد لها عليه ، كما ينعقد له عليها ، بدليل أنه لا يتزوج أختها ولا أربعا سواها ، وتطالبه في حق الوطء بما يطالبها ، ولكن له عليها فضل القوامة التي جعل الله له عليها بما أنفق من ماله ، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة ، فلو أورث شبهة لأورثها في الجانبين .قلت : هذا الحديث الذي ضعفه ابن العربي وهو صحيح ، أخرجه النسائي وأبو داود وتتميم متنه : ومن جدعه جدعناه ومن أخصاه أخصيناه ، وقال البخاري عن علي بن المديني : سماع الحسن من سمرة صحيح ، وأخذ بهذا الحديث . وقال البخاري : وأنا أذهب إليه ، فلو لم يصح الحديث لما ذهب إليه هذان الإمامان ، وحسبك بهما ، ويقتل الحر بعبد نفسه . قال النخعي والثوري في أحد قوليه وقد قيل : إن الحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة ، والله أعلم . [ واختلفوا في القصاص بين العبيد فيما دون النفس ، هذا قول عمر بن عبد العزيز وسالم بن عبد الله والزهري وقران ومالك والشافعي وأبو ثور ، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة : لا قصاص بينهم إلا في النفس . قال ابن المنذر : الأول أصح ] .الحادية عشر : روى الدارقطني وأبو عيسى الترمذي عن سراقة بن مالك قال : حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيد الأب من ابنه ، ولا يقيد الابن من أبيه . قال أبو عيسى : " هذا حديث لا نعرفه من حديث سراقة إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده بصحيح ، رواه إسماعيل بن عياش عن المثنى بن الصباح ، والمثنى يضعف في الحديث ، وقد روى هذا الحديث أبو خالد الأحمر عن الحجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روي هذا الحديث عن عمرو بن شعيب مرسلا ، وهذا الحديث فيه اضطراب ، والعمل على هذا عند أهل العلم أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل به ، وإذا قذفه لا يحد " ، وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في الرجل يقتل ابنه عمدا ، فقالت طائفة : لا قود عليه وعليه ديته ، وهذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وقال مالك وابن نافع وابن عبد الحكم : يقتل به ، وقال ابن المنذر : وبهذا نقول لظاهر الكتاب والسنة ، فأما ظاهر الكتاب فقوله تعالى : كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ، والثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ولا نعلم خبرا ثابتا يجب به استثناء الأب من جملة الآية ، وقد روينا فيه أخبارا غير ثابتة ، وحكى إلكيا الطبري عن عثمان البتي أنه يقتل الوالد بولده ، للعمومات في القصاص . وروي مثل ذلك عن مالك ، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن .قلت : لا خلاف في مذهب مالك أنه إذا قتل الرجل ابنه متعمدا مثل أن يضجعه ويذبحه أو يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ ، أنه يقتل به قولا واحدا ، فأما إن رماه بالسلاح أدبا أو حنقا فقتله ، ففيه في المذهب قولان : يقتل به ، ولا يقتل به وتغلظ الدية ، وبه قال جماعة العلماء ، ويقتل الأجنبي بمثل هذا . ابن العربي : " سمعت شيخنا فخر الإسلام الشاشي يقول في النظر : لا يقتل الأب بابنه ; لأن الأب كان سبب وجوده ، فكيف يكون هو سبب عدمه ؟ وهذا يبطل بما إذا زنى بابنته فإنه يرجم ، وكان سبب وجودها وتكون هي سبب عدمه ، ثم أي فقه تحت هذا ، ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ذلك . وقد أثروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يقاد الوالد بولده وهو حديث باطل ، ومتعلقهم أن عمر رضي الله عنه قضى بالدية مغلظة في قاتل ابنه ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ، فأخذ سائر الفقهاء رضي الله عنهم المسألة مسجلة ، وقالوا : لا يقتل الوالد بولده ، وأخذها مالك محكمة مفصلة فقال : إنه لو حذفه بالسيف وهذه حالة محتملة لقصد القتل وعدمه ، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم القصد إلى القتل تسقط القود ، فإذا أضجعه وكشف الغطاء عن قصده فالتحق بأصله " . قال ابن المنذر : وكان مالك والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : إذا قتل الابن الأب قتل به .الثانية عشرة : وقد استدل الإمام أحمد بن حنبل بهذه الآية على قوله : لا تقتل الجماعة بالواحد ، قال : لأن الله سبحانه شرط المساواة ولا مساواة بين الجماعة والواحد ، وقد قال تعالى : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ، والجواب أن المراد بالقصاص في الآية قتل من قتل كائنا من كان ، ردا على العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل ، وتقتل في مقابلة الواحد مائة ، افتخارا واستظهارا بالجاه والمقدرة ، فأمر الله سبحانه بالعدل والمساواة ، وذلك بأن يقتل من قتل ، وقد قتل عمر رضي الله عنه سبعة برجل بصنعاء وقال : لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا ، وقتل علي رضي الله عنه الحرورية بعبد الله بن خباب فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا ، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب كما تذبح الشاة ، وأخبر علي بذلك قال : الله أكبر ! نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب ، فقالوا : كلنا قتله ، ثلاث مرات ، فقال علي لأصحابه : دونكم القوم ، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه . خرج الحديثين الدارقطني في سننه ، وفي الترمذي عن أبي سعيد وأبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار . وقال فيه : حديث غريب ، وأيضا فلو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا الواحد لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم وبلغوا الأمل من التشفي ، ومراعاة هذه القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ والله أعلم ، [ وقال ابن المنذر : وقال الزهري وحبيب بن أبي ثابت وابن سيرين : لا يقتل اثنان بواحد . روينا ذلك عن معاذ بن جبل وابن الزبير وعبد الملك ، قال ابن المنذر : وهذا أصح ، ولا حجة مع من أباح قتل جماعة بواحد ، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه ] .الثالثة عشرة : روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا ، لفظ أبي داود . وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وروي عن أبي شريح الخزاعي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية ، وذهب إلى هذا بعض أهل العلم ، وهو قول أحمد وإسحاق .الرابعة عشرة : اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قاتل العمد ، فقالت طائفة : ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل . يروى هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن ، ورواه أشهب عن مالك ، وبه قال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه ، وهو نص في موضع الخلاف ، وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه ; لأن فرضا عليه إحياء نفسه ، وقد قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم ، وقوله : فمن عفي له من أخيه شيء أي ترك له دمه في أحد التأويلات ، ورضي منه بالدية فاتباع بالمعروف أي فعلى صاحب الدم اتباع بالمعروف في المطالبة بالدية ، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان ، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أي أن من كان قبلنا لم يفرض الله عليهم غير النفس بالنفس ، فتفضل الله على هذه الأمة بالدية إذا رضي بها ولي الدم ، على ما يأتي بيانه ، وقال آخرون : ليس لولي المقتول إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه ، وبه قال الثوري والكوفيون ، واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع حين كسرت ثنية المرأة ، رواه الأئمة قالوا : فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال : القصاص كتاب الله ، القصاص كتاب الله ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص ، والأول أصح ، لحديث أبي شريح المذكور ، وروى الربيع عن الشافعي قال : أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال : وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود . فقال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : تأخذ به ؟ ! نعم آخذ به ، وذلك الفرض علي وعلى من سمعه ، إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه ، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه ، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك ، قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت .الخامسة عشرة : قوله تعالى : فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان اختلف العلماء في تأويل ( من ) و ( عفي ) على تأويلات خمس :أحدها أن من يراد بها القاتل ، وعفي تتضمن عافيا هو ولي الدم ، والأخ هو المقتول ، وشيء هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء ، والعفو في هذا القول على بابه الذي هو الترك ، والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتوله وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف ، ويؤدي إليه القاتل بإحسان .الثاني : وهو قول مالك أن من يراد به الولي وعفي يسر ، لا على بابها في العفو ، والأخ يراد به القاتل ، وشيء هو الدية ، أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه ، فمرة تيسر ومرة لا تيسر ، وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه ، وقد روي عن مالك هذا القول ، ورجحه كثير من أصحابه ، وقال أبو حنيفة : إن معنى عفي بذل ، والعفو في اللغة : البذل ، ولهذا قال الله تعالى : خذ العفو أي ما سهل ، وقال أبو الأسود الدؤلي :خذي العفو مني تستديمي مودتيوقال صلى الله عليه وسلم : أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله يعني شهد الله على عباده ، فكأنه قال : من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف ، وقال قوم : وليؤد إليه القاتل بإحسان ، فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل ، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة ، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة [ المائدة ] فمن تصدق به فهو كفارة له فندب إلى رحمة العفو والصدقة ، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية ، ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالإحسان .الثالث : وقد قال قوم : إن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة ، ومعنى الآية : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات ، ويكون عفي بمعنى فضل .الرابع : روى سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال : كان بين حيين من العرب قتال ، فقتل من هؤلاء وهؤلاء ، وقال أحد الحيين : لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة ، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : القتل سواء فاصطلحوا على الديات ، ففضل أحد الحيين على الآخر ، فهو قوله : كتب إلى قوله : فمن عفي له من أخيه شيء يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف ، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية ، وذكر سفيان العفو هنا الفضل ، وهو معنى يحتمله اللفظ .وتأويل خامس : وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد ، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف ، وعفي في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل .السادسة عشر : هذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب ، وحسن القضاء من المؤدي ، وهل ذلك على الوجوب أو الندب ، فقراءة الرفع تدل على الوجوب ; لأن المعنى فعليه اتباع بالمعروف . قال النحاس : فمن عفي له شرط والجواب فاتباع وهو رفع بالابتداء ، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ، ويجوز في غير القرآن ( فاتباعا وأداء ) بجعلهما مصدرين . قال ابن عطية : وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " فاتباعا " بالنصب ، والرفع سبيل للواجبات ، كقوله تعالى : فإمساك بمعروف ، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا ، كقوله : فضرب الرقاب .السابعة عشر : قوله تعالى : ذلك تخفيف من ربكم ورحمة لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية ، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة ، فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا .قوله تعالى : فمن اعتدى بعد ذلك فله شرط وجوابه ، أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط [ دم ] قاتل وليه . فله عذاب أليم قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية ، حتى يأمن القاتل ويخرج ، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدية .واختلف العلماء فيمن قتل بعد أخذ الدية فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي : هو كمن قتل ابتداء ، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة . وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل ألبتة ، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ، وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أعفى من قتل بعد أخذ الدية . وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة . وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما يرى ، وفي سنن الدارقطني عن أبي شريح الخزاعي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أصيب بدم أو خبل - والخبل عرج - فهو بالخيار بين إحدى ثلاث فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه بين أن يقتص أو يعفو أو يأخذ العقل فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا .
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ أُعِيدَ الخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ لِأنَّ هَذا صِنْفٌ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأحْكامٍ ذاتِ بالٍ في صَلاحِ المُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ، واسْتِتْبابِ نِظامِهِ وأمْنِهِ حِينَ صارَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ جَماعَةً ذاتَ اسْتِقْلالٍ بِنَفْسِها ومَدِينَتِها، فَإنَّ هاتِهِ الآياتِ كانَتْ مِن أوَّلِ ما أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ عامَ الهِجْرَةِ، كَما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] الآيَةَ. تِلْكَ أحْكامٌ مُتَتابِعَةٌ مِن إصْلاحِ أحْوالِ الأفْرادِ وأحْوالِ المُجْتَمَعِ، وابْتُدِئَ بِأحْكامِ القِصاصِ؛ لِأنَّ أعْظَمَ شَيْءٍ مِنِ اخْتِلالِ الأحْوالِ اخْتِلالُ حِفْظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ، وقَدْ أفْرَطَ العَرَبُ في إضاعَةِ هَذا الأصْلِ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مَن لَهُ إلْمامٌ بِتارِيخِهِمْ وآدابِهِمْ وأحْوالِهِمْ، فَقَدْ بَلَغَ بِهِمْ تَطَرُّفُهم في ذَلِكَ إلى وشْكِ الفَناءِ لَوْ طالَ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَدارَكْهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِنِعْمَةِ الإسْلامِ، (p-١٣٥)فَكانُوا يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ لِغَنِيمَةِ أنْعامِهِ وعَبِيدِهِ ونِسائِهِ فَيُدافِعُ المُغارُ عَلَيْهِ، وتَتْلَفُ نُفُوسٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ طَلَبُ الثّاراتِ، فَيَسْعى كُلُّ مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ في قَتْلِ قاتِلِ ولِيِّهِ، وإنْ أعْوَزَهُ ذَلِكَ قَتَلَ بِهِ غَيْرَهُ مِن واحِدٍ كُفْءٍ لَهُ، أوْ عَدَدًا يَراهم لا يُوازُونَهُ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ بِالتَّكايُلِ في الدَّمِ؛ أيْ: كَأنَّ دَمَ الشَّرِيفِ يُكالُ بِدِماءٍ كَثِيرَةٍ فَرُبَّما قَدَّرُوهُ بِاثْنَيْنِ أوْ بِعَشَرَةٍ أوْ بِمِائَةٍ، وهَكَذا يَدُورُ الأمْرُ ويَتَزايَدُ تَزايُدًا فاحِشًا حَتّى يَصِيرَ تَفانِيًا قالَ زُهَيْرٌ: ؎تَدارَكْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعَدَ ما تَفانَوْا ودَقُّوا بَيْنَهم عِطْرَ مَنشِمِ ويَنْتَقِلُ الأمْرُ مِن قَبِيلَةٍ إلى قَبِيلَةٍ بِالوَلاءِ والنَّسَبِ والحِلْفِ والنُّصْرَةِ، حَتّى صارَتِ الإحَنُ فاشِيَّةً فَتَخاذَلُوا بَيْنَهم واسْتَنْصَرَ بَعْضُ القَبائِلِ عَلى بَعْضٍ، فَوَجَدَ الفُرْسُ والرُّومُ مَدْخَلًا إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم فَحَكَمُوهم وأرْهَبُوهم، وإلى هَذا الإشارَةُ واللَّهُ أعْلَمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ [آل عمران: ١٠٣] أيْ: كُنْتُمْ أعْداءً بِأسْبابِ الغاراتِ والحُرُوبِ فَألَفَّ بَيْنَكم بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وكُنْتُمْ عَلى وشْكِ الهَلاكِ فَأنْقَذَكم مِنهُ، فَضَرَبَ مَثَلًا لِلْهَلاكِ العاجِلِ الَّذِي لا يُبْقِي شَيْئًا بِحُفْرَةِ النّارِ، فالقائِمُ عَلى حافَّتِها لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الهَلاكِ إلّا أقَلُّ حَرَكَةٍ. فَمَعْنى (كُتِبَ عَلَيْكم) أنَّهُ حَقٌّ لازِمٌ لِلْأُمَّةِ لا مَحِيدَ عَنِ الأخْذِ بِهِ، فَضَمِيرُ ”عَلَيْكم“ لِمَجْمُوعِ الأُمَّةِ عَلى الجُمْلَةِ، لِمَن تَوَجَّهَ لَهُ حَقُّ القِصاصِ، ولَيْسَ المُرادُ: عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ القِصاصُ؛ لِأنَّ ولِيَّ الدَّمِ لَهُ العَفْوُ عَنْ دَمِ ولِيِّهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ وأصْلُ الكِتابَةِ نَقْشُ الحُرُوفِ في حَجَرٍ أوْ رَقٍّ أوْ ثَوْبٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ النَّقْشُ يُرادُ بِهِ التَّوَثُّقُ لِما نُقِشَ بِهِ ودَوامُ تَذَكُّرِهِ أطْلَقَ ”كُتِبَ“ عَلى المَعْنى: حَقَّ وثَبَتَ؛ أيْ: حَقَّ لِأهْلِ القَتِيلِ. والقِصاصُ اسْمٌ لِتَعْوِيضِ حَقِّ جِنايَةٍ أوْ حَقِّ غُرْمٍ عَلى أحَدٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن عِنْدِ المَحْقُوقِ إنْصافًا وعَدْلًا، فالقِصاصُ يُطْلَقُ عَلى عُقُوبَةِ الجانِي بِمِثْلِ ما جَنى، وعَلى مُحاسَبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ بِما عَلَيْهِ لِلْمَدِينِ مِن دَيْنٍ يَفِي بِدَيْنِهِ، فَإطْلاقاتُهُ كُلُّها تَدُلُّ عَلى التَّعادُلِ والتَّناصُفِ في الحُقُوقِ والتَّبِعاتِ المَعْرُوضَةِ لِلْغَمْصِ. وهُوَ بِوَزْنِ فِعالٍ، وهو وزْنُ مَصْدَرِ فاعَلَ مِنَ القَصِّ وهو القَطْعُ، ومِنهُ قَوْلُهم: طائِرٌ مَقْصُوصُ الجَناحِ، ومِنهُ سُمِّيَ المِقَصُّ لِآلَةِ القَصِّ؛ أيِ: القَطْعِ، وقُصَّةُ الشَّعْرِ - بِضَمِّ القافِ - ما يُقَصُّ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَجْرِي في حَقَّيْنِ مُتَبادِلَيْنِ بَيْنَ جانِبَيْنِ يُقالُ قاصَّ فُلانٍ فُلانًا إذا طَرَحَ مِن دَيْنٍ في ذِمَّتِهِ مِقْدارًا (p-١٣٦)يَدِينُ لَهُ في ذِمَّةِ الآخَرِ، فَشُبِّهَ التَّناصُفُ بِالقَطْعِ؛ لِأنَّهُ يَقْطَعُ النِّزاعَ النّاشِبَ قَبْلَهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ القَوْدُ وهو تَمْكِينُ ولِيِّ المَقْتُولِ مِن قَتْلِ قاتِلِ مَوْلاهُ قِصاصًا قالَ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وسُمِّيتْ عُقُوبَةُ مَن يَجْرَحُ أحَدًا جُرْحًا عَمْدًا عُدْوانًا بِأنْ يَجْرَحَ ذَلِكَ الجارِحَ مِثْلَ ما جَرَحَ غَيْرَهُ قِصاصًا قالَ تَعالى: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وسَمُّوا مُعامَلَةَ المُعْتَدِي بِمِثْلِ جُرْمِهِ قِصاصًا ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَماهِيَّةُ القِصاصِ تَتَضَمَّنُ ماهِيَّةَ التَّعْوِيضِ والتَّماثُلِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ يَتَحَمَّلُ مَعْنى الجَزاءِ عَلى القَتْلِ بِالقَتْلِ لِلْقاتِلِ، وتَتَحَمَّلُ مَعْنى التَّعادُلِ والتَّماثُلِ في ذَلِكَ الجَزاءِ بِما هو كالعِوَضِ لَهُ والمِثْلِ، وتَتَحَمَّلُ مَعْنى أنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ مِمَّنْ لا شَرِكَةَ لَهُ في قَتْلِ القَتِيلِ، فَأفادَ قَوْلُهُ: ”﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾“ حَقَّ المُؤاخَذَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ في قَتْلِ القَتْلى، فَلا يَذْهَبُ حَقُّ قَتِيلٍ باطِلًا ولا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ باطِلًا، وذَلِكَ إبْطالٌ لِما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن إهْمالِ دَمِ الوَضِيعِ إذا قَتَلَهُ الشَّرِيفُ وإهْمالِ حَقِّ الضَّعِيفِ إذا قَتَلَهُ القَوِيُّ الَّذِي يُخْشى قَوْمُهُ، ومِن تَحَكُّمِهِمْ بِطَلَبِ قَتْلِ غَيْرِ القاتِلِ إذا قَتَلَ أحَدٌ رَجُلًا شَرِيفًا يَطْلُبُونَ قَتْلَ رَجُلٍ شَرِيفٍ مِثْلِهِ، بِحَيْثُ لا يَقْتُلُونَ القاتِلَ إلّا إذا كانَ بَواءً لِلْمَقْتُولِ؛ أيْ: كُفْأً لَهُ في الشَّرَفِ والمَجْدِ، ويَعْتَبِرُونَ قِيمَةَ الدِّماءِ مُتَفاوِتَةً بِحَسَبِ تَفاوُتِ السُّؤْدُدِ والشَّرَفِ، ويُسَمُّونَ ذَلِكَ التَّفاوُتَ تَكايُلًا مِنَ الكَيْلِ، قالَتِ ابْنَةُ بَهْدَلِ بْنِ قَرَقَةَ الطّائِيِّ تَسْتَثِيرُ رَهْطَها عَلى قَتْلِ رَجُلٍ قَتَلَ أباها، وتَذْكُرُ أنَّها ما كانَتْ تَقْنَعُ بِقَتْلِهِ بِهِ لَوْلا أنَّ الإسْلامَ أبْطَلَ تَكايُلَ الدِّماءِ: ؎أما في بَنِي حِصْنٍ مِنِ ابْنِ كَرِيهَةَ ∗∗∗ مِنَ القَوْمِ طَلّابِ التِّراتِ غَشَمْشَمِ ؎فَيَقْتُلُ جَبْرًا بِامْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ∗∗∗ بَواءً ولَكِنْ لا تَكايُلَ بِالدَّمِ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» . وقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الآيَةِ شَرْعُ القِصاصِ في قَتْلِ العَمْدِ، وحِكْمَةُ ذَلِكَ رَدْعُ أهْلِ العُدْوانِ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى قَتْلِ الأنْفُسِ إذا عَلِمُوا أنَّ جَزاءَهُمُ القَتْلُ، فَإنَّ الحَياةَ أعَزُّ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ في الجِبِلَّةِ، فَلا تُعادِلُ عُقُوبَةٌ القَتْلَ في الرَّدْعِ والِانْزِجارِ، ومِن حِكْمَةِ ذَلِكَ تَطْمِينُ أوْلِياءِ القَتْلى بِأنَّ القَضاءَ يَنْتَقِمُ لَهم مِمَّنِ اعْتَدى عَلى قَتِيلِهِمْ قالَ تَعالى: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] أيْ: لِئَلّا يَتَصَدّى أوْلِياءُ القَتِيلِ لِلِانْتِقامِ مِن قاتِلِ مَوْلاهم (p-١٣٧)بِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى صُورَةِ الحَرْبِ بَيْنَ رَهْطَيْنِ فَيَكْثُرُ فِيهِ إتْلافُ الأنْفُسِ كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى صَدْرِ الآيَةِ، ويَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] وأوَّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ في الإسْلامِ دَمُ رَجُلٍ مِن هُذَيْلٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي لَيْثٍ، فَأقادَ مِنهُ النَّبِيءُ ﷺ وهو سائِرٌ إلى فَتْحِ الطّائِفِ بِمَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ: بَحْرَةَ الرُّغاءِ في طَرِيقِ الطّائِفِ وذَلِكَ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ. و”في“ مِن قَوْلِهِ: ”في القَتْلى“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، والقِصاصُ لا يَكُونُ في ذَواتِ القَتْلى، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ، وحَذْفُهُ هُنا لِيَشْمَلَ القِصاصُ سائِرَ شُئُونِ القَتْلى وسائِرَ مَعانِي القِصاصِ، فَهو إيجازٌ وتَعْمِيمٌ. وجَمْعُ (القَتْلى) بِاعْتِبارِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ؛ أيْ: في قَتْلاكم، والتَّعْرِيفُ في القَتْلى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، والقَتِيلُ هو مَن يَقْتُلُهُ غَيْرُهُ مِنَ النّاسِ والقَتْلُ فِعْلُ الإنْسانِ إماتَةَ إنْسانٍ آخَرَ فَلَيْسَ المَيِّتُ بِدُونِ فِعْلِ فاعِلٍ قَتِيلًا. وجُمْلَةُ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ فالباءُ في قَوْلِهِ: ”بِالحُرِّ“ وما بَعْدَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى القِصاصِ، والتَّقْدِيرِ: الحُرُّ يَقْتَصُّ أوْ يُقْتَلُ بِالحُرِّ إلَخْ، ومَفْهُومُ القَيْدِ مَعَ ما في الحُرِّ والعَبْدِ والأُنْثى مِن مَعْنى الوَصْفِيَّةِ يَقْتَضِي أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ لا بِغَيْرِهِ، والعَبْدَ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ لا بِغَيْرِهِ، والأُنْثى تُقْتَلُ بِالأُنْثى لا بِغَيْرِها، وقَدِ اتَّفَقَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ هَذا المَفْهُومَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ بِاطِّرادٍ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المِقْدارِ المَعْمُولِ بِهِ مِنهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأدِلَّةِ الثّابِتَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وفي المُرادِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومَحْمَلِ مَعْناها، فَفي المُوَطَّأِ: قالَ مالِكٌ أحْسُنُ ما سَمِعْتُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ فَهَؤُلاءِ الذُّكُورُ، وقَوْلَهُ: ”﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾“: أنَّ القِصاصَ يَكُونُ بَيْنَ الإناثِ كَما يَكُونُ بَيْنَ الذُّكُورِ، والمَرْأةُ الحُرَّةُ تُقْتَلُ بِالمَرْأةِ الحُرَّةِ كَما يُقْتَلُ الحُرُّ بِالحُرِّ، والأمَةُ تُقْتَلُ بِالأمَةِ كَما يُقْتَلُ العَبْدُ بِالعَبْدِ، والقِصاصُ يَكُونُ بَيْنَ النِّساءِ كَما يَكُونُ بَيْنَ الرِّجالِ، والقِصاصُ أيْضًا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. أيْ: وخُصَّتِ الأُنْثى بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّها مَشْمُولَةٌ لِعُمُومِ الحُرِّ بِالحُرِّ والعَبْدِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ: ”الحُرُّ“ وقَوْلِهِ: ”العَبْدُ“ مُرادٌ بِها خُصُوصُ الذُّكُورِ. قالَ القُرْطُبِيُّ عَنْ طائِفَةٍ: إنَّ الآيَةَ جاءَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِ النَّوْعِ إذا قَتَلَ نَوْعَهُ فَبَيَّنَتْ حُكْمَ الحُرِّ (p-١٣٨)إذا قَتَلَ حُرًّا، والعَبْدِ إذا قَتَلَ عَبْدًا، والأُنْثى إذا قَتَلَتْ أُنْثى، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِأحَدِ النَّوْعَيْنِ إذا قَتَلَ الآخَرَ، فالآيَةُ مُحْكَمَةٌ وفِيها إجْمالٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَةَ ا هـ. وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّقْيِيدُ لِبَيانِ عَدَمِ التَّفاضُلِ في أفْرادِ النَّوْعِ، ولا مَفْهُومَ لَهُ فِيما عَدا ذَلِكَ مِن تَفاضُلِ الأنْواعِ إثْباتًا ولا نَفْيًا، وقالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ قالُوا: لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ بِالعَبْدِ والذَّكَرَ بِالأُنْثى. وذَلِكَ وقَعَ في قِتالٍ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ، ولَمْ يَثْبُتْ هَذا الَّذِي رَواهُ، وهو لا يُغْنِي في إقامَةِ مَحْمَلِ الآيَةِ، وعَلى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لا اعْتِبارَ بِعُمُومِ مَفْهُومِ القَيْدِ؛ لِأنَّ شَرْطَ اعْتِبارِهِ ألّا يَظْهَرَ لِذِكْرِ القَيْدِ سَبَبٌ إلّا الِاحْتِرازَ عَنْ نَقِيضِهِ، فَإذا ظَهَرَ سَبَبٌ غَيْرُ الِاحْتِرازِ بَطَلَ الِاحْتِجاجُ بِالمَفْهُومِ، وحِينَئِذٍ فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى ألّا يُقْتَلَ حُرٌّ بِعَبْدٍ ولا أُنْثى بِذَكَرٍ، ولا عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، وإنَّ دَلِيلَ المُساواةِ بَيْنَ الأُنْثى والذَّكَرِ وعَدَمِ المُساواةِ بَيْنَ العَبْدِ والحُرِّ عِنْدَ مَن نَفى المُساواةَ مُسْتَنْبَطٌ مِن أدِلَّةٍ أُخْرى. الثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَذا كانَ حُكْمًا في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المائِدَةِ ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ونَقَلَهُ في الكَشّافِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والنَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ بِأنَّ آيَةَ المائِدَةِ حِكايَةٌ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَكَيْفَ تَصْلُحُ نَسْخًا لِحُكْمٍ ثَبَتَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ، أيْ: حَتّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، فَمَحَلُّهُ ما لَمْ يَأْتِ في شَرْعِنا خِلافُهُ. وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ عَنِ الحَنَفِيَّةِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ”في القَتْلى“ هو نِهايَةُ الكَلامِ، وقَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ ثَبَتَ عُمُومُ المُساواةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ لِأنَّ القَتْلى عامٌّ، وخُصُوصُ آخِرِ الآيَةِ لا يُبْطِلُ عُمُومَ أوَّلِها، ولِذَلِكَ قالُوا: يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ، قُلْتُ: يَرِدُ عَلى هَذا أنَّهُ لا فائِدَةَ في التَّفْصِيلِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا، وأنَّ الكَلامَ بِأواخِرِهِ، فالخاصُّ يُخَصِّصُ العامَّ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ لا مَحِيصَ مِنِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ تَفْصِيلًا إلّا أنْ يَقُولُوا إنَّ ذَلِكَ كالتَّمْثِيلِ، والمَنقُولُ عَنِ الحَنَفِيَّةِ في الكَشّافِ هو ما ذَكَرْناهُ آنِفًا. ويَبْقى بَعْدَ هاتِهِ التَّأْوِيلاتِ سُؤالٌ قائِمٌ عَنْ وجْهِ تَخْصِيصِ الأُنْثى بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ وهَلْ تَخْرُجُ الأُنْثى عَنْ كَوْنِها حُرَّةً أوْ أمَةً بَعْدَ ما تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالحُرِّ والعَبْدِ الجِنْسانِ؛ إذْ لَيْسَ صِيغَةُ الذُّكُورِ فِيها لِلِاحْتِرازِ عَنِ النِّساءِ مِنهم؛ فَإنَّ ”ال“ (p-١٣٩)لَمّا صَيَّرَتْهُ اسْمَ جِنْسٍ صارَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ وبَطَلَ ما فِيهِ مِن صِيغَةِ تَأْنِيثٍ، كَما يَبْطُلُ ما فِيهِ مِن صِيغَةِ جَمْعٍ إنْ كانَتْ فِيهِ. ولِأجْلِ هَذا الإشْكالِ سَألْتُ العَلّامَةَ الجِدَّ الوَزِيرَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ وجْهِ مَجِيءِ هَذِهِ المُقابَلَةِ المُشْعِرَةِ بِألّا يُقْتَصَّ مِن صِنْفٍ إلّا لِقَتْلِ مُماثِلِهِ في الصِّفَةِ، فَتَرَكَ لِي ورَقَةً بِخَطِّهِ فِيها ما يَأْتِي: الظّاهِرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ الآيَةَ يَعْنِي آيَةَ سُورَةِ المائِدَةِ نَزَلَتْ إعْلامًا بِالحُكْمِ في بَنِي إسْرائِيلَ تَأْنِيسًا وتَمْهِيدًا لِحُكْمِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، ولِذَلِكَ تَضَمَّنَتْ إناطَةَ الحُكْمِ بِلَفْظِ النَّفْسِ المُتَناوَلِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى، الحُرِّ والعَبْدِ، الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ولَمْ تَتَضَمَّنْ حُكْمًا لِلْعَبِيدِ ولا لِلْإناثِ، وصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ [المائدة: ٤٥] والآيَةُ الثّانِيَةُ ”يَعْنِي آيَةَ سُورَةِ البَقَرَةِ“ صُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾) وناطَ الحُكْمُ فِيها بِالحُرِّيَّةِ المُتَناوِلَةِ لِلْأصْنافِ كُلِّها، ثُمَّ ذَكَرَ حُكْمَ العَبِيدِ والإناثِ رَدًّا عَلى مَن يَزْعُمُ أنَّهُ لا يُقْتَصُّ لَهم، وخَصَّصَ الأُنْثى بِالأُنْثى لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ دَمَها مَعْصُومٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا اقْتَصَّ لَها مِنَ الأُنْثى ولَمْ يَقْتَصَّ لَها مِنَ الذَّكَرِ صارَ الدَّمُ مَعْصُومًا تارَةً لِذاتِهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ أُخْرى، وهَذا مِن لُطْفِ التَّبْلِيغِ حَيْثُ كانَ الحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِدَلِيلِهِ، فَقَوْلُهُ: ؎كَتَبَ القَتْلَ والقِتالَ عَلَيْنا ∗∗∗ وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ حُكْمٌ جاهِلِيٌّ ا هـ. يَعْنِي أنَّ الآيَةَ لَمْ يُقْصَدْ مِنها إلّا إبْطالُ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ مِن تَرْكِ القِصاصِ لِشَرَفٍ أوْ لِقِلَّةِ اكْتِراثٍ، فَقَصَدَتِ التَّسْوِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ أيْ: لا فَضْلَ لِحُرٍّ شَرِيفٍ عَلى حَرٍّ ضَعِيفٍ، ولا لِعَبِيدِ السّادَةِ عَلى عَبِيدِ العامَّةِ، وقَصَدَتْ مَن ذِكْرِ الأُنْثى إبْطالَ ما كانَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِجِنايَةِ الأُنْثى، واعْتِبارِها غَيْرَ مُؤاخَذَةٍ بِجِناياتِها، وأرادَ بِقَوْلِهِ: حُكْمٌ جاهِلِيٌّ أنَّهُ لَيْسَ جارِيًا عَلى أحْكامِ الإسْلامِ؛ لِأنَّ البَيْتَ لِعُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وهو شاعِرٌ إسْلامِيٌّ مِن صَدْرِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ. فَإنْ قُلْتَ: كانَ الوَجْهُ ألّا يَقُولَ: (بِالأُنْثى) المُشْعِرُ بِأنَّ الأُنْثى لا تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ مَعَ إجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ المَرْأةَ يُقْتَصُّ مِنها لِلرَّجُلِ. قُلْتُ: الظّاهِرُ أنَّ القَيْدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، فَإنَّ الجارِيَ في العُرْفِ أنَّ الأُنْثى لا تَقْتُلُ إلّا أُنْثى، إذْ لا يَتَثاوَرُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَذِكْرُ ”بِالأُنْثى“ خارِجٌ عَلى اعْتِبارِ الغالِبِ، كَمَخْرَجِ وصْفِ السّائِمَةِ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فِي الغَنَمِ السّائِمَةِ الزَّكاةُ» والخُلاصَةُ أنَّ الآيَةَ لا يَلْتَئِمُ مِنها مَعْنًى سَلِيمٌ مِنَ الإشْكالِ إلّا مَعْنى إرادَةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأصْنافِ لِقَصْدِ إبْطالِ عَوائِدِ الجاهِلِيَّةِ. (p-١٤٠)وإذا تَقَرَّرَ أنَّ الآيَةَ لا دَلالَةَ لَها عَلى نَفْيِ القِصاصِ بَيْنَ الأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ، ولا عَلى إثْباتِهِ مِن جِهَةِ ما ورَدَ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ انْتِقاضٍ بِجِهَةٍ أُخْرى، فَتَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ مَحْمَلُهُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ هو مُساواةُ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ بَعْضِها مَعَ بَعْضٍ دُونَ تَفاضُلٍ بَيْنَ الأفْرادِ، ثُمَّ أدِلَّةُ العُلَماءِ في تَسْوِيَةِ القِصاصِ بَيْنَ بَعْضِ الأصْنافِ مَعَ بَعْضٍ، الذُّكُورِ بِالإناثِ، وفي عَدَمِها كَعَدَمِ تَسْوِيَةِ الأحْرارِ بِالعَبِيدِ عِنْدَ الَّذِينَ لا يُسَوُّونَ بَيْنَ صِنْفَيْهِما خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ وابْنِ أبِي لَيْلى وداوُدَ - أدِلَّةٌ أُخْرى غَيْرُ هَذا القَيْدِ الَّذِي في ظاهِرِ الآيَةِ، فَأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَأخَذَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: ”القَتْلى“ ولَمْ يُثْبِتْ لَهُ مُخَصِّصًا، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِنهُ إلّا القِصاصَ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ الحَرْبِيِّ، واسْتِثْناؤُهُ لا خِلافَ فِيهِ، ووَجْهُهُ أنَّ الحَرْبِيَّ غَيْرُ مَعْصُومِ الدَّمِ، وأمّا المَعاهَدُ فَفي حُكْمِ قَتْلِ المُسْلِمِ إيّاهُ مَذاهِبُ، وأمّا الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ فَنَفَيا القِصاصَ مِنَ المُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ والمُعاهَدِ، وأخَذا بِحَدِيثِ «لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ»، ومالِكٌ واللَّيْثُ قالا: لا قِصاصَ مِنَ المُسْلِمِ إذا قَتَلَ الذِّمِّيَّ والمُعاهَدَ قَتْلَ عُدْوانٍ، وأثْبَتا القِصاصَ مِنهُ إذا قَتَلَ غِيلَةً. وأمّا القِصاصُ بَيْنَ الحُرِّ والعَبْدِ في قَطْعِ الأطْرافِ فَلَيْسَ مِن مُتَعَلِّقاتِ هَذِهِ الآيَةِ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]) في سُورَةِ العُقُودِ. ونَفى مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ القِصاصَ مِنَ الحُرِّ لِلْعَبْدِ اسْتِنادًا لِعَمَلِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وسُكُوتِ الصَّحابَةِ، واسْتِنادًا لِآثارٍ مَرْوِيَّةٍ، وقِياسًا عَلى انْتِفاءِ القِصاصِ مِنَ الحُرِّ في إصابَةِ أطْرافِ العَبْدِ فالنَّفْسُ أوْلى بِالحِفْظِ. والقِصاصُ مِنَ العَبْدِ لِقَتْلِهِ الحُرَّ ثابِتٌ عِنْدَهُما بِالفَحْوى، والقِصاصُ مِنَ الذَّكَرِ لِقَتْلِ الأُنْثى ثابِتٌ بِلَحْنِ الخِطابِ. * * * ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ؛ أيْ: لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ اللَّفْظِيِّ لا لِتَفْرِيعِ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ بِها عَلى حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ ما قَبْلَها، والمَقْصُودُ بَيانُ أنَّ أخْذَ الوَلِيِّ بِالقِصاصِ المُسْتَفادِ مِن صُوَرِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ لَيْسَ واجِبًا عَلَيْهِ ولَكِنَّهُ حَقٌّ لَهُ فَقَطْ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن قَوْلِهِ: (﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾) أنَّ الأخْذَ بِهِ واجِبٌ عَلى ولِيِّ القَتِيلِ، والتَّصَدِّي لِتَفْرِيعِ ذِكْرِ هَذا بَعْدَ ذِكْرِ حَقِّ القِصاصِ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الأوْلى بِالنّاسِ قَبُولُ الصُّلْحِ اسْتِبْقاءً لِأواصِرِ أُخُوَّةِ (p-١٤١)الإسْلامِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ، وقَدْ فَسَّرُوها تَفْسِيرًا قَرَّبُوهُ عَلى قَدْرِ أفْهامِ أهْلِ عَصْرِهِمْ ثُمَّ أخَذَ الأزْهَرِيُّ في تَفْسِيرِها بِما لَمْ يَكْشِفْ مَعْنًى وما أزالَ إشْكالًا، ولِلْمُفَسِّرِينَ مَناحٍ كَثِيرَةٌ في تَفْسِيرِ ألْفاظِها، ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ خَمْسَةً مِنها، وذَكَرَ في الكَشّافِ تَأْوِيلًا آخَرَ، وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ تَأْوِيلَيْنِ راجِعَيْنِ إلى تَأْوِيلِ الكَشّافِ، واتَّفَقَ جَمِيعُهم عَلى أنَّ القَصْدَ مِنها التَّرْغِيبُ في المُصالَحَةِ عَنِ الدِّماءِ، ويَنْبَغِي ألّا نَذْهَبَ بِأفْهامِ النّاظِرِ طَرائِقَ قِدَدًا، فالقَوْلُ الفَصْلُ أنْ نَقُولَ: إنَّ ماصَدَقَ ”مَن“ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ هو ولِيُّ المَقْتُولِ، وإنَّ المُرادَ بِأخِيهِ هو القاتِلُ، وُصِفَ بِأنَّهُ أخٌ تَذْكِيرًا بِأُخُوَّةِ الإسْلامِ، وتَرْقِيقًا لِنَفْسِ ولِيِّ المَقْتُولِ؛ لِأنَّهُ إذا اعْتَبَرَ القاتِلَ أخًا لَهُ كانَ مِنَ المُرُوءَةِ ألّا يَرْضى بِالقَوْدِ مِنهُ؛ لِأنَّهُ كَمَن رَضِيَ بِقَتْلِ أخِيهِ، ولَقَدْ قالَ بَعْضُ العَرَبِ، قَتَلَ أخُوهُ ابْنًا لَهُ عَمْدًا، فَقُدِّمَ إلَيْهِ لِيَقْتادَ مِنهُ فَألْقى السَّيْفَ، وقالَ: ؎أقُولُ لِلنَّفْسِ تَأْساءً وتَعْزِيَةً إحْدى يَدَيَّ أصابَتْنِي ولَمْ تُرِدِ ؎كِلاهُما خَلَفٌ مِن فَقْدِ صاحِبِهِ ∗∗∗ هَذا أخِي حِينِ أدْعُوهُ وذا ولَدِي وماصَدَقُ (شَيْءٌ) هو عِوَضُ الصُّلْحِ، ولَفْظُ ”شَيْءٍ“ اسْمٌ مُتَوَغِّلٌ في التَّنْكِيرِ، دالٌّ عَلى نَوْعِ ما يَصْلُحُ لَهُ سِياقُ الكَلامِ، وقَدْ تَقَدَّمَ حُسْنُ مَوْقِعِ كَلِمَةِ ”شَيْءٍ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ومَعْنى ﴿عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ﴾ أنَّهُ أعْطى العَفْوَ؛ أيِ: المَيْسُورَ عَلى القاتِلِ مِن عِوَضِ الصُّلْحِ. ومِن مَعانِي العَفْوِ أنَّهُ المَيْسُورُ مِنَ المالِ الَّذِي لا يُجْحِفُ بِباذِلِهِ، وقَدْ فُسِّرَ بِهِ العَفْوُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩])، وإيثارُ هَذا الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِمُراعاةِ التَّيْسِيرِ والسَّماحَةِ، وهي مِن خُلُقِ الإسْلامِ، فَهَذا تَأْكِيدٌ لِلتَّرْغِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مِن أخِيهِ) والتَّعْبِيرُ عَنْ عِوَضِ الدَّمِ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ العِوَضَ يَخْتَلِفُ فَقَدْ يُعْرَضُ عَلى ولِيِّ الدَّمِ مالٌ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ وقَدْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ إبِلٌ أوْ عَرُوضٌ أوْ مُقاصَّةُ دِماءٍ بَيْنَ الحَيَّيْنِ؛ إذْ لَيْسَ العِوَضُ في قَتْلِ العَمْدِ مُعَيَّنًا، كَما هو في دِيَةِ قَتْلِ الخَطَأِ. و(اتِّباعٌ) و(أداءٌ) مَصْدَرانِ وقَعا عِوَضًا عَنْ فِعْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: فَلْيَتَّبِعِ اتِّباعًا ولْيُؤَدِّ أداءً، فَعَدَلَ عَنْ أنْ يَنْصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ إلى الرَّفْعِ لِإفادَةِ مَعْنى الثَّباتِ، والتَّحْقِيقُ الحاصِلُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، كَما عَدَلَ إلى الرَّفْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿قالَ سَلامٌ﴾ [هود: ٦٩]) بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿قالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩]) وقَدْ تَقَدَّمَ تَطَوُّرُ المَصْدَرِ الَّذِي أصْلُهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ إلى مَصِيرِهِ مَرْفُوعًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢]) فَنَظْمُ الكَلامِ: فاتِّباعٌ حاصِلٌ مِمَّنْ عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ وأداءٌ (p-١٤٢)حاصِلٌ مِن أخِيهِ إلَيْهِ، وفي هَذا تَحْرِيضٌ لِمَن عُفِيَ لَهُ عَلى أنْ يَقْبَلَ ما عُفِيَ لَهُ، وتَحْرِيضٌ لِأخِيهِ عَلى أداءِ ما بَذَلَهُ بِإحْسانٍ. والِاتِّباعُ مُسْتَعْمَلٌ في القَبُولِ والرِّضا؛ أيْ: فَلْيَرْضَ بِما عُفِيَ لَهُ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وإذا أُتْبِعَ أحَدُكم عَلى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» . والضَّمِيرُ المُقَدَّرُ في ”اتِّباعٌ“ عائِدٌ إلى (مَن عُفِيَ لَهُ) والضَّمِيرُ المُقَدَّرُ في ”أداءٌ“ عائِدٌ إلى أخِيهِ، والمَعْنى: فَلْيَرْضَ بِما بَذَلَ لَهُ مِنَ الصُّلْحِ المُتَيَسَّرِ، ولْيُؤَدِّ باذِلُ الصُّلْحِ ما بَذَلَهُ دُونَ مُماطَلَةٍ ولا نَقْصٍ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِإلى عائِدانِ عَلى ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ . ومَقْصِدُ الآيَةِ التَّرْغِيبُ في الرِّضا بِأخْذِ العِوَضِ عَنْ دَمِ القَتِيلِ بَدَلًا مِنَ القِصاصِ؛ لِتَغْيِيرِ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَعَيَّرُونَ بِهِ مِن أخْذِ الصُّلْحِ في قَتْلِ العَمْدِ، ويُعِدُّونَهُ بَيْعًا لِدَمِ مَوْلاهم، كَما قالَ مُرَّةُ الفَقْعَسِيُّ: ؎فَلا تَأْخُذُوا عَقْلًا مِنَ القَوْمِ إنَّنِي ∗∗∗ أرى العارَ يَبْقى والمَعاقِلَ تَذْهَبُ وقالَ غَيْرُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا لَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ صُلْحًا عَنْ قَتِيلٍ: ؎فَلَوْ أنَّ حَيًّا يَقْبَلُ المالَ فِدْيَةً ∗∗∗ لَسُقْنا لَهم سَيْبًا مِنَ المالِ مُفْعَمًا ؎ولَكِنْ أبى قَوْمٌ أُصِيبَ أخُوهم ∗∗∗ رِضا العارِ فاخْتارُوا عَلى اللَّبَنِ الدَّما وهَذا كُلُّهُ في العَفْوِ عَلى قَتْلِ العَمْدِ، وأمّا قَتْلُ الخَطَأِ فَإنَّ شَأْنَهُ الدِّيَةُ عَنْ عاقِلَةِ القاتِلِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ النِّساءِ. وإطْلاقُ وصْفِ الأخِ عَلى المُماثِلِ في دِينِ الإسْلامِ تَأْسِيسُ أصْلٍ جاءَ بِهِ القُرْآنُ جَعَلَ بِهِ التَّوافُقُ في العَقِيدَةِ كالتَّوافُقِ في نَسَبِ الأُخُوَّةِ، وحَقًّا فَإنَّ التَّوافُقَ في الدِّينِ آصِرَةٌ نَفْسانِيَّةٌ، والتَّوافُقَ في النَّسَبِ آصِرَةٌ جَسَدِيَّةٌ، والرُّوحُ أشْرَفُ مِنَ الجَسَدِ. واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى الخَوارِجِ في أنَّ المَعْصِيَةَ لا تُزِيلُ الإيمانَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سَمّى القاتِلَ أخًا لِوَلِيِّ الدَّمِ، وتِلْكَ أُخُوَّةُ الإسْلامِ مَعَ كَوْنِ القاتِلِ عاصِيًا. وقَوْلُهُ: (﴿بِالمَعْرُوفِ﴾) المَعْرُوفُ: هو الَّذِي تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ وتَسْتَحْسِنُهُ، فَهو مِمّا تُسَرُّ بِهِ النُّفُوسُ ولا تَشْمَئِزُّ مِنهُ ولا تُنْكِرُهُ، ويُقالُ لِضِدِّهِ مُنْكَرٌ، وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. (p-١٤٣)والباءُ في قَوْلِهِ: (﴿بِالمَعْرُوفِ﴾) لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فاتِّباعٌ مُصاحِبٌ لِلْمَعْرُوفِ؛ أيْ: رِضًا وقَبُولٌ وحُسْنُ اقْتِضاءٍ إنْ وقَعَ مَطْلٌ، وقَبُولُ التَّنْجِيمِ إنْ سَألَهُ القاتِلُ. والأداءُ: الدَّفْعُ وإبْلاغُ الحَقِّ، والمُرادُ بِهِ إعْطاءُ مالِ الصُّلْحِ، وذَكَرَ مُتَعَلِّقَهُ وهو قَوْلُهُ: (إلَيْهِ) المُؤْذِنُ بِالوُصُولِ إلَيْهِ والِانْتِهاءِ إلَيْهِ لِلْإشارَةِ إلى إبْلاغِ مالِ الصُّلْحِ إلى المَقْتُولِ بِأنْ يَذْهَبَ بِهِ إلَيْهِ ولا يُكَلِّفَهُ الحُضُورَ بِنَفْسِهِ لِقَبْضِهِ أوْ إرْسالَ مَن يَقْبِضُهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَمْطُلُهُ، وزادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ: (﴿بِإحْسانٍ﴾) أيْ: دُونَ غَضَبٍ ولا كَلامٍ كَرِيهٍ أوْ جَفاءِ مُعامَلَةٍ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو قَبُولُ العَفْوِ وإحْسانُ الأداءِ والعُدُولُ عَنِ القِصاصِ، تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ عَلى النّاسِ، فَهو رَحْمَةٌ مِنهُ أيْ: أثَرُ رَحْمَتِهِ؛ إذِ التَّخْفِيفُ في الحُكْمِ أثَرُ الرَّحْمَةِ، فالأخْذُ بِالقِصاصِ عَدْلٌ، والأخْذُ بِالعَفْوِ رَحْمَةٌ. ولَمّا كانَتْ مَشْرُوعِيَّةُ القِصاصِ كافِيَةً في تَحْقِيقِ مَقْصَدِ الشَّرِيعَةِ في شَرْعِ القِصاصِ مِنِ ازْدِجارِ النّاسِ عَنْ قَتْلِ النُّفُوسِ وتَحْقِيقِ حِفْظِ حَقِّ المَقْتُولِ بِكَوْنِ الخِيرَةِ لِلْوَلِيِّ، كانَ الإذْنُ في العَفْوِ إنْ تَراضَيا عَلَيْهِ - رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ بِالجانِبَيْنِ، فالعَدْلُ مُقَدَّمٌ والرَّحْمَةُ تَأْتِي بَعْدَهُ. قِيلَ: إنَّ الآيَةَ أشارَتْ إلى ما كانَ في الشَّرِيعَةِ الإسْرائِيلِيَّةِ مِن تَعْيِينِ القِصاصِ مِن قاتِلِ العَمْدِ دُونَ العَفْوِ ودُونَ الدِّيَةِ، كَما ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو في صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو ظاهِرُ ما في سِفْرِ الخُرُوجِ الإصْحاحِ الثّالِثِ: (مَن ضَرَبَ إنْسانًا فَماتَ يُقْتَلُ قَتْلًا، ولَكِنَّ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ بَلْ أوْقَعَ اللَّهُ في يَدِهِ، فَأنا أجْعَلُ لَكَ مَكانًا يُهْرَبُ إلَيْهِ، وإذا بَغى إنْسانٌ عَلى صاحِبِهِ لِيَقْتُلَهُ بِغَدْرٍ فَمِن عِنْدِ مَذْبَحِي تَأْخُذُهُ لِلْمَوْتِ) وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ حُكْمَ الإنْجِيلِ العَفْوُ مُطْلَقًا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا غَيْرُ ثابِتٍ في شَرِيعَةِ عِيسى؛ لِأنَّهُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهُ إلّا أنَّهُ قالَ ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠] فَلَعَلَّهُ مِمّا أخَذَهُ عُلَماءُ المَسِيحِيَّةِ مِن أمْرِهِ بِالعَفْوِ والتَّسامُحِ، لَكِنَّهُ حُكْمٌ تُنَزَّهُ شَرائِعُ اللَّهِ عَنْهُ لِإفْضائِهِ إلى انْخِرامِ نِظامِ العالَمِ، وشَتّانَ بَيْنَ حالِ الجانِي بِالقَتْلِ في الإسْلامِ يَتَوَقَّعُ القِصاصَ ويَضَعُ حَياتَهُ في يَدِ ولِيِّ دَمِ المَقْتُولِ، فَلا يَدْرِي أيَقْبَلُ الصُّلْحَ أمْ لا يَقْبَلُ، وبَيْنَ ما لَوْ كانَ واثِقًا بِأنَّهُ لا قِصاصَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُجَرِّئُهُ عَلى قَتْلِ عَدُوِّهِ وخَصْمِهِ. * * * (p-١٤٤)﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ حُكْمِ العَفْوِ؛ لِأنَّ العَفْوَ يَقْتَضِي شُكْرَ اللَّهِ عَلى أنْ أنْجاهُ بِشَرْعِ جَوازِ العَفْوِ، وبِأنْ سَخَّرَ الوَلِيَّ لِلْعَفْوِ، ومِنَ الشُّكْرِ ألّا يَعُودَ إلى الجِنايَةِ مَرَّةً أُخْرى، فَإنْ عادَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ، وقَدْ فَسَّرَ الجُمْهُورُ العَذابَ الألِيمَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، والمُرادُ تَشْدِيدُ العَذابِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ثُمَّ لَهُ مِن حُكْمِ العَفْوِ والدِّيَةِ ما لِلْقاتِلِ ابْتِداءً عِنْدَهِمْ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِعَذابِ الدُّنْيا؛ أعْنِي القَتْلَ فَقالُوا: إنْ عادَ المَعْفُوُّ عَنْهُ إلى القَتْلِ مَرَّةً أُخْرى فَلا بُدَّ مِن قَتْلِهِ ولا يُمَكِّنُ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ، ونَقَلُوا ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ، ورَواهُ أبُو داوُدَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبَ، عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن أقْوالِهِمْ هُنا، سَواءٌ كانَ العَذابُ عَذابَ الآخِرَةِ أوْ عَذابَ الدُّنْيا - أنَّ تَكَرُّرَ الجِنايَةِ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وهو ظاهِرٌ مِن مَقاصِدِ الشّارِعِ؛ لِأنَّ الجِنايَةَ قَدْ تَصِيرُ لَهُ دُرْبَةً، فَعَوْدُهُ إلى قَتْلِ النَّفْسِ يُؤْذِنُ بِاسْتِخْفافِهِ بِالأنْفُسِ، فَيَجِبُ أنْ يُراحَ مِنهُ النّاسُ، وإلى هَذا نَظَرَ قَتادَةَ ومَن مَعَهُ، غَيْرَ أنَّ هَذا لا يَمْنَعُ حُكْمَ العَفْوِ إنْ رَضِيَ بِهِ الوَلِيُّ؛ لِأنَّ الحَقَّ حَقُّهُ، وما أحْسَنَ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بِتَفْوِيضِهِ إلى الإمامِ لِيَنْظُرَ هَلْ صارَ هَذا القاتِلُ مُزْهِقَ أنْفُسٍ، ويَنْبَغِيَ إنْ عُفِيَ عَنْهُ أنْ تُشَدَّدَ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ أكْثَرَ مِن ضَرْبِ مِائَةٍ وحَبْسِ عامٍ وإنْ لَمْ يَقُولُوهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ هَذا الحُكْمَ بَعْدَ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الجانِيَ غَيْرُ جَدِيرٍ في هاتِهِ المَرَّةِ بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ، وهَذا مَوْضِعُ نَظَرٍ مِنَ الفِقْهِ دَقِيقٌ، قَدْ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ ثُمَّ يَدْفَعُ الدِّيَةَ ثُمَّ يَغْدُرُهُ ولِيُّ الدَّمِ فَيَقْتُلُهُ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قِصَّةُ حُصَيْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ الَّتِي أشارَ إلَيْها زُهَيْرٌ بِقَوْلِهِ: ؎لَعَمْرِي لِنِعْمَ الحَيُّ جَرَّ عَلَيْهُمُ بِما لا يُواتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ