موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الاثنين 21 شعبان 1447 هجرية الموافق ل09 فبراير 2026


الآية [196] من سورة  

وَأَتِمُّوا۟ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ وَلَا تَحْلِقُوا۟ رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُۥ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِۦٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِۦ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُۥ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ


ركن التفسير

196 - (وأتموا الحج والعمرة لله) أدوهما بحقوقهما (فإن أُحصِرتم) منعتم عن إتمامها بعدو (فما استيسر) تيسر (من الهدي) عليكم وهو شاة (ولا تحلقوا رؤوسكم) أي لا تتحللوا (حتى يبلغ الهدي) المذكور (محله) حيث يحل ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعي فيذبح فيه بنية التحلل ويُفَرَّق على مساكينه ويحلق وبه يحصل التحلل (فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه) كقمل وصداع فحلق في الإحرام (ففدية) عليه (من صيام) الثلاثة أيام (أو صدقة) بثلاثة آصع من غالب قوت البلد على ستة مساكين (أو نسك) أي ذبح شاة وأو للتخيير وألحق به من حلق لغير عذر لأنه أولى بالكفارة ، وكذا من استمتع بغير الخلق كالطيب واللبس والدهن لعذر أو غيره (فإذا أمنتم) العدو بأن ذهب أو لم يكن (فمن تمتع) استمتع (بالعمرة) أي بسبب فراغه منها بمحظورات الإحرام (إلى الحج) أي إلى الإحرام به بأن يكون أحرم بها في أشهره (فما استيسر) تيسر (من الهدي) عليه وهو شاة يذبحها بعد الإحرام به والأفضل يوم النحر (فمن لم يجد) الهدي لفقده أو فقد ثمنه (فصيام) أي فعليه صيام (ثلاثة أيام في الحج) أي في حال الإحرام به فيجب حينئذ أن يحرم قبل السابع من ذي الحجة والأفضل قبل السادس لكراهة صوم يوم عرفة ولا يجوز صومها أيام التشريق على أصح قولي الشافعي (وسبعة إذا رجعتم) إلى وطنكم مكة أو غيرها وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج وفيه التفات عن الغيبة (تلك عشَرَة كاملة) جملة تأكيد لما قبلها. (ذلك) الحكم المذكور من وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع (لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) بأن لم يكونوا على دون مرحلتين من الحرم عند الشافعي فإن كان فلا دمَ عليه ولا صيام وإن تمتع. وفي ذكر الأهل إشعار باشتراط الاستيطان ، فلو أقام قبل أشهر الحج ولم يستوطن أو تمتع فعليه ذلك وهو أحد وجهين عند الشافعي والثاني لا ، والأهل كناية عن النفس وألحق بالمتمتع فيما ذكر بالسنة القارن وهو من أحرم بالعمرة والحج معا أو يدخل الحج عليها قبل الطواف (واتقوا الله) فيما يأمركم به وينهاكم عنه (واعلموا أن الله شديد العقاب) لمن خالفه

لما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما. ولهذا قال بعده فإن أحصرتم أي صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها كما هما قولان للعلماء وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام مستقصى ولله الحمد والمنة. وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلمة عن علي أنه قال في هذه الآية "وأتموا الحج والعمرة لله" قال: أن تحرم من دويرة أهلك. وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس وعن سفيان الثوري أنه قال في هذه الآية: إتمامهما أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة حتى إذا كنت قريبا من مكة قلت لو حججت أو اعتمرت وذلك يجزئ ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره. وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعا من الميقات. وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال بلغنا أن عمر قال في قول الله "وأتموا الحج والعمرة للّه" من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر وأن تعتمر في غير أشهر الحج إن الله تعالى يقول "الحج أشهر معلومات". وقال هشام عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول إن العمرة في أشهر الحج ليست بتمامه فقيل له فالعمرة في المحرم؟ قال: كانوا يرونها تامة. وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله وهذا القول فيه نظر لأنه قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معا في ذي القعدة سنة عشر وما اعتمر في غير ذلك بعد هجرته ولكن قال لأم هانئ "عمرة في رمضان تعدل حجة معي" وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه عليه السلام فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها والله أعلم. وقال السدي في قوله "وأتموا الحج والعمرة للّه" أي أقيموا الحج والعمرة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "وأتموا الحج والعمرة للّه" يقول من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحل حتى يتمهما تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وطاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حل. وقال قتادة عن زرارة عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله "وأتموا الحج والعمرة للّه" قال هي قراءة عبدالله وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لا يجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: كذلك قال ابن عباس. وقال سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. وكذا روى الثوري أيضا عن إبراهيم عن منصور عن إبراهيم أنه قرأ: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. وقرأ الشعبي "وأتموا الحج والعمرة للّه" برفع العمرة وقال ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك. وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة عن أنس وجماعة من الصجابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع في إحرامه بحج وعمرة. وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة". وقال في الصحيح أيضا "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة". وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثا غريبا فقال: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عبدالله الهروي حدثنا غسان الهروي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - متضمخ بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرنى يا رسول الله في عمرتي؟ قال فأنزل الله "وأتموا الحج والعمرة للّه" فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أين السائل عن العمرة" فقال ها أنا ذا. فقال له "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل استنشق ما استطعت ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" هذا حديث غريب وسياق عجيب والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة فقال كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟" فقال: ها أنا ذا فقال "أما الجبة فانزعها وأما الطيب الذي بك فاغسله ثم ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق ولا ذكر نزول هذه الآية وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية فالله أعلم. وقوله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ذكروا. أن هذه الآية نزلت في سنة ست أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الوصول إلى البيت وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة وأن يحلقوا رءوسهم وأن يتحللوا من إحرامهم فعند ذلك أمرهم عليه السلام بأن يحلقوا رءوسهم وأن يتحللوا فلم يفعلوا انتظارا للنسخ حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم - "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال: في الثالثة "والمقصرين" وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة وكانوا ألفا وأربعمائة وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم وقيل بل كانوا على طرف الحرم فالله أعلم. ولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين. فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبدالله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس وابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء إنما قال الله تعالى فإذا أمنتم فليس الأمن حصرا قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك. والقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حجاج بن الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول "من كسر أو وجع أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى" قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به وفي رواية لأبي داود وابن ماجه من "عرج أو كسر أو مرض" فذكر معناه. ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية فقال "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني" ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث وقد علق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث قال البيهقي وغيره من الحفاظ وقد صح وللّه الحمد. وقوله "فما استيسر من الهدي" قال الإمام مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول "فما استيسر من الهدي" شاة. وقال ابن عباس الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن. وقال الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "فما استيسر من الهدي" قال شاة. وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبدالرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك وهو مذهب الأئمة الأربعة: وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة وابن عمر أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر قال وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك "قلت" والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة وإنما ذبحوا الإبل والبقر ففي الصحيحين عن جابر قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس في قوله "فما استيسر من الهدي" قال بقدر يسارته وقال العوفي عن ابن عباس: إن كان موسرا فمن الإبل وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم وقال هشام بن عروة عن أبيه "فما استيسر من الهدي" قال إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي أي مهما تيسر مما يسمى هديا والهدي من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة غنما. وقوله "ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله" معطوف على قوله "وأتموا الحج والعمرة للّه" وليس معطوفا على قوله "فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي" كما زعمه ابن جرير رحمه الله لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق "حتى يبلغ الهدي محله" ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنا أو من فعل أحدهما إن كان مفردا أو متمتعا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إنى لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر". وقوله "فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك". قال البخاري: حدثنا آدم حدثنا شعبة عن عبدالرحمن بن الأصبهاني سمعت عبدالله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد يعني مسجد الكوفة فسألته عن فدية من صيام فقال: حملت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي فقال "ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ بك هذا أما تجد شاة" قلت: لا. قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك" فنزلت في خاصة وهي لكم عامة. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي فقال "يؤذيك هوام رأسك؟" قلت نعم. قال: "فاحلقه وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك نسيكة" قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ. وقال أحمد أيضا: حدثنا هشام حدثنا أبو بشر عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون وكانت لي وفرة فجعلت الهوام تساقط على وجهي فمر علي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أيؤذيك هوام رأسك" فأمره أن يحلق قال ونزلت هذه الآية فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك. وكذا رواه عثمان عن شعبة عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به وعن شعبة عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى به وعن شعبة عن داود عن الشعبي عن كعب بن عجرة نحوه ورواه الإمام مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة فذكر نحوه. وقال سعد بن إسحق بن كعب بن عجرة عن أبان بن صالح عن الحسن البصري أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة ورواه ابن مردويه وروي أيضا من حديث عمر بن قيس وهو ضعيف عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "النسك شاة والصيام ثلاثة أيام والطعام فرق بين ستة" وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعلقمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبدالأعلى أخبرنا عبدالله بن وهب أن مالك بن أنس حدثه عن عبدالكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق رأسه وقال "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان أو انسك شاة أي ذلك فعلت أجزأ عنك" وهكذا روى ابن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس في قوله "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال إذا كان أو فأيه أخذت أجزأ عنك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم النخعي والضحاك نحو ذلك "قلت" وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعل أجزأه ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة بالأسهل فالأسهل "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" ولما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: "انسك شاة أو أطعم ستة مساكين أو صم ثلاثة أيام" فكل حسن في مقامه ولله الحمد والمنة. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيم سعيد بن جبير عن هذه الآية "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" فأجابه بقول يحكم عليه طعام فإن كان عنده اشترى شاة وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق وإلا صام لكل نصف صاع يوما. قال إبراهيم كذلك سمعت علقمة يذكر قال: لما قال لي سعيد بن جبير من هذا ما أظرفه؟ قال: قلت هذا إبراهيم فقال ما أظرفه كان يجالسنا قال: فذكرت ذلك لإبراهيم قال: فلما قلت يجالسنا انتفض منها. وقال ابن جرير أيضا: حدثنا ابن أبي عمران حدثنا عبيدالله بن معاذ عن أبيه عن أشعث عن الحسن في قوله "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء والصيام عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين مكوكا من تمر ومكوكا من بر والنسك شاة. وقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله "ففدية من صيام أو صدقة أو نسك" قال: إطعام عشرة مساكين. وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر لأنه قد ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيام لا ستة أو إطعام ستة مساكين أو نسك شاة وإن ذلك على التخيير كما دل عليه سياق القرآن وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا والله أعلم. وقال هشام: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دم أو طعام فبمكة وما كان من صيام فحيث شاء وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن وقال هشام: أخبرنا حجاج وعبدالملك وغيرهما عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دم فبمكة وما كان من طعام وصيام فحيث شاء. وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد عن يعقوب بن خالد أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر قال: حج عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان. قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه قال: فقلت أيها النائم! فاستيقظ فإذا الحسين بن علي قال فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا قال: فأرسل إلى علي ومعه أسماء بنت عميس قال: فمرضناه نحوا من عشرين ليلة قال: قال علي للحسين ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه قال: فأمر به علي فحلق رأسه ثم دعا ببدنة فنحرها فإن كانت هذه النافة عن الحلق ففيه أنه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل فواضح. وقوله "فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" أي فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعا بالعمرة إلى الحج وهو يشمل من أحرم بهما أو أحرم بالعمرة أولا فلما فرغ منها أحرم بالحج وهذا هو التمتع الخاص وهو المعروف في كلام الفقهاء والتمتع العام يشمل القسمين كما دلت عليه الأحاديث الصحاح فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هديا وقال تعالى "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي" أي فليذبح ما قدر عليه من الهدي وأقله شاة وله أن يذبح البقر لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذبح عن نسائه البقر وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح البقر عن نسائه وكن متمتعات رواه أبو بكر بن مردويه وفي هذا دليل على مشروعية التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينه عنها حتى مات قال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: يقال إنه عمر وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول إن نأخذ بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله "وأتموا الحج والعمرة للّه" وفي نفس الأمر لم يكن عمر - رضي الله عنه - ينهى عنها محرما لها إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين كما قد صرح به رضي الله عنه. وقوله "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة" يقول تعالى: فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج أي في أيام المناسك. قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر قاله عطاء أو من حين يحرم قاله ابن عباس وغيره لقوله في الحج ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال قاله طاوس ومجاهد وغير واحد وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم أبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان. وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله وكذا روى ابن إسحق عن وبرة عن ابن عمر قال: يصوم يوما قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة وكذا روى جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أيضا فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضا القديم منهما أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي هكذا رواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة وعن سالم عن ابن عمر وقد روي من غير وجه عنهما. ورواه سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير وإنما قالوا ذلك لعموم قوله "فصيام ثلاثة أيام في الحج" والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل" وقوله "وسبعة إذا رجعتم" فيه قولان: "أحدهما" إذا رجعتم إلى رحالكم. ولهذا قال مجاهد هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق وكذا قال عطاء بن أبي رباح والقول "الثاني" إذا رجعتم إلى أوطانكم. قال عبدالرزاق: أخبرنا الثوري عن يحيى بن سعيد عن سالم سمعت ابن عمر قال: "فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم" قال: إذا رجع إلى أهله. وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبدالله أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة فأهل بعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله". وذكر تمام الحديث قال الزهري: وأخبرني عروة عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به وقوله "تلك عشرة كاملة" قيل: تأكيد كما تقول العرب رأيت بعيني وسمعت بأذني وكتبت بيدي وقال الله تعالى "ولا طائر يطير بجناحيه" وقال "ولا تخطه بيمينك" وقال "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة" وقيل معنى كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها. اختاره ابن جرير وقيل معنى كاملة أي مجزئة عن الهدي قال هشام عن عباد بن راشد عن الحسن البصري في قوله "تلك عشرة كاملة" قال: من الهدي. وقوله "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام" قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله "لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام" بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم فقال بعضهم عني بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم. حدثنا ابن بشار حدثنا عبدالرحمن حدثنا سفيان هو الثوري قال: قال ابن عباس: هم أهل الحرم وكذا روى ابن المبارك عن الثوري وزاد الجماعة عليه وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة لا متعة لكم أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم إنما يقطع أحدكم واديا أو قال يجعل بينه وبين الحرم واديا ثم يهل بعمرة. وقال عبدالرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم. وكذا قول الله عز وجل "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام" قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس. وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت كما قال عبدالرزاق: أخبرنا معمر عن عطاء قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع وقال عبدالله بن المبارك عن عبدالرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول في قوله "ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام" قال: من كان دون الميقات. وقال ابن جريج عن عطاء: ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام. قال: عرفة ومزدلفة وعرنة والرجيع. وقال عبدالرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع. وفي رواية عنه اليوم واليومين. واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة لأن من كان كذلك يعد حاضرا لا مسافرا والله أعلم. وقوله "واتقوا الله" أي فيما أمركم ونهاكم "واعلموا أن الله شديد العقاب" أي لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.

) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله فيها سبع مسائل :الأولى : اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة لله ، فقيل : أداؤهما والإتيان بهما ، كقوله : فأتمهن وقوله : ثم أتموا الصيام إلى الليل أي ائتوا بالصيام ، وهذا على مذهب من أوجب العمرة ، على ما يأتي ، ومن لم يوجبها قال : المراد تمامهما بعد الشروع فيهما ، فإن من أحرم بنسك وجب عليه المضي فيه ولا يفسخه ، قال معناه الشعبي وابن زيد ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ، وفعله عمران بن حصين ، وقال سفيان الثوري : إتمامهما أن تخرج قاصدا لهما لا لتجارة ولا لغير ذلك ، ويقوي هذا قوله " لله " . وقال عمر : إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع وقران ، وقاله ابن حبيب ، وقال مقاتل : إتمامهما ألا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم ، وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم فيقولون : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، فقال : فأتموهما ولا تخلطوهما بشيء آخر .قلت : أما ما روي عن علي وفعله عمران بن حصين في الإحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبد الله بن مسعود وجماعة من السلف ، وثبت أن عمر أهل من إيلياء ، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم ، ورخص فيه الشافعي ، وروى أبو داود والدارقطني عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم من بيت المقدس بحج أو عمرة كان من ذنوبه كيوم ولدته أمه في رواية غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وخرجه أبو داود وقال : " يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس ، يعني إلى مكة " ، ففي هذا إجازة الإحرام قبل الميقات ، وكره مالك رحمه الله أن يحرم أحد قبل الميقات ، ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وأنكر عثمان على ابن عمر إحرامه قبل الميقات ، وقال أحمد وإسحاق : وجه العمل المواقيت ، ومن الحجة لهذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت المواقيت وعينها ، فصارت بيانا لمجمل الحج ، ولم يحرم صلى الله عليه وسلم من بيته لحجته ، بل أحرم من ميقاته الذي وقته لأمته ، وما فعله صلى الله عليه وسلم فهو الأفضل إن شاء الله ، وكذلك صنع جمهور الصحابة والتابعين بعدهم ، واحتج أهل المقالة الأولى بأن ذلك أفضل بقول عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ، وبحديث أم سلمة مع ما ذكر عن الصحابة في ذلك ، وقد شهدوا إحرام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته من ميقاته ، وعرفوا مغزاه ومراده ، وعلموا أن إحرامه من ميقاته كان تيسيرا على أمته .الثانية : روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرن ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ ، حتى أهل مكة من مكة يهلون منها ، وأجمع أهل العلم على القول بظاهر هذا الحديث واستعماله ، لا يخالفون شيئا منه ، واختلفوا في ميقات أهل العراق وفيمن وقته ، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق . قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وروي أن عمر وقت لأهل العراق ذات عرق ، وفي كتاب أبي داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق ، وهذا هو الصحيح ومن روى أن عمر وقته لأن العراق في وقته وقد افتتحت ، فغفلة منه ، بل وقته رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وقت لأهل الشام الجحفة ، والشام كلها يومئذ دار كفر كما كانت العراق وغيرها يومئذ من البلدان ، ولم تفتح العراق ولا الشام إلا على عهد عمر . وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل السير . قال أبو عمر : كل عراقي أو مشرقي أحرم من ذات عرق فقد أحرم عند الجميع من ميقاته والعقيق أحوط عندهم وأولى من ذات عرق ، وذات عرق ميقاتهم أيضا بإجماع .الثالثة : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وإنما منع من ذلك من رأى الإحرام عند الميقات أفضل ، كراهية أن يضيق المرء على نفسه ما قد وسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لا يؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الإحرام إذا فعل ذلك ; لأنه زاد ولم ينقص .الرابعة : في هذه الآية دليل على وجوب العمرة ; لأنه تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج . قال الصبي بن معبد : أتيت عمر رضي الله عنه فقلت إني كنت نصرانيا فأسلمت ، وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي ، وإني أهللت بهما جميعا ، فقال له عمر هديت لسنة نبيك قال ابن المنذر : ولم ينكر عليه قوله : " وجدت الحج والعمرة مكتوبتين علي " ، وبوجوبهما قال علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس ، وروى الدارقطني عن ابن جريج قال : أخبرني نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول : ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع ذلك سبيلا ، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع . قال : ولم أسمعه يقول في أهل مكة شيئا . قال ابن جريج : وأخبرت عن عكرمة أن ابن عباس قال : العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع إليه سبيلا ، وممن ذهب إلى وجوبها من التابعين عطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد بن جبير وأبو بردة ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكيين . وقال الثوري : سمعنا أنها واجبة وسئل زيد بن ثابت عن العمرة قبل الحج ، فقال : صلاتان لا يضرك بأيهما بدأت ، ذكره الدارقطني ، وروي مرفوعا عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت وكان مالك يقول : العمرة سنة ولا نعلم أحدا أرخص في تركها ، وهو قول النخعي وأصحاب الرأي فيما حكى ابن المنذر وحكى بعض القزوينيين والبغداديين عن أبي حنيفة أنه كان يوجبها كالحج ، وبأنها سنة ثابتة ، قال ابن مسعود وجابر بن عبد الله . روى الدارقطني حدثنا محمد بن القاسم بن زكريا حدثنا محمد بن العلاء أبو كريب حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ؟ قال : نعم فسأله عن العمرة : أواجبة هي ؟ قال : لا وأن تعتمر خير لك . رواه يحيى بن أيوب عن حجاج وابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر موقوفا من قول جابر فهذه حجة من لم يوجبها من السنة قالوا : وأما الآية فلا حجة فيها للوجوب ; لأن الله سبحانه إنما قرنها في وجوب الإتمام لا في الابتداء ، فإنه ابتدأ الصلاة والزكاة فقال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وابتدأ بإيجاب الحج فقال : ولله على الناس حج البيت ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها ، فلو حج عشر حجج ، أو اعتمر عشر عمر لزم الإتمام في جميعها ، فإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء ، والله أعلم ، واحتج المخالف من جهة النظر على وجوبها بأن قال : عماد الحج الوقوف بعرفة ، وليس في العمرة وقوف ، فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله ، كما أن سنة الصلاة تساوي فريضتها في أفعالها .الخامسة : قرأ الشعبي وأبو حيوة برفع التاء في " العمرة " وهي تدل على عدم الوجوب ، وقرأ الجماعة العمرة بنصب التاء ، وهي تدل على الوجوب ، وفي مصحف ابن مسعود " وأتموا الحج والعمرة إلى البيت لله " وروي عنه " وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت " وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق ، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ، ولا حظ بقصد ، ولا قربة بمعتقد ، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه ، ثم سامح في التجارة ، على ما يأتي .السادسة : لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجا ولا عمرة والقلم جار له وعليه أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه ، وأن النية تجب فرضا ، لقوله تعالى : وأتموا ومن تمام العبادة حضور النية ، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام ، لقوله عليه السلام لما ركب راحلته : لبيك بحجة وعمرة معا على ما يأتي ، وذكر الربيع في كتاب البويطي عن الشافعي قال : ولو لبى رجل ولم ينو حجا ولا عمرة لم يكن حاجا ولا معتمرا ، ولو نوى ولم يلب حتى قضى المناسك كان حجه تاما ، واحتج بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات . قال : ومن فعل مثل ما فعل علي حين أهل على إهلال النبي صلى الله عليه وسلم أجزته تلك النية ; لأنها وقعت على نية لغيره قد تقدمت ، بخلاف الصلاة .السابعة : واختلف العلماء في المراهق والعبد يحرمان بالحج ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف بعرفة ، فقال مالك : لا سبيل لهما إلى رفض الإحرام ولا لأحد متمسكا بقوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله ومن رفض إحرامه فلا يتم حجه ولا عمرته ، وقال أبو حنيفة : جائز للصبي إذا بلغ قبل الوقوف بعرفة أن يجدد إحراما ، فإن تمادى على حجه ذلك لم يجزه من حجة الإسلام ، واحتج بأنه لما لم يكن الحج يجزي عنه ، ولم يكن الفرض لازما له حين أحرم بالحج ثم لزمه حين بلغ استحال أن يشغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه ، كمن دخل في نافلة وأقيمت عليه المكتوبة وخشي فوتها قطع النافلة ودخل في المكتوبة ، وقال الشافعي : إذا أحرم الصبي ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة فوقف بها محرما أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد . قال : ولو عتق بمزدلفة وبلغ الصبي بها فرجعا إلى عرفة بعد العتق والبلوغ فأدركا الوقوف بها قبل طلوع الفجر أجزت عنهما من حجة الإسلام ، ولم يكن عليهما دم ، ولو احتاطا فأهراقا دما كان أحب إلي ، وليس ذلك بالبين عندي ، واحتج في إسقاط تجديد الإحرام بحديث علي رضي الله عنه إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من اليمن مهلا بالحج : بم أهللت قال قلت : لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإني أهللت بالحج وسقت الهدي . قال الشافعي : ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ، ولا أمره بتجديد نية لإفراد أو تمتع أو قران ، وقال مالك في النصراني يسلم عشية عرفة فيحرم بالحج : أجزأه من حجة الإسلام ، وكذلك العبد يعتق ، والصبي يبلغ إذا لم يكونوا محرمين ولا دم على واحد منهم ، وإنما يلزم الدم من أراد الحج ولم يحرم من الميقات . وقال أبو حنيفة : يلزم العبد الدم ، وهو كالحر عندهم في تجاوز الميقات ، بخلاف الصبي والنصراني فإنهما لا يلزمهما الإحرام لدخول مكة لسقوط الفرض عنهما ، فإذا أسلم الكافر وبلغ الصبي كان حكمهما حكم المكي ، ولا شيء عليهما في ترك الميقات .قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي فيها اثنتا عشرة مسألة :الأولى : قال ابن العربي : هذه آية مشكلة ، عضلة من العضل .قلت : لا إشكال فيها ، ونحن نبينها غاية البيان فنقول : الإحصار هو المنع من الوجه الذي تقصده بالعوائق جملة " فجملة " أي بأي عذر كان ، كان حصر عدو أو جور سلطان أو مرض أو ما كان ، واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأول : قال علقمة وعروة بن الزبير وغيرهما : هو المرض لا العدو . وقيل : العدو خاصة ، قال ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي . قال ابن العربي : وهو اختيار علمائنا ، ورأى أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن " أحصر " عرض للمرض ، و " حصر " نزل به العدو .قلت : ما حكاه ابن العربي من أنه اختيار علمائنا فلم يقل به إلا أشهب وحده ، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا وقالوا : الإحصار إنما هو المرض ، وأما العدو فإنما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور ، قاله الباجي في المنتقى . وحكى أبو إسحاق الزجاج أنه كذلك عند جميع أهل اللغة ، على ما يأتي ، وقال أبو عبيدة والكسائي : " أحصر " بالمرض ، و " حصر " بالعدو ، وفي المجمل لابن فارس على العكس ، فحصر بالمرض ، وأحصر بالعدو ، وقالت طائفة : يقال أحصر فيهما جميعا من الرباعي ، حكاه أبو عمر .قلت : وهو يشبه قول مالك حيث ترجم في موطئه " أحصر " فيهما ، فتأمله ، وقال الفراء : هما بمعنى واحد في المرض والعدو . قال القشيري أبو نصر : وادعت الشافعية أن الإحصار يستعمل في العدو ، فأما المرض فيستعمل فيه الحصر ، والصحيح أنهما يستعملان فيهما .قلت : ما ادعته الشافعية قد نص الخليل بن أحمد وغيره على خلافه . قال الخليل : حصرت الرجل حصرا منعته وحبسته ، وأحصر الحاج عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه ، هكذا قال ، جعل الأول ثلاثيا من حصرت ، والثاني في المرض رباعيا ، وعلى هذا خرج قول ابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو ، وقال ابن السكيت : أحصره المرض إذا منعه من السفر أو من حاجة يريدها ، وقد حصره العدو يحصرونه إذا ضيقوا عليه فأطافوا به ، وحاصروه محاصرة وحصارا . قال الأخفش : حصرت الرجل فهو محصور ، أي حبسته . قال : وأحصرني بولي ، وأحصرني مرضي ، أي جعلني أحصر نفسي . قال أبو عمرو الشيباني : حصرني الشيء وأحصرني ، أي حبسني .قلت : فالأكثر من أهل اللغة على أن " حصر " في العدو ، و " أحصر " في المرض ، وقد قيل ذلك في قول الله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله وقال ابن ميادة :وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغولوقال الزجاج : الإحصار عند جميع أهل اللغة إنما هو من المرض ، فأما من العدو فلا يقال فيه إلا حصر ، يقال : حصر حصرا ، وفي الأول أحصر إحصارا ، فدل على ما ذكرناه . وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه الحصير للذي يحبس نفسه عن البوح بسره ، والحصير : الملك لأنه كالمحبوس من وراء الحجاب . والحصير الذي يجلس عليه لانضمام بعض طاقات البردي إلى بعض ، كحبس الشيء مع غيره .الثانية : ولما كان أصل الحصر الحبس قالت الحنفية : المحصر من يصير ممنوعا من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غير ذلك ، واحتجوا بمقتضى الإحصار مطلقا ، قالوا : وذكر الأمن في آخر الآية لا يدل على أنه لا يكون من المرض ، قال صلى الله عليه وسلم : الزكام أمان من الجذام وقال : من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص واللوص والعلوص . الشوص : وجع السن ، واللوص : وجع الأذن . والعلوص : وجع البطن . أخرجه ابن ماجه في سننه . قالوا : وإنما جعلنا حبس العدو حصارا قياسا على المرض إذا كان في حكمه ، لا بدلالة الظاهر ، وقال ابن عمر وابن الزبير وابن عباس والشافعي وأهل المدينة : المراد بالآية حصر العدو ; لأن الآية نزلت في سنة ست في عمرة الحديبية حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة . قال ابن عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه ، ودل على هذا قوله تعالى : فإذا أمنتم ، ولم يقل : برأتم ، والله أعلم .الثالثة : جمهور الناس على أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه ، وقال قتادة وإبراهيم : يبعث بهديه إن أمكنه ، فإذا بلغ محله صار حلالا ، وقال أبو حنيفة : دم الإحصار لا يتوقف على يوم النحر ، بل يجوز ذبحه قبل يوم النحر إذا بلغ محله ، وخالفه صاحباه فقالا : يتوقف على يوم النحر ، وإن نحر قبله لم يجزه ، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان .الرابعة : الأكثر من العلماء على أن من أحصر بعدو كافر أو مسلم أو سلطان حبسه في سجن أن عليه الهدي ، وهو قول الشافعي ، وبه قال أشهب ، وكان ابن القاسم يقول : ليس على من صد عن البيت في حج أو عمرة هدي إلا أن يكون ساقه معه ، وهو قول مالك ، ومن حجتهما أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نحر يوم الحديبية هديا قد كان أشعره وقلده حين أحرم بعمرة ، فلما لم يبلغ ذلك الهدي محله للصد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحر ; لأنه كان هديا وجب بالتقليد والإشعار ، وخرج لله فلم يجز الرجوع فيه ، ولم ينحره رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل الصد ، فلذلك لا يجب على من صد عن البيت هدي ، واحتج الجمهور بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل يوم الحديبية ولم يحلق رأسه حتى نحر الهدي ، فدل ذلك على أن من شرط إحلال المحصر ذبح هدي إن كان عنده ، وإن كان فقيرا فمتى وجده وقدر عليه لا يحل إلا به ، وهو مقتضى قوله : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي وقد قيل : يحل ويهدي إذا قدر عليه ، والقولان للشافعي ، وكذلك من لا يجد هديا يشتريه ، قولان .الخامسة : قال عطاء وغيره : المحصر بمرض كالمحصر بعدو ، وقال مالك والشافعي وأصحابهما : من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت وإن أقام سنين حتى يفيق ، وكذلك من أخطأ العدد أو خفي عليه الهلال . قال مالك : وأهل مكة في ذلك كأهل الآفاق . قال : وإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى وبقي على إحرامه لا يحل من شيء حتى يبرأ من مرضه ، فإذا برئ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعا ، وسعى بين الصفا والمروة ، وحل من حجته أو عمرته ، وهذا كله قول الشافعي ، وذهب في ذلك إلى ما روي عن عمر وابن عباس وعائشة وابن عمر وابن الزبير أنهم قالوا في المحصر بمرض أو خطأ العدد : إنه لا يحله إلا الطواف بالبيت . وكذلك من أصابه كسر أو بطن منخرق ، وحكم من كانت هذه حاله عند مالك وأصحابه أن يكون بالخيار إذا خاف فوت الوقوف بعرفة لمرضه ، إن شاء مضى إذا أفاق إلى البيت فطاف وتحلل بعمرة ، وإن شاء أقام على إحرامه إلى قابل ، وإن أقام على إحرامه ولم يواقع شيئا مما نهي عنه الحاج فلا هدي عليه ، ومن حجته في ذلك الإجماع من الصحابة على أن من أخطأ العدد أن هذا حكمه ؛ لا يحله إلا الطواف بالبيت . وقال في المكي إذا بقي محصورا حتى فرغ الناس من حجهم : فإنه يخرج إلى الحل فيلبي ويفعل ما يفعله المعتمر ويحل ، فإذا كان قابل حج وأهدى . وقال ابن شهاب الزهري في إحصار من أحصر بمكة من أهلها : لا بد له من أن يقف بعرفة وإن نعش نعشا ، واختار هذا القول أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن بكير المالكي فقال : قول مالك في المحصر المكي أن عليه ما على الآفاق من إعادة الحج والهدي خلاف ظاهر الكتاب ، لقول الله عز وجل : ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام . قال : والقول عندي في هذا قول الزهري في أن الإباحة من الله عز وجل لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أن يقيم لبعد المسافة يتعالج وإن فاته الحج ، فأما من كان بينه وبين المسجد الحرام ما لا تقصر في مثله الصلاة فإنه يحضر المشاهد وإن نعش نعشا لقرب المسافة بالبيت ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : كل من منع من الوصول إلى البيت بعدو أو مرض أو ذهاب نفقة أو إضلال راحلة أو لدغ هامة فإنه يقف مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو بثمن هديه ، فإذا نحر فقد حل من إحرامه . كذلك قال عروة وقتادة والحسن وعطاء والنخعي ومجاهد وأهل العراق ، لقوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي الآية .السادسة : قال مالك وأصحابه : لا ينفع المحرم الاشتراط في الحج إذا خاف الحصر بمرض أو عدو ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابهم ، والاشتراط أن يقول إذا أهل : لبيك اللهم لبيك ، ومحلي حيث حبستني من الأرض ، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور : لا بأس أن يشترط وله شرطه ، وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين ، وحجتهم حديث ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أردت الحج ، أأشترط ؟ قال : نعم . قالت : فكيف أقول ؟ قال : قولي لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث حبستني . أخرجه أبو داود والدارقطني وغيرهما . قال الشافعي : لو ثبت حديث ضباعة لم أعده ، وكان محله حيث حبسه الله .قلت : قد صححه غير واحد ، منهم أبو حاتم البستي وابن المنذر ، قال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : حجي واشترطي ، وبه قال الشافعي إذ هو بالعراق ، ثم وقف عنه بمصر . قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول ، وذكره عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال : أخبرنا أبو الزبير أن طاوسا وعكرمة أخبراه عن ابن عباس قال : جاءت ضباعة بنت الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة ثقيلة وإني أريد الحج ، فكيف تأمرني أن أهل ؟ قال : أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني . قال : فأدركت ، وهذا إسناد صحيح .السابعة : واختلفت العلماء أيضا في وجوب القضاء على من أحصر ، فقال مالك والشافعي : من أحصر بعدو فلا قضاء عليه بحجه ولا عمرته ، إلا أن يكون ضرورة لم يكن حج ، فيكون عليه الحج على حسب وجوبه عليه ، وكذلك العمرة عند من أوجبها فرضا . وقال أبو حنيفة : المحصر بمرض أو عدو عليه حجة وعمرة ، وهو قول الطبري . قال أصحاب الرأي : إن كان مهلا بحج قضى حجة وعمرة ; لأن إحرامه بالحج صار عمرة . وإن كان قارنا قضى حجة وعمرتين ، وإن كان مهلا بعمرة قضى عمرة ، وسواء عندهم المحصر بمرض أو عدو ، على ما تقدم ، واحتجوا بحديث ميمون ابن مهران قال : خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي ، فلما انتهيت إلى أهل الشام منعوني أن أدخل الحرم ، فنحرت الهدي مكاني ثم حللت ثم رجعت ، فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عمرتي ، فأتيت ابن عباس فسألته ، فقال : أبدل الهدي ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء ، واستدلوا بقوله عليه السلام : من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى أو عمرة أخرى . رواه عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى . قالوا : فاعتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة ، قالوا : ولذلك قيل لها عمرة القضاء . واحتج مالك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء ، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه ، ولا قال في العام المقبل : إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي حصرت فيها ، ولم ينقل ذلك عنه . قالوا : وعمرة القضاء وعمرة القضية سواء ، وإنما قيل لها ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضى قريشا وصالحهم في ذلك العام على الرجوع عن البيت وقصده من قابل ، فسميت بذلك عمرة القضية .الثامنة : لم يقل أحد من الفقهاء فيمن كسر أو عرج أنه يحل مكانه بنفس الكسر غير أبي ثور على ظاهر حديث الحجاج بن عمرو ، وتابعه على ذلك داود بن علي وأصحابه ، وأجمع العلماء على أنه يحل من كسر ، ولكن اختلفوا فيما به يحل ، فقال مالك وغيره : يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره ، ومن خالفه من الكوفيين يقول : يحل بالنية وفعل ما يتحلل به ، على ما تقدم من مذهبه .التاسعة : لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج والعمرة ، وقال ابن سيرين : لا إحصار في العمرة ; لأنها غير مؤقتة ، وأجيب بأنها وإن كانت غير مؤقتة لكن في الصبر إلى زوال العذر ضرر ، وفي ذلك نزلت الآية ، وحكي عن ابن الزبير أن من أحصره العدو أو المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت ، وهذا أيضا مخالف لنص الخبر عام الحديبية .العاشرة : الحاصر لا يخلو أن يكون كافرا أو مسلما ، فإن كان كافرا لم يجز قتاله ولو وثق بالظهور عليه ، ويتحلل بموضعه ، لقوله تعالى : ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام كما تقدم ولو سأل الكافر جعلا لم يجز ; لأن ذلك وهن في الإسلام ، فإن كان مسلما لم يجز قتاله بحال ، ووجب التحلل ، فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه ، ولم يجز القتال لما فيه من إتلاف المهج ، وذلك لا يلزم في أداء العبادات ، فإن الدين أسمح . وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما ; ولأن الحج مما ينفق فيه المال ، فيعد هذا من النفقة .الحادية عشرة : والعدو الحاصر لا يخلو أن يتيقن بقاؤه واستيطانه لقوته وكثرته أو لا ، فإن كان الأول حل المحصر مكانه من ساعته ، وإن كان الثاني وهو مما يرجى زواله فهذا لا يكون محصورا حتى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العدو لا يدرك فيه الحج ، فيحل حينئذ عند ابن القاسم وابن الماجشون ، وقال أشهب : لا يحل من حصر عن الحج بعدو حتى يوم النحر ، ولا يقطع التلبية حتى يروح الناس إلى عرفة ، وجه قول ابن القاسم : أن هذا وقت يأس من إكمال حجه لعدو غالب ، فجاز له أن يحل فيه ، أصل ذلك يوم عرفة ، ووجه قول أشهب أن عليه أن يأتي من حكم الإحرام بما يمكنه والتزامه له إلى يوم النحر ، الوقت الذي يجوز للحاج التحلل بما يمكنه الإتيان به [ فكان ذلك عليه ] .قوله تعالى : فما استيسر من الهدي " ما " في موضع رفع ، أي فالواجب أو فعليكم ما استيسر ، ويحتمل أن يكون في موضع نصب ، أي فانحروا أو فاهدوا . وما استيسر عند جمهور أهل العلم شاة وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير : ما استيسر جمل دون جمل ، وبقرة دون بقرة لا يكون من غيرهما ، وقال الحسن : أعلى الهدي بدنة ، وأوسطه بقرة ، وأخسه شاة ، وفي هذا دليل على ما ذهب إليه مالك من أن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء ، لقوله : فما استيسر من الهدي ولم يذكر قضاء ، والله أعلم .الثانية عشرة : قوله تعالى : من الهدي الهدي والهدي لغتان . وهو ما يهدى إلى بيت الله من بدنة أو غيرها ، والعرب تقول : كم هدي بني فلان ، أي كم إبلهم . وقال أبو بكر : سميت هديا لأن منها ما يهدى إلى بيت الله ، فسميت بما يلحق بعضها ، كما قال تعالى : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب . أراد فإن زنى الإماء فعلى الأمة منهن إذا زنت نصف ما على الحرة البكر إذا زنت ، فذكر الله المحصنات وهو يريد الأبكار ; لأن الإحصان يكون في أكثرهن فسمين بأمر يوجد في بعضهن ، والمحصنة من الحرائر هي ذات الزوج ، يجب عليها الرجم إذا زنت ، والرجم لا يتبعض ، فيكون على الأمة نصفه ، فانكشف بهذا أن المحصنات يراد بهن الأبكار لا أولات الأزواج ، وقال الفراء : أهل الحجاز وبنو أسد يخففون الهدي ، قال : وتميم وسفلى قيس يثقلون فيقولون : هدي . قال الشاعر :حلفت برب مكة والمصلى وأعناق الهدي مقلداتقال : وواحد الهدي هدية ، ويقال في جمع الهدي : أهداء .قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلى ، ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة ، أي لا تتحللوا من الإحرام حتى ينحر الهدي . والمحل : الموضع الذي يحل فيه ذبحه ، فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي : موضع الحصر ، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية قال الله تعالى : والهدي معكوفا أن يبلغ محله قيل : محبوسا إذا كان محصرا ممنوعا من الوصول إلى البيت العتيق ، وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار : الحرم ، لقوله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق ، وأجيب عن هذا بأن المخاطب به الآمن الذي يجد الوصول إلى البيت ، فأما المحصر فخارج من قول الله تعالى : ثم محلها إلى البيت العتيق بدليل نحر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديهم بالحديبية وليست من الحرم ، واحتجوا من السنة بحديث ناجية بن جندب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ابعث معي الهدي فأنحره بالحرم . قال : فكيف تصنع به قال : أخرجه في الأودية لا يقدرون عليه ، فأنطلق به حتى أنحره في الحرم ، وأجيب بأن هذا لا يصح ، وإنما ينحر حيث حل ، اقتداء بفعله عليه السلام بالحديبية ، وهو الصحيح الذي رواه الأئمة ; ولأن الهدي تابع للمهدي ، والمهدي حل بموضعه ، فالمهدى أيضا يحل معه .الثانية : واختلف العلماء على ما قررناه في المحصر هل له أن يحلق أو يحل بشيء من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي ، فقال مالك : السنة الثابتة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه ، قال الله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم ، ويعود حرما كما كان حتى ينحر هديه ، وإن أصاب صيدا قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء ، وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبدا حتى ينحر أو ينحر عنه . قالوا : وأقل ما يهديه شاة ، لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين ، وليس هذا عندهم موضع صيام . قال أبو عمر : قول الكوفيين فيه ضعف وتناقض ; لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا مرض أن يحل حتى ينحر هديه في الحرم . وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث بهدي ويواعد حامله يوما ينحره فيه فيحل ويحلق فقد أجازوا له أن يحل على غير يقين من نحر الهدي وبلوغه ، وحملوه على الإحلال بالظنون ، والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه شيء من فرائضه أن يخرج منه بالظن ، والدليل على أن ذلك ظن قولهم : لو عطب ذلك الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد أنه يعود حراما وعليه جزاء ما صاد ، فأباحوا له فساد الحج وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه ، وهذا ما لا خفاء فيه من التناقض وضعف المذاهب ، وإنما بنوا مذهبهم هذا كله على قول ابن مسعود ولم ينظروا في خلاف غيره له ، وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي : فيه قولان : لا يحل أبدا إلا بهدي ، والقول الآخر : أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه ، فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه . قال الشافعي : ومن قال هذا قال : يحل مكانه ويذبح إذا قدر ، فإن قدر على أن يكون الذبح بمكة لم يجزه أن يذبح إلا بها ، وإن لم يقدر ذبح حيث قدر . قال ويقال : لا يجزيه إلا هدي ، ويقال : إذا لم يجد هديا كان عليه الإطعام أو الصيام ، وإن لم يجد واحدا من الثلاثة أتى بواحد منها إذا قدر ، وقال في العبد : لا يجزيه إلا الصوم ، تقوم له الشاة دراهم ، ثم الدراهم طعاما ثم يصوم عن كل مد يوما .الثالثة : واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا فقالت طائفة : ليس عليه أن يحلق رأسه ; لأنه قد ذهب عنه النسك ، واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر ، وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق . وقال أبو يوسف : يحلق المقصر ، فإن لم يحلق فلا شيء عليه ، وقد حكى ابن أبي عمران عن ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره أن عليه الحلاق ، والتقصير لا بد له منه واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين : أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك ، وهو قول مالك ، والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة والحجة لمالك أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة قد منع من ذلك كله المحصر وقد صد عنه ، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه ، وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه ، وهو قادر على أن يفعله ، وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ومما يدل على أن الحلاق باق على المحصر كما هو باق على من قد وصل إلى البيت سواء قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وما رواه الأئمة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة ، وهو الحجة القاطعة والنظر الصحيح في هذه المسألة ، وإلى هذا ذهب مالك وأصحابه ، والحلاق عندهم نسك على الحاج الذي قد أتم حجه ، وعلى من فاته الحج ، والمحصر بعدو والمحصر بمرض .الرابعة : روى الأئمة واللفظ لمالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : اللهم ارحم المحلقين قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : والمقصرين . قال علماؤنا : ففي دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة دليل على أن الحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير ، وهو مقتضى قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم الآية ، ولم يقل تقصروا ، وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ عن الرجال ، إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان .الخامسة : لم تدخل النساء في الحلق ، وأن سنتهن التقصير ، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير . خرجه أبو داود عن ابن عباس . وأجمع أهل العلم على القول به . ورأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة ، واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها ، فكان ابن عمر والشافعي وأحمد وإسحاق يقولون : تقصر من كل قرن مثل الأنملة . وقال عطاء : قدر ثلاث أصابع مقبوضة ، وقال قتادة : تقصر الثلث أو الربع ، وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع ، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل ، وقال مالك : تأخذ من جميع قرون رأسها ، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها ، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضا . قال ابن المنذر : يجزي ما وقع عليه اسم تقصير ، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة .السادسة : لا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه ، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق ، والأصل في ذلك قوله تعالى : ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكذلك فعل رسول الله صلى الله عليه سلم ، بدأ فنحر هديه ثم حلق بعد ذلك ، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر فلا يخلو أن يقدمه خطأ وجهلا أو عمدا وقصدا ، فإن كان الأول فلا شيء عليه ، رواه ابن حبيب عن ابن القاسم ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وقال ابن الماجشون : عليه الهدي ، وبه قال أبو حنيفة . وإن كان الثاني فقد روى القاضي أبو الحسن أنه يجوز تقديم الحلق على النحر ، وبه قال الشافعي . والظاهر من المذهب المنع ، والصحيح الجواز ، لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : لا حرج رواه مسلم ، وخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عمن ذبح قبل أن يحلق ، أو حلق قبل أن يذبح فقال : لا حرج .السابعة : لا خلاف أن حلق الرأس في الحج نسك مندوب إليه وفي غير الحج جائز ، خلافا لمن قال : إنه مثلة ، ولو كان مثلة ما جاز في الحج ولا غيره ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة ، وقد حلق رءوس بني جعفر بعد أن أتاه قتله بثلاثة أيام ، ولو لم يجز الحلق ما حلقهم ، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحلق رأسه . قال ابن عبد البر : وقد أجمع العلماء على حبس الشعر وعلى إباحة الحلق . وكفى بهذا حجة ، وبالله التوفيق .قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فيها تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا استدل بعض علماء الشافعية بهذه الآية على أن المحصر في أول الآية العدو لا المرض ، وهذا لا يلزم ، فإن معنى قوله : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق ففدية أي فعليه فدية ، وإذا كان واردا في المرض بلا خلاف كان الظاهر أن أول الآية ورد فيمن ورد فيه وسطها وآخرها ، لاتساق الكلام بعضه على بعض ، وانتظام بعضه ببعض ، ورجوع الإضمار في آخر الآية إلى من خوطب في أولها ، فيجب حمل ذلك على ظاهره حتى يدل الدليل على العدول عنه ، ومما يدل على ما قلناه سبب نزول هذه الآية ، روى الأئمة واللفظ للدارقطني : ( عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يتساقط على وجهه فقال : أيؤذيك هوامك قال نعم . فأمره أن يحلق وهو بالحديبية ، ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة ، فأنزل الله الفدية ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين ، أو يهدي شاة ، أو يصوم ثلاثة أيام ) . خرجه البخاري بهذا اللفظ أيضا ، فقوله : ولم يبين لهم أنهم يحلون بها ، يدل على أنهم ما كانوا على يقين من حصر العدو لهم ، فإذا الموجب للفدية الحلق للأذى والمرض ، والله أعلم .الثانية : قال الأوزاعي في المحرم يصيبه أذى في رأسه : إنه يجزيه أن يكفر بالفدية قبل الحلق .قلت : فعلى هذا يكون المعنى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك إن أراد أن يحلق ، ومن قدر فحلق ففدية ، فلا يفتدي حتى يحلق ، والله أعلم .الثالثة : قال ابن عبد البر : كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرا فإنما ذكره بشاة ، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء ، وأما الصوم والإطعام فاختلفوا فيه ، فجمهور فقهاء المسلمين على أن الصوم ثلاثة أيام ، وهو محفوظ صحيح في حديث كعب بن عجرة . وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع قالوا : الصوم في فدية الأذى عشرة أيام ، والإطعام عشرة مساكين ، ولم يقل أحد بهذا من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث ، وقد جاء من رواية أبي الزبير عن مجاهد عن عبد الرحمن عن كعب بن عجرة أنه حدثه أنه كان أهل في ذي القعدة ، وأنه قمل رأسه فأتى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوقد تحت قدر له ، فقال له : كأنك يؤذيك هوام رأسك ، فقال أجل . قال : احلق واهد هديا ، فقال : ما أجد هديا . قال : فأطعم ستة مساكين ، فقال : ما أجد . قال : صم ثلاثة أيام . قال أبو عمر : كان ظاهر هذا الحديث على الترتيب وليس كذلك ، ولو صح هذا كان معناه الاختيار أولا فأولا ، وعامة الآثار عن كعب بن عجرة وردت بلفظ التخيير ، وهو نص القرآن ، وعليه مضى عمل العلماء في كل الأمصار وفتواهم ، وبالله التوفيق .الرابعة : اختلف العلماء في الإطعام في فدية الأذى ، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم : الإطعام في ذلك مدان بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول أبي ثور وداود ، وروي عن الثوري أنه قال في الفدية : من البر نصف صاع ، ومن التمر والشعير والزبيب صاع . وروي عن أبي حنيفة أيضا مثله ، جعل نصف صاع بر عدل صاع تمر . قال ابن المنذر : وهذا غلط ; لأن في بعض أخبار كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أن تصدق بثلاثة أصوع من تمر على ستة مساكين ، وقال أحمد بن حنبل مرة كما قال مالك والشافعي ، ومرة قال : إن أطعم برا فمد لكل مسكين ، وإن أطعم تمرا فنصف صاع .الخامسة : ولا يجزي أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم ، وبذلك قال مالك والثوري والشافعي ومحمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : يجزيه أن يغديهم ويعشيهم .السادسة : أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من حلق شعره وجزه وإتلافه بحلق أو نورة أو غير ذلك إلا في حالة العلة كما نص على ذلك القرآن ، وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم بغير علة ، واختلفوا فيما على من فعل ذلك ، أو لبس أو تطيب بغير عذر عامدا ، فقال مالك : بئس ما فعل ! وعليه الفدية ، وهو مخير فيها ، وسواء عنده العمد في ذلك والخطأ ، لضرورة وغير ضرورة ، وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبو ثور : ليس بمخير إلا في الضرورة ; لأن الله تعالى قال : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فإذا حلق رأسه عامدا أو لبس عامدا لغير عذر فليس بمخير وعليه دم لا غير .السابعة : واختلفوا فيمن فعل ذلك ناسيا ، فقال مالك رحمه الله : العامد والناسي في ذلك سواء في وجوب الفدية ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والليث ، وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما : لا فدية عليه ، وهو قول داود وإسحاق ، والثاني : عليه الفدية ، وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم بلبس المخيط وتغطية الرأس أو بعضه ، ولبس الخفين وتقليم الأظافر ومس الطيب وإماطة الأذى ، وكذلك إذا حلق شعر جسده أو اطلى ، أو حلق مواضع المحاجم ، والمرأة كالرجل في ذلك ، وعليها الفدية في الكحل وإن لم يكن فيه طيب . وللرجل أن يكتحل بما لا طيب فيه ، وعلى المرأة الفدية إذا غطت وجهها أو لبست القفازين ، والعمد والسهو والجهل في ذلك سواء ، وبعضهم يجعل عليهما دما في كل شيء من ذلك . وقال داود : لا شيء عليهما في حلق شعر الجسد .الثامنة : واختلف العلماء في مواضع الفدية المذكورة ، فقال عطاء : ما كان من دم فبمكة ، وما كان من طعام أو صيام فحيث شاء ، وبنحو ذلك قال أصحاب الرأي ، وعن الحسن أن الدم بمكة ، وقال طاوس والشافعي : الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة ، والصوم حيث شاء ; لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم ، وقد قال الله سبحانه هديا بالغ الكعبة رفقا لمساكين جيران بيته ، فالإطعام فيه منفعة بخلاف الصيام ، والله أعلم ، وقال مالك : يفعل ذلك أين شاء ، وهو الصحيح من القول ، وهو قول مجاهد ، والذبح هنا عند مالك نسك وليس بهدي لنص القرآن والسنة ، والنسك يكون حيث شاء ، والهدي لا يكون إلا بمكة ، ومن حجته أيضا ما رواه عن يحيى بن سعيد في موطئه ، وفيه : فأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه برأسه - يعني رأس حسين - فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا . قال مالك قال يحيى بن سعيد : وكان حسين خرج مع عثمان في سفره ذلك إلى مكة ، ففي هذا أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة ، وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم ; لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين . قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ، ثم إن قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية ، أوضح الدلالة على ما قلناه ، فإنه تعالى لما قال : ففدية من صيام أو صدقة أو نسك لم يقل في موضع دون موضع ، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه . وقال : أو نسك فسمى ما يذبح نسكا ، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا ، فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي ، ولا أن نعتبره بالهدي مع ما جاء في ذلك عن علي ، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم ، فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم ، وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد .التاسعة : قوله تعالى : أو نسك النسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى ، ويجمع أيضا على نسائك ، والنسك : العبادة في الأصل ، ومنه قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أي متعبداتنا ، وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ، ومنه نسك ثوبه إذا غسله ، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة . وقيل : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها .قوله تعالى : فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فيه ثلاث عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : فإذا أمنتم قيل : معناه برأتم من المرض ، وقيل : من خوفكم من العدو المحصر ، قاله ابن عباس وقتادة ، وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الأمن منه ، كما تقدم ، والله أعلم .الثانية : قوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج الآية . اختلف العلماء من المخاطب بهذا ؟ فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم . وصورة المتمتع عند ابن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ، ثم يصل إلى البيت فيحل بعمرة ، ثم يقضي الحج من قابل ، فهذا قد تمتع بما بين العمرة إلى حج القضاء ، وصورة المتمتع المحصر عند غيره : أن يحصر فيحل دون عمرة ويؤخرها حتى يأتي من قابل فيعتمر في أشهر الحج ويحج من عامه ، وقال ابن عباس وجماعة : الآية في المحصرين وغيرهم ممن خلي سبيله .الثالثة : لا خلاف بين العلماء في أن التمتع جائز على ما يأتي تفصيله ، وأن الإفراد جائز وأن القرآن جائز ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي كلا ولم ينكره في حجته على أحد من أصحابه ، بل أجازه لهم ورضيه منهم ، صلى الله عليه وسلم . وإنما اختلف العلماء فيما كان به رسول الله صلى الله عليه وسلم محرما في حجته وفي الأفضل من ذلك ، لاختلاف الآثار الواردة في ذلك ، فقال قائلون منهم مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مفردا ، والإفراد أفضل من القران . قال : والقران أفضل من التمتع ، وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل ومن أراد أن يهل بحج فليهل ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل قالت عائشة : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ، وأهل به ناس معه ، وأهل ناس بالعمرة والحج ، وأهل ناس بعمرة ، وكنت فيمن أهل بالعمرة ، رواه جماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وقال بعضهم فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأما أنا فأهل بالحج وهذا نص في موضع الخلاف ، وهو حجة من قال بالإفراد وفضله ، وحكى محمد بن الحسن عن مالك أنه قال : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان في ذلك دلالة على أن الحق فيما عملا به ، واستحب أبو ثور الإفراد أيضا وفضله على التمتع والقران ، وهو أحد قولي الشافعي في المشهور عنه . واستحب آخرون التمتع بالعمرة إلى الحج ، قالوا : وذلك أفضل . وهو مذهب عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو أحد قولي الشافعي . قال الدارقطني قال الشافعي : اخترت الإفراد ، والتمتع حسن لا نكرهه . احتج من فضل التمتع بما رواه مسلم عن عمران بن حصين قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله - يعني متعة الحج - وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم تنزل

﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ هَذا عَوْدٌ إلى الكَلامِ عَلى العُمْرَةِ فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] إلَخْ، وما بَيْنَهُما اسْتِطْرادٌ أوِ اعْتِراضٌ، عَلى أنَّ عَطْفَ الأحْكامِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ لِلْمُناسَبَةِ طَرِيقَةٌ قُرْآنِيَّةٌ، فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَطْفًا عَلى الَّتِي قَبْلَها عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ. ولا خِلافَ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ حِينَ صَدَّ المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ عَنِ البَيْتِ كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وقَدْ كانُوا ناوِينَ العُمْرَةَ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ الحَجُّ (p-٢١٧)فالمَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ هو العُمْرَةُ، وإنَّما ذُكِرَ الحَجُّ عَلى وجْهِ الإدْماجِ تَبْشِيرًا بِأنَّهم سَيَتَمَكَّنُونَ مِنَ الحَجِّ فِيما بَعْدُ، وهَذا مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ. والإتْمامُ إكْمالُ الشَّيْءِ والإتْيانُ عَلى بَقايا ما بَقِيَ مِنهُ حَتّى يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَهُ. ومِثْلُ هَذا الأمْرِ المُتَعَلِّقِ بِوَصْفِ فِعْلٍ يَقَعُ في كَلامِهِمْ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدِهِما: وهو الأكْثَرُ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ تَحْصِيلَ وصْفٍ خاصٍّ لِلْفِعْلِ المُتَعَلِّقِ بِهِ الوَصْفُ كالإتْمامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ أيْ: كَمِّلُوهُ إنْ شَرَعْتُمْ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَلى ما اخْتَرْناهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٤] ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: أسْرِعِ السِّيَرَ لِلَّذِي يَسِيرُ سَيْرًا بَطِيئًا، وثانِيهِما: أنْ يَجِيءَ الأمْرُ بِوَصْفِ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ تَحْصِيلُ الفِعْلِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ، نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠] وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: أسْرِعِ السَّيْرَ فادْعُ لِي فُلانًا، تُخاطِبُ بِهِ مُخاطَبًا لَمْ يَشْرَعْ في السَّيْرِ بَعْدُ، فَأنْتَ تَأْمُرُهُ بِإحْداثِ سَيْرٍ سَرِيعٍ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: وسِّعْ فَمَ الرَّكِيَّةِ - وقَوْلُهم: وسِّعْ كُمَّ الجُبَّةِ وضَيِّقْ جَيْبَها؛ أيْ: أوْجِدْها كَذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وهَذا ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ التَّعْبِيرِ لَيْسَ بِكِنايَةٍ ولا مَجازٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ بِمَجْمُوعِ شَيْئَيْنِ وهو أقَلُّ؛ لِأنَّ الشَّأْنَ أنْ يَكُونَ المَطْلُوبُ بِصِيغَةِ الأمْرِ ابْتِداءً هو الحَدَثُ الَّذِي مِنهُ مادَّةُ تِلْكَ الصِّيغَةِ. والآيَةُ تَحْتَمِلُ الِاسْتِعْمالَيْنِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ فَهي أمْرٌ بِإكْمالِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، بِمَعْنى ألّا يَكُونَ حَجًّا وعُمْرَةً مَشُوبَيْنِ بِشَغَبٍ وفِتْنَةٍ واضْطِرابٍ، أوْ هي أمْرٌ بِإكْمالِهِما وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُما بَعْدَ الإهْلالِ بِهِما، ولا يَصُدُّهم عَنْهُما شَنَآنُ العَدُوِّ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهي أمْرٌ بِالإتْيانِ بِهِما تامَّيْنِ؛ أيْ: مُسْتَكْمِلَيْنِ ما شُرِعَ فِيهِما. والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ وأنْسَبُ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، وكَأنَّ هَذا التَّحْرِيضَ مُشِيرٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ هُنا هُما الصَّرُورَةُ في الحَجِّ، وكَذا في العُمْرَةِ عَلى القَوْلِ بِوُجُوبِها. واللّامُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، وهُما عِبادَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ مُتَمَيِّزَتانِ عَنْ بَقِيَّةِ الأجْناسِ، فالحَجُّ هو زِيارَةُ الكَعْبَةِ في مَوْسِمٍ مُعَيَّنٍ في وقْتٍ واحِدٍ لِلْجَماعَةِ وفِيهِ وُقُوفُ عَرَفَةَ، والعُمْرَةُ زِيارَةُ الكَعْبَةِ في غَيْرِ مَوْسِمٍ مُعَيَّنٍ وهي لِكُلِّ فَرْدٍ بِخُصُوصِهِ، وأصْلُ الحَجِّ في اللُّغَةِ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها: تَكَرُّرُ القَصْدِ إلى الشَّيْءِ أوْ كَثْرَةُ قاصِدِيهِ. وعَنِ (p-٢١٨)ابْنِ السِّكِّيتِ: الحَجُّ كَثْرَةُ الِاخْتِلافِ والتَّرَدُّدِ، يُقالُ حَجَّ بَنُو فُلانٍ فُلانًا: أطالُوا الِاخْتِلافَ إلَيْهِ، وفي الأساسِ: فُلانٌ تَحُجُّهُ الرِّفاقُ؛ أيْ: تَقْصِدُهُ ا هـ. فَجَعَلَهُ مُفِيدًا بِقَصْدٍ مِن جَماعَةٍ كَقَوْلِ المُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ واسْمُهُ الرَّبِيعُ: ؎وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرَقانِ المُزَعْفَرا والحَجُّ مِن أشْهُرِ العِباداتِ عِنْدَ العَرَبِ وهو مِمّا ورِثُوهُ عَنْ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] الآيَةَ، حَتّى قِيلَ: إنَّ العَرَبَ هم أقْدَمُ أُمَّةٍ عُرِفَتْ عِنْدَها عادَةُ الحَجِّ، وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ زِيارَةَ الكَعْبَةِ سَعْيٌ لِلَّهِ تَعالى قالَ النّابِغَةُ يَصِفُ الحَجِيجَ ورَواحِلَهم: ؎عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامِدُونَ لِرَبِّهِمْ ∗∗∗ فَهُنَّ كَأطْرافِ الحَنِيِّ خَواشِعُ وكانُوا يَتَجَرَّدُونَ عِنْدَ الإحْرامِ مِن مَخِيطِ الثِّيابِ ولا يَمَسُّونَ الطِّيبَ ولا يَقْرَبُونَ النِّساءَ ولا يَصْطادُونَ، وكانَ الحَجُّ طَوافًا بِالبَيْتِ وسَعْيًا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ووُقُوفًا بِعَرَفَةَ ونَحْرًا بِمِنًى. ورُبَّما كانَ بَعْضُ العَرَبِ لا يَأْكُلُ مُدَّةَ الحَجِّ أقْطًا ولا سَمْنًا - أيْ: لِأنَّهُ أكْلُ المُتَرَفِّهِينَ - ولا يَسْتَظِلُّ بِسَقْفٍ، ومِنهم مَن يَحُجُّ مُتَجَرِّدًا مِنَ الثِّيابِ، ومِنهم مَن لا يَسْتَظِلُّ مِنَ الشَّمْسِ، ومِنهم مَن يَحُجُّ صامِتًا لا يَتَكَلَّمُ، ولا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، ولَهم في الحَجِّ مَناسِكُ وأحْكامٌ ذَكَرْناها في تارِيخِ العَرَبِ، وكانَ لِلْأُمَمِ المُعاصِرَةِ لِلْعَرَبِ حُجُوجٌ كَثِيرَةٌ، وأشْهَرُ الأُمَمِ في ذَلِكَ اليَهُودُ فَقَدْ كانُوا يَحُجُّونَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ تابُوتُ العَهْدِ؛ أيْ: إلى هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ وهو المَسْجِدُ الأقْصى ثَلاثَ مَرّاتٍ في السَّنَةِ لِيَذْبَحُوا هُناكَ فَإنَّ القَرابِينَ لا تَصِحُّ إلّا هُناكَ، ومِن هَذِهِ المَرّاتِ مَرَّةٌ في عِيدِ الفِصْحِ. واتَّخَذَتِ النَّصارى زِياراتٍ كَثِيرَةٍ حَجًّا، أشْهَرُها زِياراتُهم لِمَنازِلِ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وزِيارَةِ أُورْشَلِيمَ، وكَذا زِيارَةُ قَبْرِ مارْبُولِسْ وقَبْرِ مارْبُطْرُسْ بِرُومَةَ، ومِن حَجِّ النَّصارى الَّذِي لا يَعْرِفْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وهو أقْدَمُ حَجِّهِمْ أنَّهم كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ يَحُجُّونَ إلى مَدِينَةِ عَسْقَلانَ مِن بِلادِ السَّواحِلِ الشّامِيَّةِ، والمَظْنُونُ أنَّ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا حَجَّها هم نَصارى الشّامِ مِنَ الغَساسِنَةِ لِقَصْدِ صَرْفِ النّاسِ عَنْ زِيارَةِ الكَعْبَةِ، وقَدْ ذَكَرَهُ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الحِسْحاسِ وهو مِنَ المُخَضْرَمِينَ في قَوْلِهِ يَصِفُ وُحُوشًا جَرَفَها السَّيْلُ: ؎كَأنَّ الوُحُوشَ بِهِ عَسْقَلا ∗∗∗ نُ صادَفْنَ في قَرْنِ حَجٍّ ذِيافا (p-٢١٩)أيْ: أصابَهُنَّ سُمٌّ فَقَتَلَهُنَّ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ، وقَدْ كانَ لِلْمِصْرِيِّينَ والكِلْدانِ حَجٌّ إلى البُلْدانِ المُقَدَّسَةِ عِنْدَهم، ولِلْيُونانِ زِياراتٌ كَثِيرَةٌ لِمَواقِعَ مُقَدَّسَةٍ مِثْلَ أُولُمْبِيا وهَيْكَلِ زِفِسْ ولِلْهُنُودِ حُجُوجٌ كَثِيرَةٌ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ إتْمامُ العُمْرَةِ الَّتِي خَرَجُوا لِقَضائِها، وذِكْرُ الحَجِّ مَعَها إدْماجٌ؛ لِأنَّ الحَجَّ لَمْ يَكُنْ قَدْ وجَبَ يَوْمَئِذٍ؛ إذْ كانَ الحَجُّ بِيَدِ المُشْرِكِينَ فَفي ذِكْرِهِ بِشارَةٌ بِأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَصِيرَ في قَبْضَةِ المُسْلِمِينَ. وأمّا العُمْرَةُ فَهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ التَّعْمِيرِ، وهو شَغْلُ المَكانِ ضِدُّ الإخْلاءِ، ولَكِنَّها بِهَذا الوَزْنِ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى زِيارَةِ الكَعْبَةِ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وهي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، وكانُوا يَجْعَلُونَ مِيقاتَها ما عَدا أشْهُرَ ذِي الحِجَّةِ والمُحَرَّمِ وصَفَرٍ، فَكانُوا يَقُولُونَ: إذا بَرِئَ الدُّبُرُ، وعَفا الأثَرُ، وخَرَجَ صَفَرٌ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ. ولَعَلَّهم جَعَلُوا ذَلِكَ لِتَكُونَ العُمْرَةُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحَجِّ وإراحَةِ الرَّواحِلِ. واصْطَلَحَ المُضَرِيُّونَ، عَلى جَعْلِ رَجَبٍ هو شَهْرُ العُمْرَةِ، ولِذَلِكَ حَرَّمَتْهُ مُضَرٌ فَلُقِّبَ بِرَجَبِ مُضَرٍ، وتَبِعَهم بَقِيَّةُ العَرَبِ، لِيَكُونَ المُسافِرُ لِلْعُمْرَةِ آمِنًا مِن عَدُوِّهِ؛ ولِذَلِكَ لَقَّبُوا رَجَبًا مُنْصِلَ الأسِنَّةِ، ويَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ فُجُورًا. وقَوْلُهُ: (لِلَّهِ) أيْ: لِأجْلِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ، والعَرَبُ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ لا يَنْوُونَ الحَجَّ إلّا لِلَّهِ ولا العُمْرَةَ إلّا لَهُ؛ لِأنَّ الكَعْبَةَ بَيْتُ اللَّهِ وحَرَمُهُ، فالتَّقْيِيدُ هُنا بِقَوْلِهِ: (لِلَّهِ) تَلْوِيحٌ إلى أنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ لَيْسا لِأجْلِ المُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ لَهم فِيهِما مَنفَعَةٌ، وكانُوا هم سَدَنَةَ الحَرَمِ، وهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنهُ، كَيْ لا يَسْأمَ المُسْلِمُونَ مِنَ الحَجِّ الَّذِي لاقَوْا فِيهِ أذى المُشْرِكِينَ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ ذَلِكَ لا يَصُدُّ عَنِ الرَّغْبَةِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لِأنَّكم إنَّما تَحُجُّونَ لِلَّهِ لا لِأجْلِ المُشْرِكِينَ، ولِأنَّ الشَّيْءَ الصّالِحَ المَرْغُوبَ فِيهِ إذا حَفَّ بِهِ ما يُكْرَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ صارِفًا عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ إزالَةُ ذَلِكَ العارِضِ عَنْهُ، ومِن طُرُقِ إزالَتِهِ القِتالُ المُشارُ إلَيْهِ بِالآياتِ السّابِقَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: (لِلَّهِ) لِتَجْرِيدِ النِّيَّةِ مِمّا كانَ يُخامِرُ نَوايا النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّقَرُّبِ إلى الأصْنامِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا وضَعُوا هُبَلًا عَلى الكَعْبَةِ ووَضَعُوا إسافًا ونائِلَةَ عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ قَدْ أشْرَكُوا بِطَوافِهِمْ وسَعْيِهِمُ الأصْنامَ مَعَ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ القَصْدُ مِن هَذا التَّقْيِيدِ كِلْتا الفائِدَتَيْنِ. (p-٢٢٠)ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ عِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ عَلى وُجُوبِ الحَجِّ ولا العُمْرَةِ، ولَكِنْ دَلِيلُ حُكْمِ الحَجِّ والعُمْرَةِ عِنْدَهُما غَيْرُ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ فَمَحْمَلُ الآيَةِ عِنْدَهُما عَلى وُجُوبِ هاتَيْنِ العِبادَتَيْنِ لِمَن أحْرَمَ لَهُما، فَأمّا مالِكٌ فَقَدْ عَدَّهُما مِنَ العِباداتِ الَّتِي تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيها وهي سَبْعُ عِباداتٍ عِنْدَنا هي: الصَّلاةُ والصِّيامُ والِاعْتِكافُ والحَجُّ والعُمْرَةُ والطَّوافُ والإتْمامُ، وأمّا أبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ أوْجَبَ النَّوافِلَ كُلَّها بِالشُّرُوعِ. ومَن لَمْ يَرَ وُجُوبَ النَّوافِلِ بِالشُّرُوعِ ولَمْ يَرَ العُمْرَةَ واجِبَةً يَجْعَلُ حُكْمَ إتْمامِها كَحُكْمِ أصْلِ الشُّرُوعِ فِيها، ويَكُونُ الأمْرُ بِالإتْمامِ في الآيَةِ مُسْتَعْمَلًا في القَدْرِ المُشْتَرَكِ مِنَ الطَّلَبِ اعْتِمادًا عَلى القَرائِنِ، ومِن هَؤُلاءِ مَن قَرَأ: (والعُمْرَةُ) بِالرَّفْعِ، حَتّى لا تَكُونَ فِيما شَمَلَهُ الأمْرُ بِالإتْمامِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، فَيُخْتَصُّ بِالحَجِّ. وجَعَلَها الشّافِعِيَّةُ دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ كالحَجِّ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ لَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَ بِإتْمامِها، فَإمّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالإتْمامِ مُرادًا بِهِ الإتْيانُ بِهِما تامَّيْنِ؛ أيْ: مُسْتَجْمِعِي الشَّرائِطِ والأرْكانِ، فالمُرادُ بِالإتْمامِ إتْمامُ المَعْنى الشَّرْعِيِّ عَلى أحَدِ الِاسْتِعْمالَيْنِ السّابِقَيْنِ، قالُوا: إذْ لَيْسَ هُنا كَلامٌ عَلى الشُّرُوعِ حَتّى يُؤْمَرَ بِالإتْمامِ، ولِأنَّهُ مَعْضُودٌ بِقِراءَةِ (وأقِيمُوا الحَجَّ) وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإتْمامِ هُنا الإتْيانَ عَلى آخِرِ العِبادَةِ فَهو يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِالشُّرُوعِ؛ لِأنَّ الإتْمامَ يَتَوَقَّفُ عَلى الشُّرُوعِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ فَيَكُونُ الأمْرُ بِالإتْمامِ كِنايَةً عَنِ الأمْرِ بِالفِعْلِ. والحَقُّ أنَّ حَمْلَ الأمْرِ في ذَلِكَ عَلى الأمْرِ بِأصْلِ الماهِيَّةِ لا بِصِفَتِها - اسْتِعْمالٌ قَلِيلٌ كَما عَرَفْتَ، وقِراءَةُ: (وأقِيمُوا) لِشُذُوذِها لا تَكُونُ داعِيًا لِلتَّأْوِيلِ، ولا تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ خَبَرِ الآحادِ، إذا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُها إلى مَن نُسِبَتْ إلَيْهِ، وأمّا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ فَلِأنَّ التَّكَنِّيَ بِالإتْمامِ عَنْ إيجابِ الفِعْلِ مَصِيرٌ إلى خِلافِ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِلْحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ؛ بِأنْ يَدُلَّ عَلى مَعْنى: إذا شَرَعْتُمْ فَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فَيَكُونُ مِن دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ، ويَكُونُ حَقِيقَةً وإيجازًا بَدِيعًا، وهو الَّذِي يُؤْذِنُ بِهِ السِّياقُ كَما قَدَّمْنا؛ لِأنَّهم كانُوا نَوَوُا العُمْرَةَ، عَلى أنَّ شَأْنَ إيجابِ الوَسِيلَةِ بِإيجابِ المُتَوَسِّلِ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ المَنصُوصُ عَلى وُجُوبِهِ هو المَقْصِدَ، فَكَيْفَ يَدَّعِي الشّافِعِيَّةُ أنَّ ”أتِمُّوا“ هَنا مُرادٌ مِنهُ إيجابُ الشُّرُوعِ؛ لِأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ كَما أشارَ لَهُ العِصامُ. (p-٢٢١)فالحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ دَلِيلًا لِحُكْمِ العُمْرَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في حُكْمِها: فَذَهَبَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّها سُنَّةٌ، قالَ مالِكٌ: لا أعْلَمُ أحَدًا رَخَّصَ في تَرْكِها، وهَذا هو مَذْهَبُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الصَّحابَةِ، والنَّخَعِيِّ مِنَ التّابِعِينَ. وذَهَبَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ الجَهْمِ مِنَ المالِكِيَّةِ إلى وُجُوبِهِما، وبِهِ قالَ عُمَرُ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، وعَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو بُرْدَةَ، ومَسْرُوقٌ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ ودَلِيلُنا حَدِيثُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ العُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلَ الحَجِّ فَقالَ: لا، وأنْ تَعْتَمِرُوا فَهو أفْضَلُ»، أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، ولِأنَّ عِبادَةً مِثْلَ هَذِهِ لَوْ كانَتْ واجِبَةً لَأمَرَ بِها النَّبِيءُ ﷺ، ولا يَثْبُتُ وُجُوبُها بِتَلْفِيقاتٍ ضَعِيفَةٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَوْلا التَّحَرُّجُ وأنِّي لَمْ أسْمَعْ مِن رَسُولِ اللَّهِ في ذَلِكَ شَيْئًا لَقُلْتُ: العُمْرَةُ واجِبَةٌ ا هـ. مَحَلُّ الِاحْتِجاجِ قَوْلُهُ: لَمْ أسْمَعْ. إلَخْ، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ولَمْ يَذْكُرِ العُمْرَةَ، ولِأنَّهُ لا يَكُونُ عِبادَتانِ واجَبَتانِ هُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ. ولِأنَّ شَأْنَ العِبادَةِ الواجِبَةِ أنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً، واحْتَجَّ أصْحابُنا أيْضًا بِحَدِيثِ: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ»، وحَدِيثِ جِبْرِيلَ في الإيمانِ والإسْلامِ ولَمْ يَذْكُرْ فِيها العُمْرَةَ، وحَدِيثِ «الأعْرابِيِّ الَّذِي قالَ: لا أزْيَدُ ولا أنْقُصُ: فَقالَ: أفْلَحَ إنْ صَدَقَ» ولَمْ يَذْكُرِ العُمْرَةَ ولَمْ يَحْتَجَّ الشّافِعِيَّةُ بِأكْثَرَ مِن هَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ قُرِنَتْ فِيها مَعَ الحَجِّ، وبِقَوْلِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وبِالِاحْتِياطِ. واحْتَجَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى مَنعِ التَّمَتُّعِ وهو الإحْرامُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ الحِلِّ مِنها في مُدَّةِ الحَجِّ، ثُمَّ الحَجِّ في عامَّةِ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى بَلَدِهِ، فَفي البُخارِيِّ أخْرَجَ حَدِيثَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْمٍ بِاليَمَنِ فَجِئْتُ وهو بِالبَطْحاءِ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: بِمَ أهْلَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: أهْلَلْتُ كَإهْلالِ النَّبِيءِ قالَ: أحْسَنْتَ؛ هَلْ مَعَكَ مِن هَدْيٍ؛ قُلْتُ: لا، فَأمَرَنِي فَطُفْتُ بِالبَيْتِ وبِالصَّفا وبِالمَرْوَةِ ثُمَّ أمَرَنِي فَأحْلَلْتُ فَأتَيْتُ امْرَأةً مِن قَوْمِي فَمَشَّطَتْنِي أوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أهَلَلْتُ بِالحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِي النّاسَ بِهِ حَتّى خِلافَةِ عُمَرَ، فَذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقالَ: إنْ نَأْخُذْ بِكِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ يَأْمُرُنا بِالتَّمامِ، قالَ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، يُرِيدُ عُمَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ أبا مُوسى أهَّلَ بِإهْلالٍ كَإهْلالِ النَّبِيءِ صَلّى اللَّهُ (p-٢٢٢)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والنَّبِيءُ كانَ مُهِلًّا بِحَجَّةٍ وعُمْرَةٍ مَعًا، فَهو قارِنٌ والقارِنُ مُتَلَبِّسٌ بِحَجٍّ، فَلا يَجُوزُ أنْ يُحِلَّ في أثْناءِ حَجِّهِ وتَمَسَّكَ بِفِعْلِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ قارِنًا ولَمْ يُحِلَّ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ تَخْصِيصِ المُتَواتِرِ بِالآحادِ كَما هو قَوْلُهُ في حَدِيثِ فاطِمَةَ ابْنَةِ قَيْسٍ في النَّفَقَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ عَطْفٌ عَلى (أتِمُّوا) والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ الذِّكْرِيِّ، فَإنَّهُ لَمّا أمَرَ بِإتْمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ذَكَرَ حُكْمَ ما يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ الإتْمامِ. ولا سِيَّما الحَجِّ؛ لِأنَّ وقْتَهُ يَفُوتُ غالِبًا بَعْدَ ارْتِفاعِ المانِعِ، بِخِلافِ العُمْرَةِ، والإحْصارُ في كَلامِ العَرَبِ مَنعُ الذّاتِ مِن فِعْلٍ ما، يُقالُ: أحْصَرَهُ مَنعَهُ مانِعٌ، قالَ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] أيْ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ السَّفَرِ لِلْجِهادِ، وقالَ ابْنُ مَيّادَةَ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ ∗∗∗ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ وهُوَ فِعْلٌ مَهْمُوزٌ لَمْ تُكْسِبْهُ هَمْزَتُهُ تَعْدِيَةً؛ لِأنَّهُ مُرادِفُ حَصَرَهُ، ونَظِيرُهُما صَدَّهُ وأصَدَّهُ، هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ، ولَكِنْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ ”أحْصَرَ“ المَهْمُوزِ في المَنعِ الحاصِلِ مِن غَيْرِ العَدُوِّ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ ”حَصَرَ“ المُجَرَّدِ في المَنعِ مِنَ العَدُوِّ، قالَ: ﴿وخُذُوهم واحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَهو حَقِيقَةٌ في المَعْنَيَيْنِ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ غَلَّبَ أحَدَهُما كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ، ومِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَن قالَ: ”أحْصَرَ“ حَقِيقَةٌ في مَنعِ غَيْرِ العَدُوِّ، و”حَصَرَ“ حَقِيقَةٌ في مَنعِ العَدُوِّ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ والزَّجّاجِ، ومِنَ اللُّغَوِيِّينَ مَن عَكَسَ، وهو ابْنُ فارِسٍ لَكِنَّهُ شاذٌّ جِدًّا. وجاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ مَضْمُونَ الشَّرْطِ كَرِيهٌ لَهم، فَألْقى إلَيْهِمُ الكَلامَ إلْقاءَ الخَبَرِ الَّذِي يُشَكُّ في وُقُوعِهِ، والمَقْصُودُ إشْعارُهم بِأنَّ المُشْرِكِينَ سَيَمْنَعُونَهم مِنَ العُمْرَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المُرادِ مِنَ الإحْصارِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَحْوِ الِاخْتِلافِ في الوَضْعِ أوْ في الِاسْتِعْمالِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الإحْصارَ هُنا أُطْلِقَ عَلى ما يَعُمُّ المَنعَ مِن عَدُوٍّ أوْ مِن غَيْرِهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى عَقِبَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ قَوِيٌّ في أنَّ المُرادَ مِنهُ الأمْنُ مِن خَوْفِ العَدُوِّ، وأنَّ هَذا التَّعْمِيمَ فِيهِ قَضاءُ حَقِّ الإيجازِ في جَمْعِ أحْكامِ الإحْصارِ ثُمَّ تَفْرِيقِها كَما سَأُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ وكَأنَّ هَذا هو الَّذِي يَراهُ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجَّ في المُوَطَّأِ عَلى حُكْمِ الإحْصارِ بِغَيْرِ عَدُوٍّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما احْتَجَّ بِالسُّنَّةِ، وقالَ جُمْهُورُ أصْحابِهِ: أُرِيدَ بِها المَنعُ الحاصِلُ مِن مَرَضٍ ونَحْوِهِ دُونَ مَنعِ العَدُوِّ، بِناءً عَلى أنَّ إطْلاقَ الإحْصارِ عَلى هَذا المَنعِ هو الأكْثَرُ في اللُّغَةِ. ولِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ جَعَلَتْ عَلى المَحْصَرِ هَدْيًا، ولَمْ تَرِدِ السُّنَّةُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الهَدْيِ فِيمَن حَصَرَهُ العَدُوُّ (p-٢٢٣)؛ أيْ: مَشْرُوعِيَّةِ الهَدْيِ لِأجْلِ الإحْصارِ أمّا مَن ساقَ مَعَهُ الهَدْيَ فَعَلَيْهِ نُسُكُهُ لا لِأجْلِ الإحْصارِ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ بِوُجُوبِ الهَدْيِ عَلى مَن أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أوْ نِفاسٍ أوْ كَسْرٍ مِن كُلِّ ما يَمْنَعُهُ أنْ يَقِفَ المَوْقِفَ مَعَ النّاسِ مَعَ وُجُوبِ الطَّوافِ والسَّعْيِ عِنْدَ زَوالِ المانِعِ ووُجُوبِ القَضاءِ مِن قابِلٍ لِما في المُوَطَّأِ مِن حَدِيثِ مَعْبَدِ بْنِ حُزابَةَ المَخْزُومِيِّ أنَّهُ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ فَسَألَ ابْنَ عُمَرَ وابْنَ الزُّبَيْرِ ومَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ فَكُلُّهم أمَرَهُ أنْ يَتَداوى ويَفْتَدِيَ، فَإذا أصَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِن إحْرامِهِ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجُّ قابِلٍ، وأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أمَرَ بِذَلِكَ أبا أيُّوبَ وهَبّارَ بْنَ الأسْوَدِ حِينَ فاتَهُما وُقُوفُ عَرَفَةَ، بِخِلافِ حِصارِ العَدُوِّ، واحْتَجَّ في المُوَطَّأِ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ أحَدًا مِن أصْحابِهِ ولا مَن كانَ مَعَهُ أنْ يَقْضُوا شَيْئًا ولا أنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ، ووَجَّهَ أصْحابُنا ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ؛ لِأنَّ المانِعَ في المَرَضِ ونَحْوِهِ مِن ذاتِ الحاجِّ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مُطالَبًا بِالإتْمامِ، وأمّا في إحْصارِ العَدُوِّ فالمانِعُ خارِجِيٌّ، والأظْهَرُ في الِاسْتِدْلالِ أنَّ الآيَةَ وإنْ صَلُحَتْ لِكُلِّ مَنعٍ لَكِنَّها في مَنعِ غَيْرِ العَدُوِّ أظْهَرُ، وقَدْ تَأيَّدَتْ أظْهَرِيَّتُها بِالسُّنَّةِ، وقالالشّافِعِيُّ: لا قَضاءَ فِيهِما، وهو ظاهِرُ الآيَةِ لِلِاقْتِصارِ عَلى الهَدْيِ، وهو اقْتِصارٌ عَلى مَفْهُومِ الآيَةِ ومُخالَفَةُ ما ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ فِيهِ وُجُوبُ القَضاءِ والهَدْيِ، ولا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوافٌ، ولا سَعْيٌ بَعْدَ زَوالِ عُذْرِهِ بَلْ إنْ نَحَرَ هَدْيَهُ حَلَّ، والقَضاءُ عَلَيْهِ. ولا يَلْزَمُهُ ما يَقْتَضِيهِ حَدِيثُ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَعُمُومُها نَسَخَ خُصُوصَ الحَدِيثِ، وإنْ نَزَلَتْ قَبْلَهُ فَهو آحادٌ لا يُخَصِّصُ القُرْآنَ عِنْدَهُ، عَلى أنَّ حَدِيثَ الحُدَيْبِيَةِ مُتَواتِرٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ شَهِدُوا النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَزِيدُونَ عَلى عَدَدِ التَّواتُرِ، ولَمْ يُنْقَلْ عَنْهم ذَلِكَ مَعَ أنَّهُ مِمّا تَتَوافَرُ الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: المُرادُ هُنا مَنعُ العَدُوِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ ولِأنَّها نَزَلَتْ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ وهو إحْصارُ عَدُوٍّ؛ ولِذَلِكَ أوْجَبَ الهَدْيَ عَلى المُحْصِرِ، أمّا مُحْصَرُ العَدُوِّ فَبِنَصِّ الآيَةِ، وأمّا غَيْرُهُ فَبِالقِياسِ عَلَيْهِ. وعَلَيْهِ: إنْ زالَ عُذْرُهُ فَعَلَيْهِ الطَّوافُ بِالبَيْتِ والسَّعْيُ. ولَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ القَضاءِ عَلَيْهِ؛ إذْ لَيْسَ في الآيَةِ ولا في الحَدِيثِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أحَدِ رُكْنَيِ الإسْنادِ (p-٢٢٤)وهُوَ المُسْنَدُ إلَيْهِ دُونَ المُسْنَدِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ وقَدَّرَهُ في الكَشّافِ: فَعَلَيْكم، والأظْهَرُ أنْ يُقَدِّرَ فِعْلَ أمْرٍ؛ أيْ: فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، وكِلا التَّقْدِيرَيْنِ دالٌّ عَلى وُجُوبِ الهَدْيِ. ووُجُوبُهُ في الحَجِّ ظاهِرٌ وفي العُمْرَةِ كَذَلِكَ؛ بِأنَّها مِمّا يَجِبُ إتْمامُهُ بَعْدَ الإحْرامِ بِاتِّفاقِ الجُمْهُورِ. و(اسْتَيْسَرَ) هُنا بِمَعْنى يَسُرَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ بِمَعْنى صَعُبَ؛ أيْ: ما أمْكَنَ مِنَ الهَدْيِ بِإمْكانِ تَحْصِيلِهِ وإمْكانِ تَوْجِيهِهِ، فاسْتَيْسَرَ هَنا مُرادٌ بِهِ جَمِيعُ وُجُوهِ التَّيَسُّرِ. والهَدْيُ اسْمُ الحَيَوانِ المُتَقَرَّبِ بِهِ لِلَّهِ في الحَجِّ، فَهو فِعْلٌ مِن أهْدى، وقِيلَ: هو جَمْعُ هَدِيَّةٍ كَما جُمِعَتْ جَدِيَّةِ السَّرْجِ عَلى جَدْيٍ، فَإنْ كانَ اسْمًا فَـ ”مِن“ بَيانِيَّةٌ، وإنْ كانَ جَمْعًا فَـ ”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ، وأقَلُّ ما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَهم مِنَ الهَدْيِ الغَنَمُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْهُ اللَّهُ تَعالى هُنا، وهَذا الهَدْيُ إنْ كانَ قَدْ ساقَهُ قاصِدُ الحَجِّ والعُمْرَةِ مَعَهُ ثُمَّ أُحْصِرَ فالبَعْثُ بِهِ إنْ أمْكَنَ واجِبٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ساقَهُ مَعَهُ فَعَلَيْهِ تَوْجِيهُهُ عَلى الخِلافِ في حُكْمِهِ مِن وُجُوبِهِ وعَدَمِهِ، والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْصِيلُ بَعْضِ مَصالِحِ الحَجِّ بِقَدْرِ الإمْكانِ، فَإذا فاتَتِ المَناسِكُ لا يَفُوتُ ما يَنْفَعُ فَقُراءَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الآيَةَ، بَيانٌ لِمُلازَمَةِ حالَةِ الإحْرامِ حَتّى يَنْحَرَ الهَدْيَ، وإنَّما خَصَّ النَّهْيَ عَنِ الحَلْقِ دُونَ غَيْرِهِ مِن مُنافَياتِ الإحْرامِ كالطِّيبِ تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ ويُعْلَمُ اسْتِمْرارُ حُكْمِ الإحْرامِ في البَقِيَّةِ بِدَلالَةِ القِياسِ والسِّياقِ، وهَذا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّراكِيبِ، ولَيْسَ بِكِنايَةٍ عَنِ الإحْلالِ؛ لِعَدَمِ وُضُوحِ المُلازَمَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْصِيلُ بَعْضِ ما أمْكَنَ مِن أحْوالِ المَناسِكِ، وهو اسْتِبْقاءُ الشَّعَثِ المَقْصُودِ في المَناسِكِ. والمَحِلُّ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الحاءِ مَكانُ الحُلُولِ أوْ زَمانِهِ، يُقالُ: حَلَّ بِالمَكانِ يَحِلُّ بِكَسْرِ الحاءِ وهو مَقامُ الشَّيْءِ، والمُرادُ بِهِ هُنا مَبْلَغُهُ وهو ذَبْحُهُ لِلْفُقَراءِ، وقِيلَ: (مَحِلُّهُ) هو مَحِلُّ ذَبْحِ الهَدايا؛ وهو مِنًى، والأوَّلُ قَوْلُ مالِكٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ الآيَةَ، المُرادُ مَرَضٌ يَقْتَضِي الحَلْقَ، سَواءٌ كانَ المَرَضُ بِالجَسَدِ أمْ بِالرَّأْسِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الوَسَخِ الشَّدِيدِ والقَمْلِ، لِكَراهِيَةِ التَّصْرِيحِ بِالقَمْلِ، وكَلِمَةُ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ؛ أيْ: أذًى ناشِئٌ عَنْ رَأْسِهِ. (p-٢٢٥)وفِي البُخارِيِّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ «حُمِلْتُ إلى النَّبِيءِ والقَمْلُ يَتَناثَرُ عَلى وجْهِي، فَقالَ: ما كُنْتُ أرى الجُهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذا، أما تَجِدُ شاةً ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن طَعامٍ واحْلِقْ رَأْسَكَ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ خاصَّةً وهي لَكم عامَّةً. ا هـ ومِن لَطائِفِ القُرْآنِ تَرْكُ التَّصْرِيحِ بِما هو مَرْذُولٌ مِنَ الألْفاظِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ مَحْذُوفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أيْ: عَلَيْهِ، والمَعْنى: فَلْيَحْلِقْ رَأْسَهُ وعَلَيْهِ فِدْيَةٌ، وقَرِينَةُ المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ الفِدْيَةَ ومِقْدارَها، وبَيَّنَهُ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، والنُّسُكُ - بِضَمَّتَيْنِ وبِسُكُونِ السِّينِ مَعَ تَثْلِيثِ النُّونِ - العِبادَةُ ويُطْلَقُ عَلى الذَّبِيحَةِ المَقْصُودِ مِنها التَّعَبُّدُ، وهو المُرادُ هُنا، مُشْتَقٌّ مِن نَسَكَ كَنَصَرَ وكَرُمَ، إذا عَبَدَ وذَبَحَ لِلَّهِ، وسُمِّيَ العابِدُ ناسِكًا، وأغْلَبُ إطْلاقِهِ عَلى الذَّبِيحَةِ المُتَقَرَّبِ بِها إلى مَعْبُودٍ، وفي الحَدِيثِ «والآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِن نُسُكِكم» يَعْنِي الضَّحِيَّةَ. * * * ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى (أُحْصِرْتُمْ) إنْ كانَ المُرادُ مِنَ الأمْنِ زَوالَ الإحْصارِ المُتَقَدِّمِ، ولَعَلَّها نَزَلَتْ بَعْدَ أنْ فُرِضَ الحَجُّ؛ لِأنَّ فِيها ذِكْرَ التَّمَتُّعِ وذِكْرَ صِيامِ المُتَمَتِّعِ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا ثَلاثَةَ أيّامٍ في مُدَّةِ الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أُفُقِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ تَمَكُّنِهِمْ مِن فِعْلِ الحَجِّ، والفاءُ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ الذِّكْرِيِّ. وجِيءَ بِـ (إذا) لِأنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ مَرْغُوبٌ فِيهِ، والأمْنُ ضِدُّ الخَوْفِ، وهو أيْضًا السَّلامَةُ مِن كُلِّ ما يُخافُ مِنهُ. أمِنَ كَفَرِحَ أمْنًا، أمانًا، وأمْنًا، وأمَنَةً، وإمْنًا بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهو قاصِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَأْمُونِ مِنهُ، فَيَتَعَدّى بِـ ”مَن“، تَقُولُ: أمِنتُ مِنَ العَدُوِّ، ويَتَعَدّى إلى المَأْمُونِ، تَقُولُ: أمِنتُ فُلانًا إذا جَعَلْتَهُ آمِنًا مِنكَ، والأظْهَرُ أنَّ الأمْنَ ضِدُّ الخَوْفِ مِنَ العَدُوِّ ما لَمْ يُصَرِّحْ بِمُتَعَلِّقِهِ، وفي القُرْآنِ ﴿ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] فَإنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، فَدَلَّ عَلى عَدَمِ الخَوْفِ مِنَ القِتالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] . (p-٢٢٦)وهَذا دَلِيلٌ عَلى المُرادِ بِالإحْصارِ فِيما تَقَدَّمَ ما يَشْمَلُ مَنعَ العَدُوِّ، ولِذَلِكَ قِيلَ: ”إذا أمِنتُمْ“ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في شَأْنِ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ كَما تَقَدَّمَ، فَلا مَفْهُومَ لِلشَّرْطِ هُنا؛ لِأنَّهُ خَرَجَ لِأجْلِ حادِثَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فالآيَةُ دَلَّتْ عَلى حُكْمِ العُمْرَةِ؛ لِأنَّها لا تَكُونُ إلّا مَعَ الأمْنِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ جاءُوا في عامِ عُمْرَةِ القَضاءِ مُعْتَمِرِينَ وناوِينَ إنْ مُكِّنُوا مِنَ الحَجِّ أنْ يَحُجُّوا، ويُعْلَمُ حُكْمُ المَرِيضِ ونَحْوِهِ إذا زالَ عَنْهُ المانِعُ بِالقِياسِ عَلى حُكْمِ الخائِفِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ جَوابُ ”إذا“ والتَّقْدِيرُ: فَإذا أمِنتُمْ بَعْدَ الإحْصارِ وفاتَكم وقْتُ الحَجِّ وأمْكَنَكم أنْ تَعْتَمِرُوا فاعْتَمِرُوا وانْتَظِرُوا إلى عامِ قابِلٍ، واغْتَنِمُوا خَيْرَ العُمْرَةِ، فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ عِوَضًا عَنْ هَدْيِ الحَجِّ، فالظّاهِرُ أنَّ صَدْرَ الآيَةِ أُرِيدَ بِهِ الإحْصارُ الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ المُحْصَرُ مِن حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أُرِيدَ بِهِ حُصُولُ الأمْنِ مَعَ إمْكانِ الإتْيانِ بِعُمْرَةٍ، وقَدْ فاتَ وقْتُ الحَجِّ، أيْ: أنَّهُ فاتَهُ الوَقْتُ ولَمْ يَفُتْهُ مَكانُ الحَجِّ، ويُعْلَمُ أنَّ مَن أمِنَ وقَدْ بَقِيَ ما يَسَعُهُ بِأنْ يَحُجَّ؛ عَلَيْهِ أنْ يَحُجَّ. ومَعْنى ﴿تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ انْتَفَعَ بِالعُمْرَةِ عاجِلًا، والِانْتِفاعُ بِها إمّا بِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِثَوابِها، أوْ بِسُقُوطِ وُجُوبِها إنْ قِيلَ: إنَّها واجِبَةٌ مَعَ إسْقاطِ السَّفَرِ لَها، إذْ هو قَدْ أدّاها في سَفَرِ الحَجِّ، وإمّا بِمَعْنى الِانْتِفاعِ بِالحِلِّ مِنها ثُمَّ إعادَةُ الإحْرامِ بِالحَجِّ، فانْتَفَعَ بِألّا يَبْقى في كُلْفَةِ الإحْرامِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وهَذا رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ إذْ أباحَ العُمْرَةَ في مُدَّةِ الحَجِّ بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ إذْ كانُوا يَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مِن أعْظَمِ الفُجُورِ. فالباءُ في قَوْلِهِ: (بِالعُمْرَةِ) صِلَةُ فِعْلِ (تَمَتَّعَ)، وقَوْلُهُ: ﴿إلى الحَجِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَعْنى (إلى) مُتَرَبِّصًا إلى وقْتِ الحَجِّ أوْ بالِغًا إلى وقْتِ الحَجِّ؛ أيْ: أيّامِهِ؛ وهي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، وقَدْ فُهِمْ مِن كَلِمَةِ ”إلى“ أنَّ بَيْنَ العُمْرَةِ والحَجِّ زَمَنًا لا يَكُونُ فِيهِ المُعْتَمِرُ مُحْرِمًا، وهو الإحْلالُ الَّذِي بَيْنَ العُمْرَةِ والحَجِّ في التَّمَتُّعِ والقِرانِ، فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَهُ مِنَ الهَدْيِ لِأجْلِ الإحْلالِ الَّذِي بَيْنَ الإحْرامَيْنِ، وهَذا حَيْثُ لَمْ يَهْدِ وقْتَ الإحْصارِ فِيما أراهُ واللَّهُ أعْلَمُ، والآيَةُ جاءَتْ بِلَفْظِ التَّمَتُّعِ عَلى المَعْنى اللُّغَوِيِّ؛ أيْ: الِانْتِفاعِ وأشارَتْ إلى ما سَمّاهُ المُسْلِمُونَ بِالتَّمَتُّعِ وبِالقِرانِ وهو مِن شَرائِعِ الإسْلامِ الَّتِي أبْطَلَ بِها شَرِيعَةَ الجاهِلِيَّةِ، واسْمُ التَّمَتُّعِ يَشْمَلُها لَكِنَّهُ خَصَّ التَّمَتُّعَ بِأنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بِعُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ يَحِلُّ مِنها ثُمَّ يَحُجُّ مِن عامِهِ ذَلِكَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى أُفُقِهِ، وخَصَّ القِرانَ بِأنْ يَقْتَرِنَ الحَجُّ والعُمْرَةُ في إهْلالٍ واحِدٍ ويَبْدَأ في فِعْلِهِ بِالعُمْرَةِ ثُمَّ يَحِلَّ مِنها ويَجُوزُ لَهُ أنْ يُرْدِفَ الحَجَّ (p-٢٢٧)عَلى العُمْرَةِ، كُلُّ ذَلِكَ شَرَعَهُ اللَّهُ رُخْصَةً لِلنّاسِ، وإبْطالًا لِما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن مَنعِ العُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وفَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ الهَدْيَ جَبْرًا لِما كانَ يَتَجَشَّمُهُ مِن مَشَقَّةِ الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ لِأداءِ العُمْرَةِ كَما كانُوا في الجاهِلِيَّةِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ تَمَتُّعًا. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في التَّمَتُّعِ وفي صِفَتِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى جَوازِهِ، وأنَّهُ يَحِلُّ مِن عُمْرَتِهِ الَّتِي أحْرَمَ بِها في أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ يُحْرِمُ بَعْدَ ذَلِكَ في حَجَّةٍ في عامِهِ ذَلِكَ، وكانَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ لا يَرى التَّمَتُّعَ ويَنْهى عَنْهُ في خِلافَتِهِ، ولَعَلَّهُ كانَ يَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ بِمِثْلِ ما تَأوَّلَها ابْنُ الزُّبَيْرِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا، وخالَفَهُ عَلِيٌّ وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وفي البُخارِيِّ عَنْ عِمْرانِ بْنِ حُصَيْنٍ: تَمَتَّعْنا عَلى عَهْدِ النَّبِيءِ ونَزَلَ القُرْآنُ ثُمَّ قالَ رَجُلٌ مِنّا بِرَأْيِهِ ما شاءَ؛ يُرِيدُ عُثْمانَ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لا يَرى لِلْقارِنِ إذا أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وبِحَجَّةٍ مَعًا وتَمَّمَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ أنْ يَحِلَّ مِن إحْرامِهِ حَتّى يَحِلَّ مِن إحْرامِ حَجِّهِ، فَقالَ لَهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ إنِّي جِئْتُ مِنَ اليَمَنِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِمَكَّةَ مُحْرِمًا؛ أيْ: عامَ الوَداعِ، فَقالَ لِي: بِمَ أهَلَلْتَ ؟ قُلْتُ: أهْلَلْتُ بِإهْلالٍ كَإهْلالِ النَّبِيءِ، فَقالَ لِي: هَلْ مَعَكَ هَدْيٌ. قُلْتُ: لا. فَأمَرَنِي فَطُفْتُ وسَعَيْتُ فَأحْلَلْتُ وغَسَلْتُ رَأْسِي ومَشَّطَتْنِي امْرَأةٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَلَمّا حَدَّثَ أبُو مُوسى عُمَرَ بِهَذا قالَ عُمَرُ: إنْ نَأْخُذْ بِكِتابِ اللَّهِ فَهو يَأْمُرُنا بِالإتْمامِ، وإنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ فَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتّى بَلَغَ الهَدْيَ مَحِلَّهُ، وجُمْهُورُ الصَّحابَةِ والفُقَهاءِ يُخالِفُونَ رَأْيَ عُمَرَ ويَأْخُذُونَ بِخَبَرِ أبِي مُوسى، وبِحَدِيثِ عَلِيٍّ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لَوْلا أنَّ مَعِيَ الهَدْيَ لَأحْلَلْتُ»، وقَدْ يَنْسِبُ بَعْضُ النّاسِ إلى عُمَرَ أنَّهُ لا يَرى جَوازَ التَّمَتُّعِ، وهو وهْمٌ، وإنَّما رَأْيُ عُمَرَ لا يَجُوزُ الإحْلالُ مِنَ العُمْرَةِ في التَّمَتُّعِ إلى أنْ يَحِلَّ مِنَ الحَجِّ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: فَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَلَعَلَّهُ رَأى الإحْلالَ لِلْمُتَلَبِّسِ بِنِيَّةِ الحَجِّ مُنافِيًا لِنِيَّتِهِ، وهو ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإتْمامِ، ولَعَلَّهُ كانَ لا يَرى الآحادَ مُخَصِّصًا لِلْمُتَواتِرِ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ؛ لِأنَّ فِعْلَ النَّبِيءِ ﷺ هُنا مُتَواتِرٌ، إذْ قَدْ شَهِدَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ ونَقَلُوا حَجَّهُ وأنَّهُ أهَّلَ بِها جَمِيعًا. نَعَمْ كانَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ يَرَيانِ إفْرادَ الحَجِّ أفْضَلَ مِنَ التَّمَتُّعِ والقِرانِ، وبِهِ أخَذَ مالِكٌ، رَوى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ أنَّهُ يُرَجِّحُ أحَدَ الحَدِيثَيْنِ المُتَعارِضَيْنِ بِعَمَلِ الشَّيْخَيْنِ، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرى التَّمَتُّعَ خاصًّا بِالمُحْصَرِ إذا تَمَكَّنَ مِنَ الوُصُولِ إلى البَيْتِ بَعْدَ أنْ فاتَهُ وُقُوفُ (p-٢٢٨)عَرَفَةَ، فَيَجْعَلُ حَجَّتَهُ عُمْرَةً، ويَحُجُّ في العامِ القابِلِ، وتَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلى الحَجِّ﴾ أيْ: إلى وقْتِ الحَجِّ القابِلِ، والجُمْهُورُ يَقُولُونَ: ﴿إلى الحَجِّ﴾ أيْ: إلى أيّامِ الحَجِّ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ الآيَةَ، عُطِفَتْ عَلى ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ لِأنَّ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ مَعَ جَوابِهِ وهو ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ مُقَدَّرٌ فِيهِ مَعْنى ”فَمَن تَمَتَّعَ واجِدًا الهَدْيَ“ فَعُطِفَتْ عَلَيْهِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ وجَعَلَ اللَّهُ الصِّيامَ بَدَلًا عَنِ الهَدْيِ زِيادَةً في الرُّخْصَةِ والرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ شَرَعَ الصَّوْمَ مُفَرَّقًا فَجَعَلَهُ عَشَرَةَ أيّامٍ؛ ثَلاثَةً مِنها في أيّامِ الحَجِّ وسَبْعَةً بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنَ الحَجِّ. فَقَوْلُهُ: ﴿فِي الحَجِّ﴾ أيْ: في أشْهُرِهِ إنْ كانَ أمْكَنَهُ الِاعْتِمارُ قَبْلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ الحَجِّ، فَإنْ لَمْ يُدْرِكِ الحَجَّ واعْتَمَرَ فَتِلْكَ صِفَةٌ أُخْرى لا تَعَرُّضَ إلَيْها في الآيَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ؛ أيْ: جامِعَتُهُ، فالحاسِبُ إذا ذَكَرَ عَدَدَيْنِ فَصاعِدًا قالَ عِنْدَ إرادَةِ جَمْعِ الأعْدادِ: فَذَلِكَ - أيِ: المَعْدُودُ - كَذا، فَصِيغَتْ لِهَذا القَوْلِ صِيغَةَ نَحْتٍ، مِثْلَ: بَسْمَلَ؛ إذا قالَ بِاسْمِ اللَّهِ، وحَوْقَلَ؛ إذا قالَ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَحُرُوفُ فَذْلَكَةَ مُتَجَمِّعَةٌ مِن حُرُوفِ فَذَلِكَ، كَما قالَ الأعْشى: ؎ثَلاثٌ بِالغَداةِ فَهُنَّ حَسْبِي وسِتٌّ حِينَ يُدْرِكُنِي العِشاءُ ؎فَذَلِكَ تِسْعَةٌ في اليَوْمِ رَيِّي ∗∗∗ وشُرْبُ المَرْءِ فَوْقَ الرَّيِّ داءُ فَلَفْظُ فَذْلَكَةَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَمْ تُسْمَعْ مِن كَلامِ العَرَبِ، غَلَبَ إطْلاقُ اسْمِ الفَذْلَكَةِ عَلى خُلاصَةِ جَمْعِ الأعْدادِ، وإنْ كانَ اللَّفْظُ المَحْكِيُّ جَرى بِغَيْرِ كَلِمَةِ (ذَلِكَ) كَما نَقُولُ في قَوْلِهِ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾: إنَّها فَذْلَكَةٌ مَعَ كَوْنِ الواقِعِ في المَحْكِيِّ لَفْظُ تِلْكَ لا لَفْظُ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ: ؎ثَلاثٌ واثْنَتانِ فَتِلْكَ خَمْسٌ ∗∗∗ وسادِسَةٌ تَمِيلُ إلى الشِّمامِ أيْ: إلى الشَّمِّ والتَّقْبِيلِ وفِي وجْهِ الحاجَةِ إلى الفَذْلَكَةِ في الآيَةِ وُجُوهٌ، فَقِيلَ هو مُجَرَّدُ تَوْكِيدٍ، كَما تَقُولُ: كَتَبْتُ بِيَدِي يَعْنِي أنَّهُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ ما وقَعَ في شِعْرِ الأعْشى أيْ أنَّهُ جاءَ عَلى أُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ، ولا يُفِيدُ إلّا تَقْرِيرَ الحُكْمِ في الذِّهْنِ مَرَّتَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ لَمّا ذَكَرَ مِثْلَهُ: كَقَوْلِ العَرَبِ: عِلْمانِ خَيْرٌ مِن عِلْمٍ. وعَنِ المُبَرِّدِ: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يَكُونَ بَقِيَ شَيْءٌ مِمّا يَجِبُ صَوْمُهُ، وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ المُرادَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ صَوْمِ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ أوْ سَبْعَةِ أيّامٍ إذا رَجَعَ إلى بَلَدِهِ بَدَلًا (p-٢٢٩)مِنَ الثَّلاثَةِ، أُزِيلُ ذَلِكَ بِجَلِيَّةِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾ وتَبِعَهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: الواوُ قَدْ تَجِيءُ لِلْإباحَةِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جالَسَ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ فَفَذْلَكْتُ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ الإباحَةِ ا هـ. وهو يُرِيدُ مِنَ الإباحَةِ أنَّها لِلتَّخْيِيرِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ الجَمْعُ ولا يَتَعَيَّنُ. وفِي كِلا الكَلامَيْنِ حاجَةٌ إلى بَيانِ مَنشَأِ تَوَهُّمِ مَعْنى التَّخْيِيرِ فَأقُولُ: إنَّ هَذا المَعْنى وإنْ كانَ خِلافَ الأصْلِ في الواوِ حَتّى زَعَمَ ابْنُ هِشامٍ أنَّ الواوَ لا تَرِدُ لَهُ، وأنَّ التَّخْيِيرَ يُسْتَفادُ مِن صِيغَةِ الأمْرِ، لا أنَّهُ قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن حَيْثُ إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ في حالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وجَعَلَ أقَلَّ العَدَدَيْنِ لِأشَقِّ الحالَتَيْنِ وأكْثَرَهُما لِأخَفِّهِما، فَلا جَرَمَ طَرَأ تَوَهُّمُ أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ صَوْمَ ثَلاثَةِ أيّامٍ فَقَطْ وأنَّ السَّبْعَةَ رُخْصَةٌ لِمَن أرادَ التَّخْيِيرَ، فَبَيَّنَ اللَّهُ ما يَدْفَعُ هَذا التَّوَهُّمَ، بَلِ الإشارَةُ إلى أنَّ مُرادَ اللَّهِ تَعالى إيجابُ صَوْمِ عَشَرَةِ أيّامٍ، وإنَّما تَفْرِيقُها رُخْصَةٌ ورَحْمَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، فَحَصَلَتْ فائِدَةُ التَّنْبِيهِ عَلى الرَّحْمَةِ الإلَهِيَّةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] إذْ دَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُناجاةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولَكِنَّهُ أبْلَغَها إلَيْهِ مُوَزَّعَةً تَيْسِيرًا. وقَدْ سُئِلْتُ عَنْ حِكْمَةِ كَوْنِ الأيّامِ عَشَرَةً، فَأجَبْتُ بِأنَّهُ لَعَلَّهُ نَشَأ مِن جَمْعِ سَبْعَةٍ وثَلاثَةٍ؛ لِأنَّهُما عَدَدانِ مُبارَكانِ، ولَكِنْ فائِدَةُ التَّوْزِيعِ ظاهِرَةٌ، وحِكْمَةُ كَوْنِ التَّوْزِيعِ كانَ إلى عَدَدَيْنِ مُتَفاوِتَيْنِ لا مُتَساوِيَيْنِ ظاهِرَةٌ؛ لِاخْتِلافِ حالَةِ الِاشْتِغالِ بِالحَجِّ فَفِيها مَشَقَّةٌ، وحالَةُ الِاسْتِقْرارِ بِالمَنزِلِ. وفائِدَةُ جَعْلِ بَعْضِ الصَّوْمِ في مُدَّةِ الحَجِّ جَعْلُ بَعْضِ العِبادَةِ عِنْدَ سَبَبِها، وفائِدَةُ التَّوْزِيعِ إلى ثَلاثَةٍ وسَبْعَةٍ أنَّ كِلَيْهِما عَدَدٌ مُبارَكٌ ضُبِطَتْ بِمِثْلِهِ الأعْمالُ دِينِيَّةً وقَضائِيَّةً. وأمّا قَوْلُ (كامِلَةٌ) فَيُفِيدُ التَّحْرِيضَ عَلى الإتْيانِ بِصِيامِ الأيّامِ كُلِّها لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، مَعَ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الصَّوْمِ، وأنَّهُ طَرِيقُ كَمالٍ لِصائِمِهِ، فالكَمالُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ إشارَةٌ إلى أقْرَبِ شَيْءٍ في الكَلامِ، وهو هَدْيُ التَّمَتُّعِ أوْ بَدَلُهُ وهو الصِّيامُ، والمَعْنى أنَّ الهَدْيَ عَلى الغَرِيبِ مِنمَكَّةَ كَيْ لا يُعِيدَ السَّفَرَ لِلْعُمْرَةِ، فَأمّا المَكِّيُّ فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِالِاسْتِغْناءِ عَنْ إعادَةِ السَّفَرِ فَلِذا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وهَذا (p-٢٣٠)قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ والجُمْهُورِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُما عَلى أهْلِ مَكَّةَ هَدْيٌ في التَّمَتُّعِ والقِرانِ؛ لِأنَّهم لا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ في إعادَةِ العُمْرَةِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإشارَةُ إلى جَمِيعِ ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ السّابِقُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ وهو التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ مَعَ الحَجِّ ووُجُوبُ الهَدْيِ، فَهو لا يَرى التَّمَتُّعَ والقِرانَ لِأهْلِ مَكَّةَ وهو وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ. وحاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ هم أهْلُ بَلْدَةِ مَكَّةَ وما جاوَرَها، واخْتُلِفَ في تَحْدِيدِ ما جاوَرَها، فَقالَ مالِكٌ: ما اتَّصَلَ بِمَكَّةَ وذَلِكَ مِن ذِي طُوًى عَلى أمْيالٍ قَلِيلَةٍ مِن مَكَّةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: مَن كانَ مِن مَكَّةَ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ ونَسَبَهُ ابْنُ حَبِيبٍ إلى مالِكٍ وغَلَّطَهُ شُيُوخُ المَذْهَبِ. وقالَ عَطاءٌ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ عَرَفَةَ، ومَرٍّ، وعُرَنَةَ، وضَجْنانَ، والرَّجِيعِ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: أهْلُ مَكَّةَ ومَن كانَ عَلى مَسافَةِ يَوْمٍ أوْ نَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أهْلُ مَكَّةَ وذِي طُوًى، وفَجٍّ، وما يَلِي ذَلِكَ. وقالَ طاوُسٌ: حاضِرُو المَسْجِدِ الحَرامِ كُلُّ مَن كانَ داخِلَ الحَرَمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هم مَن كانُوا داخِلَ المَواقِيتِ، سَواءٌ كانُوا مَكِّيِّينَ أوْ غَيْرَهم، ساكِنِي الحَرَمِ أوِ الحِلِّ. * * * ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وِصايَةٌ بِالتَّقْوى بَعْدَ بَيانِ الأحْكامِ الَّتِي لا تَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِها، فالأمْرُ بِالتَّقْوى عامٌّ، وكَوْنُ الحَجِّ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هو مِن جُمْلَةِ العُمُومِ وهو أجْدَرُ أفْرادِ العُمُومِ، لِأنَّ الكَلامَ فِيهِ. وقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ افْتُتِحَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ اهْتِمامًا بِالخَبَرِ فَلَمْ يَقْتَصِرْ بِأنْ يُقالَ (﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٢]) فَإنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَحَصَلَ العِلْمُ المَطْلُوبُ؛ لِأنَّ العِلْمَ يَحْصُلُ مِنَ الخَبَرِ، ولَكِنْ لَمّا أُرِيدَ تَحْقِيقُ الخَبَرِ افْتُتِحَ بِالأمْرِ بِالعِلْمِ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَحْقِيقِ الخَبَرِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَشُكُّوا في ذَلِكَ، فَأفادَ مُفادَ ”إنَّ“، وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]


ركن الترجمة

Perform the pilgrimage and holy visit ('Umra, to Makkah) in the service of God. But if you are prevented, send an offering which you can afford as sacrifice, and do not shave your heads until the offering has reached the place of sacrifice. But if you are sick or have ailment of the scalp (preventing the shaving of hair), then offer expiation by fasting or else giving alms or a sacrificial offering. When you have security, then those of you who wish to perform the holy visit along with the pilgrimage, should make a sacrifice according to their means. But he who has nothing, should fast for three days during the pilgrimage and seven on return, completing ten. This applies to him whose family does not live near the Holy Mosque. Have fear of God, and remember that God is severe in punishment.

Et accomplissez pour Allah le pèlerinage et l'Umra. Si vous en êtes empêchés, alors faites un sacrifice qui vous soit facile. Et ne rasez pas vos têtes avant que l'offrande [l'animal à sacrifier] n'ait atteint son lieu d'immolation. Si l'un d'entre vous est malade ou souffre d'une affection de la tête (et doit se raser), qu'il se rachète alors par un Siyâm ou par une aumône ou par un sacrifice. Quand vous retrouverez ensuite la paix, quiconque a joui d'une vie normale après avoir fait l'Umra en attendant le pèlerinage, doit faire un sacrifice qui lui soit facile. S'il n'a pas les moyens qu'il jeûne trois jours pendant le pèlerinage et sept jours une fois rentré chez lui, soit en tout dix jours. Cela est prescrit pour celui dont la famille n'habite pas auprès de la Mosquée sacrée. Et craignez Allah. Et sachez qu'Allah est dur en punition.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :