موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الاثنين 21 شعبان 1447 هجرية الموافق ل09 فبراير 2026


الآية [214] من سورة  

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ


ركن التفسير

214 - ونزل في جهد أصاب المسلمين (أم) بل أ (حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما) لم (يأتكم مثل) شبه ما أتى (الذين خلوا من قبلكم) من المؤمنين من المِحَن فتصبروا كما صبروا (مستهم) جملة مستأنفة مبينة ما قبلها (البأساء) شدة الفقر (والضراء) المرض (وزُلزلوا) أزعجوا بأنواع البلاء (حتى يقولَ) بالنصب والرفع أي قال (الرسول والذين آمنوا معه) استبطاء للنصر لتناهي الشدة عليهم (متى) يأتي (نصر الله) الذي وُعِدناه فأُجيبوا من قبل الله (ألا إن نصر الله قريب) إتيانه

يقول تعالى "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة" قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولهذا قال "ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء" وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب. قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالبة ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمذاني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان "البأساء" الفقر "والضراء" السقم "وزلزلوا" خوفوا من الأعداء زلزالا شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت قال: قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فقال "إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه" ثم قال "والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون وقال الله تعالى "ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا" الآيات. ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟ قال: سجالا يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة. وقوله "مثل الذين خلوا من قبلكم" أي سنتهم كما قال تعالى "فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين" وقوله "وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله" أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة. قال الله تعالى "ألا إن نصر الله قريب" كما قال "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها ولهذا قال "ألا إن نصر الله قريب" وفي حديث أبي رزين "عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قانطين فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب" الحديث.

) قوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريبقوله تعالى : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة " حسبتم " معناه ظننتم . قال قتادة والسدي وأكثر المفسرين : نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والشدة ، والحر والبرد ، وسوء العيش ، وأنواع الشدائد ، وكان كما قال الله تعالى : وبلغت القلوب الحناجر . وقيل : نزلت في حرب أحد ، نظيرها - في آل عمران - أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم . وقالت فرقة : نزلت الآية تسلية للمهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين ، وآثروا رضا الله ورسوله ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأسر قوم من الأغنياء النفاق ، فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم أم حسبتم . و " أم " هنا منقطعة ، بمعنى بل ، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة ألف الاستفهام ليبتدأ بها ، و " حسبتم " تطلب مفعولين ، فقال النحاة : " أن تدخلوا " تسد مسد المفعولين . وقيل : المفعول الثاني محذوف : أحسبتم دخولكم الجنة واقعا . و " لما " بمعنى لم . و " مثل " معناه شبه ، أي ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا . وحكى النضر بن شميل أن " مثل " يكون بمعنى صفة ، ويجوز أن يكون المعنى : ولما يصبكم مثل الذي أصاب الذين من قبلكم ، أي من البلاء . قال وهب : وجد فيما بين مكة والطائف سبعون نبيا موتى ، كان سبب موتهم الجوع والقمل ، ونظير هذه الآية الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم على ما يأتي ، فاستدعاهم تعالى إلى الصبر ، ووعدهم على ذلك بالنصر فقال : ألا إن نصر الله قريب . والزلزلة : شدة التحريك ، تكون في الأشخاص وفي الأحوال ، يقال : زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالا - بالكسر - فتزلزلت إذا تحركت واضطربت ، فمعنى زلزلوا خوفوا وحركوا . والزلزال - بالفتح - الاسم . والزلازل : الشدائد . وقال الزجاج : أصل الزلزلة من زل الشيء عن مكانه ، فإذا قلت : زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه . ومذهب سيبويه أن زلزل رباعي كدحرج . وقرأ نافع " حتى يقول " بالرفع ، والباقون بالنصب . ومذهب سيبويه في " حتى " أن النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين ، تقول : سرت حتى أدخل المدينة - بالنصب - على أن السير والدخول جميعا قد مضيا ، أي سرت إلى أن أدخلها ، وهذه غاية ، وعليه قراءة من قرأ بالنصب . والوجه الآخر في النصب في غير الآية سرت حتى أدخلها ، أي كي أدخلها . والوجهان في الرفع سرت حتى أدخلها ، أي سرت فأدخلها ، وقد مضيا جميعا ، أي كنت سرت فدخلت . ولا تعمل حتى هاهنا بإضمار أن ؛ لأن بعدها جملة ، كما قال الفرزدق :فيا عجبا حتى كليب تسبنيقال النحاس : فعلى هذا القراءة بالرفع أبين وأصح معنى ، أي وزلزلوا حتى الرسول يقول ، أي حتى هذه حاله ؛ لأن القول إنما كان عن الزلزلة غير منقطع منها ، والنصب على الغاية ليس فيه هذا المعنى . والرسول هنا شعيا في قولمقاتل ، وهو اليسع . وقال الكلبي : هذا في كل رسول بعث إلى أمته وأجهد في ذلك حتى قال : متى نصر الله ؟ . وروي عن الضحاك قال : يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وعليه يدل نزول الآية ، والله أعلم . والوجه الآخر في غير الآية سرت حتى أدخلها ، على أن يكون السير قد مضى والدخول الآن . وحكى سيبويه : مرض حتى لا يرجونه ، أي هو الآن لا يرجى ، ومثله سرت حتى أدخلها لا أمنع . وبالرفع قرأ مجاهد والأعرج وابن محيصن وشيبة . وبالنصب قرأ الحسن وأبو جعفر وابن أبي إسحاق وشبل وغيرهم . قال مكي : وهو الاختيار ؛ لأن جماعة القراء عليه . وقرأ الأعمش : " وزلزلوا ويقول الرسول " بالواو بدل حتى . وفي مصحف ابن مسعود : " وزلزلوا ثم زلزلوا ويقول " . وأكثر المتأولين على أن الكلام إلى آخر الآية من قول الرسول والمؤمنين ، أي بلغ الجهد بهم حتى استبطئوا النصر ، فقال الله تعالى : ألا إن نصر الله قريب . ويكون ذلك من قول الرسول على طلب استعجال النصر لا على شك وارتياب . و " الرسول " اسم جنس . وقالت طائفة : في الكلام تقديم وتأخير ، والتقدير : حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله ، فيقول الرسول : ألا إن نصر الله قريب ، فقدم الرسول في الرتبة لمكانته ، ثم قدم قول المؤمنين لأنه المتقدم في الزمان . قال ابن عطية : وهذا تحكم ، وحمل الكلام على وجهه غير متعذر . ويحتمل أن يكون " ألا إن نصر الله قريب " إخبارا من الله تعالى مؤتنفا بعد تمام ذكر القول .قوله تعالى : متى نصر الله رفع بالابتداء على قول سيبويه ، وعلى قول أبي العباس رفع بفعل ، أي متى يقع نصر الله . و " قريب " خبر " إن " . قال النحاس : ويجوز في غير القرآن ( قريبا ) أي مكانا قريبا . و " قريب " لا تثنيه العرب ولا تجمعه ولا تؤنثه في هذا المعنى ، قال الله عز وجل : إن رحمة الله قريب من المحسنين . وقال الشاعر :له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب ولا بسباسة بنة يشكرافإن قلت : فلان قريب لي ثنيت وجمعت ، فقلت : قريبون وأقرباء وقرباء .

﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ فاحْتاجَ إلى وجْهِ مُناسَبَةٍ بِهِ، فَقالَ الطِّيبِيُّ أخْذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] كَلامٌ ذُكِرَتْ فِيهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ وذُكِرَ مَن بُعِثَ إلَيْهِمْ مِنَ الأنْبِياءِ وما لَقُوا مِنهم مِنَ الشَّدائِدِ، ومُدْمَجٌ لِتَشْجِيعِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ عَلى الثَّباتِ والصَّبْرِ عَلى أذى المُشْرِكِينَ كَما قالَ ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَمِن هَذا الوَجْهِ كانَ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ مُرادِينَ مِن ذَلِكَ الكَلامِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] وهو المُضْرَبُ عَنْهُ بِبَلِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها ”أمْ“ أيْ دَعْ ذَلِكَ، أحَسِبُوا أنْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ اهـ. وبَيانُهُ أنَّ القَصْدَ مِن ذِكْرِ الأُمَمِ السّالِفَةِ حَيْثُما وقَعَ في القُرْآنِ هو العِبْرَةُ والمَوْعِظَةُ والتَّحْذِيرُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعُوا فِيهِ بِسُوءِ عَمَلِهِمْ والِاقْتِداءُ في المَحامِدِ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآيَةَ إجْمالًا لِذَلِكَ وقَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ولَمّا كانَ هَذا الخِتامُ مَنقَبَةً (p-٣١٤)لِلْمُسْلِمِينَ أُوقِظُوا أنْ لا يُزْهَوْا بِهَذا الثَّناءِ فَيَحْسَبُوا أنَّهم قَضَوْا حَقَّ شُكْرِ النِّعْمَةِ فَعُقِّبَ بِأنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَصْبِرُوا لِما عَسى أنْ يَعْتَرِضَهم في طَرِيقِ إيمانِهِمْ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ اقْتِداءً بِصالِحِي الأُمَمِ السّالِفَةِ، فَكَما حَذَّرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيما وقَعَ فِيهِ الضّالُّونَ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ حَرَّضَهم هُنا عَلى الِاقْتِداءِ بِهُدى المُهْتَدِينَ مِنهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ البِشارَةِ بِالنِّذارَةِ وعَكْسِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ إضْرابًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢١٣] ولِيَكُونَ ذَلِكَ تَصْبِيرًا لَهم عَلى ما نالَهم يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مِن تَطاوُلِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ بِمَنعِهِمْ مِنَ العُمْرَةِ وما اشْتَرَطُوا عَلَيْهِمْ لِلْعامِ القابِلِ، ويَكُونَ أيْضًا تَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] الآيَةَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ الأوَّلِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ حِينَ أصابَ المُسْلِمِينَ ما أصابَهم مِنَ الجَهْدِ والشَّدائِدِ فَتَكُونُ تِلْكَ الحادِثَةُ زِيادَةً في المُناسَبَةِ. و(أمْ) في الإضْرابِ كَبَلْ إلّا أنَّ ”أمْ“ تُؤْذِنُ بِالِاسْتِفْهامِ وهو هُنا تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ وإنْكارُهُ إنْ كانَ حاصِلًا؛ أيْ بَلْ أحَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا دُونَ بَلْوى وهو حُسْبانٌ باطِلٌ لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ. وحَسِبَ بِكَسْرِ السِّينِ في الماضِي: فِعْلٌ مِن أفْعالِ القُلُوبِ أخَواتِ ظَنَّ، وفي مُضارِعِهِ وجْهانِ كَسْرُ السِّينِ وهو أجْوَدُ وفَتْحُها وهو أقْيَسُ وقَدْ قُرِئَ بِهِما في المَشْهُورِ، ومَصْدَرُهُ الحِسْبانُ بِكَسْرِ الحاءِ وأصْلُهُ مِنَ الحِسابِ بِمَعْنى العَدِّ فاسْتُعْمِلَ في الظَّنِّ تَشْبِيهًا لِجَوَلانِ النَّفْسِ في اسْتِخْراجِ عِلْمِ ما يَقَعُ بِجَوَلانِ اليَدِ في الأشْياءِ لِتَعْيِينِ عَدَدِها ومِثْلُهُ في ذَلِكَ فِعْلُ عَدَّ بِمَعْنى ظَنَّ. والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ وهو إقْبالٌ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ بَعْدَ أنْ كانَ الكَلامُ عَلى غَيْرِهِمْ فَلَيْسَ فِيهِ التِفاتٌ، وجَعَلَهُ صاحِبُ الكَشّافِ التِفاتًا بِناءً عَلى تَقَدُّمِ قَوْلِهِ ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] وأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: أمْ حَسِبُوا أيِ الَّذِينَ آمَنُوا، والأظْهَرُ أنَّهُ لَمّا وقَعَ الِانْتِقالُ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِالإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ الحاصِلِ بِأمْ، صارَ الكَلامُ افْتِتاحًا مَحْضًا وبِذَلِكَ يُتَأكَّدُ اعْتِبارُ الِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، فالِالتِفاتُ هُنا غَيْرُ مَنظُورٍ إلَيْهِ عَلى التَّحْقِيقِ. ودُخُولُ الجَنَّةِ هُنا دُخُولُها بِدُونِ سَبْقِ عَناءٍ وبَلْوى، وهو دُخُولُ الَّذِينَ اسْتَوْفَوْا كُلَّ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يُقَصِّرُوا في شَيْءٍ مِنهُ، وإلّا فَإنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مَحْسُوبٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ولَوْ لَمْ تَأْتِهِ البَأْساءُ والضَّرّاءُ أوْ أتَتْهُ ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْها، بِمَعْنى أنَّ الصَّبْرَ عَلى ذَلِكَ وعَدَمَ الضَّجَرِ (p-٣١٥)مِنهُ مُوجِبٌ لِغُفْرانِ الذُّنُوبِ، أوِ المُرادُ مِن ذَلِكَ أنْ نالَهُمُ البَأْساءُ فَيَصْبِرُوا ولا يَرْتَدُّوا عَنِ الدِّينِ، لِذَلِكَ فَيَكُونُ دُخُولُ الجَنَّةِ مُتَوَقِّفًا عَلى الصَّبْرِ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ بِهَذا المَعْنى، وتَطَرُّقُ هاتِهِ الحالَةِ سُنَّةٌ مِن سُنَنِ اللَّهِ تَعالى في أتْباعِ الرُّسُلِ في أوَّلِ ظُهُورِ الدِّينِ وذَلِكَ مِن أسْبابِ مَزِيدِ فَضائِلِ اتِّباعِ الرُّسُلِ، فَلِذَلِكَ هُيِّئَ المُسْلِمُونَ لِتَلَقِّيهِ مِن قَبْلِ وُقُوعِهِ لُطْفًا بِهِمْ لِيَكُونَ حُصُولُهُ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ. وقَدْ لَقِيَ المُسْلِمُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِن أذى المُشْرِكِينَ البَأْساءَ والضَّرّاءَ وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وتَحَمَّلُوا مَضَضَ الغُرْبَةِ، فَلَمّا ورَدُوا المَدِينَةَ لَقُوا مِن أذى اليَهُودِ في أنْفُسِهِمْ وأذى المُشْرِكِينَ في قَرابَتِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِمَكَّةَ ما كَدَّرَ عَلَيْهِمْ صَفْوَ حَفاوَةِ الأنْصارِ بِهِمْ، كَما أنَّ الأنْصارَ لَقُوا مِن ذَلِكَ شِدَّةَ المُضايَقَةِ في دِيارِهِمْ بَلْ وفي أمْوالِهِمْ فَقَدْ كانَ الأنْصارُ يَعْرِضُونَ عَلى المُهاجِرِينَ أنْ يَتَنازَلُوا لَهم عَنْ حَظٍّ مِن أمْوالِهِمْ. و(لَمّا) أُخْتُ ”لَمْ“ في الدَّلالَةِ عَلى نَفْيِ الفِعْلِ ولَكِنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن لَمْ وما النّافِيَةِ فَأفادَتْ تَوْكِيدَ النَّفْيِ، لِأنَّها رُكِّبَتْ مِن حَرْفَيْ نَفْيٍ، ومِن هَذا كانَ النَّفْيُ بِها مُشْعِرًا بِأنَّ السّامِعَ كانَ يَتَرَقَّبُ حُصُولَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِها فَيَكُونُ النَّفْيُ بِها نَفْيًا لِحُصُولِ قَرِيبٍ، وهو يُشْعِرُ بِأنَّ حُصُولَ المَنفِيِّ بِها يَكُونُ بَعْدَ مُدَّةٍ، وهَذا اسْتِعْمالٌ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ واحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِ النّابِغَةِ: ؎أزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أنَّ رِكابَنا لَمّا تَزُلْ بِرِحالِنا وكَأنْ قَدِ فَنَفى بِلَمّا ثُمَّ قالَ: وكَأنْ قَدِ؛ أيْ وكَأنَّهُ قَدْ زالَتْ. والواوُ لِلْحالِ؛ أيْ أحَسِبْتُمْ دُخُولَ الجَنَّةِ في حالَةِ انْتِفاءِ ما يُتَرَقَّبُ حُصُولُهُ لَكم مِن مَسِّ البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَإنَّكم لا تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ذَلِكَ الدُّخُولَ السّالِمَ مِنَ المِحْنَةِ إذا تَحَمَّلْتُمْ ما هو مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. والإتْيانُ مَجازٌ في الحُصُولِ، لِأنَّ الشَّيْءَ الحاصِلَ بَعْدَ العَدَمِ يُجْعَلُ كَأنَّهُ أتى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. والمَثَلُ: المُشابِهُ في الهَيْئَةِ والحالَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . والَّذِينَ خَلَوْا: هُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ مَضَوْا وانْقَرَضُوا وأصْلُ خَلَوْا: خَلا مِنهُمُ المَكانُ فَبُولِغَ في إسْنادِ الفِعْلِ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ ما هو مِن صِفاتِ مَكانِهِمْ. (p-٣١٦)و(مِن) قَبْلِكم مُتَعَلِّقٌ بَخَلَوْا لِمُجَرَّدِ البَيانِ وقَصْدِ إظْهارِ المُلابَسَةِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. والمَسُّ حَقِيقَتُهُ: اتِّصالُ الجِسْمِ بِجِسْمٍ آخَرَ وهو مَجازٌ في إصابَةِ الشَّيْءِ وحُلُولِهِ، فَمِنهُ مَسُّ الشَّيْطانِ أيْ حُلُولُ ضُرِّ الجِنَّةِ بِالعَقْلِ، ومَسُّ سَقَرٍ: ما يُصِيبُ مِن نارِها، ومَسَّهُ الفَقْرُ والضُّرُّ: إذا حَلَّ بِهِ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ في إصابَةِ الشَّرِّ قالَ تَعالى ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ﴾ [الزمر: ٨] ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا﴾ [يونس: ١٢] ﴿وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١] ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ [الأعراف: ٧٣] فالمَعْنى هُنا: حَلَّتْ بِهِمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وقَوْلُهُ وزُلْزِلُوا أيْ أُزْعِجُوا أوِ اضْطَرَبُوا، وإنَّما الَّذِي اضْطَرَبَ نِظامُ مَعِيشَتِهِمْ قالَ تَعالى ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١]، والزَّلْزَلَةُ تَحَرُّكُ الجِسْمُ مِن مَكانِهِ بِشِدَّةٍ، ومِنهُ زِلْزالُ الأرْضِ، فَوَزْنُ زُلْزِلَ فُعْفِلَ، والتَّضْعِيفُ فِيهِ دالٌّ عَلى تَكَرُّرٍ كَما قالَ تَعالى ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾ [الشعراء: ٩٤] وقالُوا: لَمْلَمَ بِالمَكانِ إذا نَزَلَ بِهِ نُزُولَ إقامَةٍ. و”حَتّى“ غايَةٌ لِلْمَسِّ والزَّلْزالِ، أيْ بَلَغَ بِهِمُ الأمْرُ إلى غايَةٍ يَقُولُ عِنْدَها الرَّسُولُ والَّذِينَ مَعَهُ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ . ولَمّا كانَتِ الآيَةُ مُخْبِرَةً عَنْ مَسٍّ حَلَّ بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ ومُنْذِرَةً بِحُلُولِ مِثْلِهِ بِالمُخاطَبِينَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، جازَ في فِعْلِ ”يَقُولُ“ أنْ يُعْتَبَرَ قَوْلَ رَسُولِ أُمَّةٍ سابِقَةٍ أيْ زُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ رَسُولُ المُزَلْزَلِينَ فَـ ”ال“ لِلْعَهْدِ، أوْ حَتّى يَقُولَ كُلُّ رَسُولٍ لِأُمَّةٍ سَبَقَتْ، فَتَكُونَ ”ال“ لِلِاسْتِغْراقِ، فَيَكُونَ الفِعْلُ مَحْكِيًّا بِهِ تِلْكَ الحالَةُ العَجِيبَةُ فَيُرْفَعُ بَعْدَ ”حَتّى“؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُرادَ بِهِ الحالُ يَكُونُ مَرْفُوعًا، وبِرَفْعِ الفِعْلِ قَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ، وجازَ فِيهِ أنْ يُعْتَبَرَ قَوْلُ رَسُولِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ فـَ ”ال“ فِيهِ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى: وزُلْزِلُوا مِثْلَهم حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ الفِعْلُ مَنصُوبًا؛ لِأنَّ القَوْلَ لَمّا يَقَعْ وقْتَئِذٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ، فَقِراءَةُ الرَّفْعِ أنْسَبُ بِظاهِرِ السِّياقِ وقِراءَةُ النَّصْبِ أنْسَبُ بِالغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وبِكِلْتا القِراءَتَيْنِ يَحْصُلُ كِلا الغَرَضَيْنِ. ومَتى: اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في اسْتِبْطاءِ زَمانِ النَّصْرِ. وقَوْلُهُ ﴿ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ بِقَرِينَةِ افْتِتاحِهِ بِألا، وهو بِشارَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ بِقُرْبِ النَّصْرِ بَعْدَ أنْ حَصَلَ لَهم مِن قَوارِعِ صَدْرِ الآيَةِ ما مَلَأ القُلُوبَ (p-٣١٧)رُعْبًا، والقَصْدُ مِنهُ إكْرامُ هَذِهِ الأُمَّةِ بِأنَّها لا يَبْلُغُ ما يَمَسُّها مَبْلَغَ ما مَسَّ مَن قَبْلَها. وإكْرامٌ لِلرَّسُولِ ﷺ بِألّا يَحْتاجَ إلى قَوْلِ ما قالَتْهُ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنِ اسْتِبْطاءِ نَصْرِ اللَّهِ بِأنْ يَجِيءَ نَصْرُ اللَّهِ لَهاتِهِ الأُمَّةِ قَبْلَ اسْتِبْطائِهِ، وهَذا يُشِيرُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ.


ركن الترجمة

Do you think you will find your way to Paradise even though you have not known what the others before you have gone through? They had suffered affliction and loss, and were shaken and tossed about so that even the Apostle had to cry out with his followers: "When will the help of God arrive?" Remember, the help of God is ever at hand.

Pensez-vous entrer au Paradis alors que vous n'avez pas encore subi des épreuves semblables à celles que subirent ceux qui vécurent avant vous? Misère et maladie les avaient touchés; et ils furent secoués jusqu'à ce que le Messager, et avec lui, ceux qui avaient cru, se fussent écriés: «Quand viendra le secours d'Allah?» - Quoi! le secours d'Allah est sûrement proche.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :