ركن التفسير
217 - وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أول سراياه وعليها عبد الله بن جحش فقاتلوا المشركين وقتلوا ابن الحضرمي آخر يوم من جمادى الآخرة والتبس عليهم برجب فعيرهم الكفار باستحلاله فنزل: (يسألونك عن الشهر الحرام) المُحرَّم (قتال فيه) بدل اشتمال (قل) لهم (قتال فيه كبير) عظيم وزرا مبتدأ وخبر (وصد) مبتدأ منع للناس (عن سبيل الله) دينه (وكفر به) بالله (و) صد عن (المسجد الحرام) أي مكة (وإخراج أهله منه) وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون وخبر المبتدأ (أكبر) أعظم وزرا (عند الله) من القتال فيه (والفتنة) الشرك منكم (أكبر من القتل) لكم فيه (ولا يزالون) أي الكفار (يقاتلونكم) أيها المؤمنون (حتى) كي (يردوكم عن دينكم) إلى الكفر (إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت) بطلت (أعمالهم) الصالحة (في الدنيا والآخرة) فلا اعتداد بها ولا ثواب عليها والتقيد بالموت عليه يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلا وعليه الشافعي (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبدالله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح فلما ذهب ينطق بكى صبابة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحبسه فبعث عليهم مكانه عبدالله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال "لا تكرهن أحدا على السير معك من أصحابك" فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة لله ولرسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان وبقي بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام فأنزل الله "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير" الآية. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير" الآية. وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبدالله بن جحش الأسدي وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل ابن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبدالله اليربوعي حليف لعمر ابن الخطاب وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن نخلة فلما نزل بطن نخلة فتح الكتاب فإذا فيه "أن سر حتى تنزل بطن نخلة" فقال لأصحابه من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة أضلا راحلة لهما فتخلفا يطلبانها وسار ابن جحش إلى بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان وعثمان بن عبدالله بن المغيرة وانفلت وقتل عمرو قتله واقد بن عبدالله فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين عليه وقالوا إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب فقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى وقتل في أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى وأغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب وأنزل الله يعير أهل مكة "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير" لا يحل وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أكبر من القتل عند الله. وقال العوفي عن ابن عباس "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير" وذلك أن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وردوه عن المسجد في شهر حرام قال ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل فعاب المشركون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القتال في شهر حرام فقال الله "وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله" من القتال فيه وأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب وإن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى وكانت أول رجب ولم يشعروا فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك فقال الله تعالى "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه" إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - والشرك أشد منه وهكذا روى أبو سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس أنها نزلت في سرية عبدالله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه" إلى آخر الآية. وقال عبدالملك بن هشام راوي السيرة عن زياد بن عبدالله البكائي عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني رحمه الله في كتاب السيرة له إنه قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير بيومين ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا وكان أصحاب عبدالله بن جحش من المهاجرين ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ومن حلفائهم عبدالله بن جحش وهو أمير القوم وعكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني كعب عدي بن عامر بن ربيعة حليف لهم من غير ابن وائل وواقد بن عبدالله بن عبد مناف بن عرس بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم ومن بني الحارث بن فهر سهيل ابن بيضاء فلما سار عبدالله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فإذا فيه "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم" فلما نظر عبدالله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له نجران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبدالله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة فمرت به عير لقريش تحمل زيتا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي واسم الحضرمي عبدالله بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبدالله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبدالله المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فلما رأوه آمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكـم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبدالله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبدالله فأعجزهم وأقبل عبدالله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبدالله بن جحش أن عبدالله قال لأصحابه إن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم فعزل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت اليهود تفاءلوا بذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبدالله عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد بن عبدالله وقدت الحرب فجعل الله عليهم ذلك لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم "يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل" أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله "أكبر عند الله" من قتل من قتلتم منهم "والفتنة أكبر من القتل" أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل "ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدة قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبدالله والحكم بن كيسان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا" يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان "فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم" فقدم سعد وعتبة ففداهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان بن عبدالله فلحق بمكة فمات بها كافرا. قاله ابن إسحق.
) يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدونفيه احدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : " يسألونك " تقدم القول فيه . وروى جرير بن عبد الحميد ومحمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ( ما رأيت قوما خيرا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة كلهن في القرآن : يسألونك عن المحيض ، يسألونك عن الشهر الحرام ، يسألونك عن اليتامى ، ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم ) . قال ابن عبد البر : ليس في الحديث من الثلاث عشرة مسألة إلا ثلاث . وروى أبو اليسار عن جندب بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث ، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبعث عبد الله بن جحش ، وكتب له كتابا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال : ولا تكرهن أصحابك على المسير ، فلما بلغ المكان قرأ الكتاب فاسترجع وقال : سمعا وطاعة لله ولرسوله ، قال : فرجع رجلان ومضى بقيتهم ، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب ، فقال المشركون : قتلتم في الشهر الحرام ، فأنزل الله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام الآية . وروي أن سبب نزولها أن رجلين من بني كلاب لقيا عمرو بن أمية الضمري وهو لا يعلم أنهما كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في أول يوم من رجب فقتلهما ، فقالت قريش : قتلهما في الشهر الحرام ، فنزلت الآية . والقول بأن نزولها في قصة عبد الله بن جحش أكثر وأشهر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه مع تسعة رهط ، وقيل ثمانية ، في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ، وقيل في رجب . قال أبو عمر - في كتاب الدرر له - : ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من طلب كرز بن جابر - وتعرف تلك الخرجة ببدر الأولى - أقام بالمدينة بقية جمادى الآخرة ورجب ، وبعث في رجب عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي ومعه ثمانية رجال من المهاجرين ، وهم أبو حذيفة بن عتبة ، وعكاشة بن محصن ، وعتبة بن غزوان ، وسهيل بن بيضاء الفهري ، وسعد بن أبي وقاص ، وعامر بن ربيعة ، وواقد بن عبد الله التميمي ، وخالد بن بكير الليثي . وكتب لعبد الله بن جحش كتابا ، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره أحدا من أصحابه ، وكان أميرهم ، ففعل عبد الله بن جحش ما أمره به ، فلما فتح الكتاب وقرأه وجد فيه : ( إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا ، وتعلم لنا من أخبارهم ) . فلما قرأ الكتاب قال : سمعا وطاعة ، ثم أخبر أصحابه بذلك ، وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، وأنه ناهض لوجهه بمن أطاعه ، وأنه إن لم يطعه أحد مضى وحده ، فمن أحب الشهادة فلينهض ، ومن كره الموت فليرجع . فقالوا : كلنا نرغب فيما ترغب فيه ، وما منا أحد إلا وهو سامع مطيع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونهضوا معه ، فسلك على الحجاز ، وشرد لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان جمل كانا يعتقبانه فتخلفا في طلبه ، ونفذ عبد الله بن جحش مع سائرهم لوجهه حتى نزل بنخلة ، فمرت بهم عير لقريش تحمل زبيبا وتجارة فيها عمرو بن الحضرمي - واسم الحضرمي عبد الله بن عباد من الصدف ، والصدف بطن من حضرموت - وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى بني المغيرة ، فتشاور المسلمون وقالوا : نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام ، فإن نحن قاتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام : وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم ، ثم اتفقوا على لقائهم ، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي فقتله ، وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ، وأفلت نوفل بن عبد الله ، ثم قدموا بالعير والأسيرين ، وقال لهم عبد الله بن جحش : اعزلوا مما غنمنا الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا ، فكان أول خمس في الإسلام ، ثم نزل القرآن : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه فأقر الله ورسوله فعل عبد الله بن جحش ورضيه وسنه للأمة إلى يوم القيامة ، وهي أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول أمير ، وعمرو بن الحضرمي أول قتيل . وأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام ، فسقط في أيدي القوم ، فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه إلى قوله : هم فيها خالدون . وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء في الأسيرين ، فأما عثمان بن عبد الله فمات بمكة كافرا ، وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد ببئر معونة ، ورجع سعد وعتبة إلى المدينة سالمين . وقيل : إن انطلاق سعد بن أبي وقاص وعتبة في طلب بعيرهما كان عن إذن من عبد الله بن جحش ، وإن عمرو بن الحضرمي وأصحابه لما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم ، فقال عبد الله بن جحش : إن القوم قد فزعوا منكم ، فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم ، فإذا رأوه محلوقا أمنوا وقالوا : قوم عمار لا بأس عليكم ، وتشاوروا في قتالهم ، الحديث . وتفاءلت اليهود وقالوا : واقد وقدت الحرب ، وعمرو عمرت الحرب ، والحضرمي حضرت الحرب . وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم ، فقال : لا نفديهما حتى يقدم سعد وعتبة ، وإن لم يقدما قتلناهما بهما ، فلما قدما فاداهما ، فأما الحكم فأسلم وأقام بالمدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا ، وأما عثمان فرجع إلى مكة فمات بها كافرا ، وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله تعالى ، وطلب المشركون جيفته بالثمن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية فهذا سبب نزول قوله تعالى : يسألونك عن الشهر الحرام . وذكر ابن إسحاق أن قتل عمرو بن الحضرمي كان في آخر يوم من رجب ، على ما تقدم . وذكر الطبري عن السدي وغيره أن ذلك كان في آخر يوم من جمادى الآخرة ، والأول أشهر ، على أن ابن عباس قد ورد عنه أن ذلك كان في أول ليلة من رجب ، والمسلمون يظنونها من جمادى . قال ابن عطية : وذكر الصاحب بن عباد في رسالته المعروفة بالأسدية أن عبد الله بن جحش سمي أمير المؤمنين في ذلك الوقت لكونه مؤمرا على جماعة من المؤمنين .الثانية واختلف العلماء في نسخ هذه الآية ، فالجمهور على نسخها ، وأن قتال المشركين في الأشهر الحرم مباح . واختلفوا في ناسخها ، فقال الزهري : نسخها " وقاتلوا المشركين كافة " . وقيل نسخها غزو النبي صلى الله عليه وسلم ثقيفا في الشهر الحرام ، وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام . وقيل : نسخها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة ، وهذا ضعيف ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتل عثمان بمكة وأنهم عازمون على حربه بايع حينئذ المسلمين على دفعهم لا على الابتداء بقتالهم . وذكر البيهقي عن عروة بن الزبير من غير حديث محمد بن إسحاق في أثر قصة الحضرمي : فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية ، قال : فحدثهم الله في كتابه أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان ، وأن الذي يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة والصلاة فيه ، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين ، وفتنتهم إياهم عن الدين ، فبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه ، حتى أنزل الله عز وجل : " براءة من الله ورسوله " . وكان عطاء يقول : الآية محكمة ، ولا يجوز القتال في الأشهر الحرم ، ويحلف على ذلك ؛ لأن الآيات التي وردت بعدها عامة في الأزمنة ، وهذا خاص والعام لا ينسخ الخاص باتفاق . وروى أبو الزبير عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاتل في الشهر الحرام إلا أن يغزى .الثالثة : قوله تعالى : " قتال فيه " " قتال " بدل عند سيبويه بدل اشتمال ؛ لأن السؤال اشتمل على الشهر وعلى القتال ، أي يسألك الكفار تعجبا من هتك حرمة الشهر ، فسؤالهم عن الشهر إنما كان لأجل القتال فيه . قال الزجاج : المعنى يسألونك عن القتال في الشهر الحرام . وقال القتبي : يسألونك عن القتال في الشهر الحرام هل يجوز ؟ فأبدل قتالا من الشهر ، وأنشد سيبويه [ للشاعر عبدة بن الطيب ] :فما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدماوقرأ عكرمة : " يسألونك عن الشهر الحرام قتل فيه قل قتل " بغير ألف فيهما . وقيل : المعنى يسألونك عن الشهر الحرام وعن قتال فيه ، وهكذا قرأ ابن مسعود ، فيكون مخفوضا بعن على التكرير ، قاله الكسائي . وقال الفراء : هو مخفوض على نية عن . وقال أبو عبيدة : هو مخفوض على الجوار . قال النحاس : لا يجوز أن يعرب الشيء على الجوار في كتاب الله ولا في شيء من الكلام ، وإنما الجوار غلط ، وإنما وقع في شيء شاذ ، وهو قولهم : هذا جحر ضب خرب ، والدليل على أنه غلط قول العرب في التثنية : هذان : جحرا ضب خربان ، وإنما هذا بمنزلة الإقواء ، ولا يجوز أن يحمل شيء من كتاب الله على هذا ، ولا يكون إلا بأفصح اللغات وأصحها . قال ابن عطية : وقال أبو عبيدة : هو خفض على الجوار ، وقوله هذا خط . قال النحاس : ولا يجوز إضمار " عن " ، والقول فيه أنه بدل . وقرأ الأعرج : " يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه " بالرفع . قال النحاس : وهو غامض في العربية ، والمعنى فيه يسألونك عن الشهر الحرام أجائز قتال فيه ؟ فقوله : " يسألونك " يدل على الاستفهام ، كما قال امرؤ القيس :أصاح ترى برقا أريك وميضه كلمع اليدين في حبي مكللوالمعنى : أترى برقا ، فحذف ألف الاستفهام ؛ لأن الألف التي في " أصاح " تدل عليها وإن كانت حرف نداء ، كما قال الشاعر :تروح من الحي أم تبتكروالمعنى : أتروح ، فحذف الألف لأن " أم " تدل عليها .الرابعة : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير ابتداء وخبر ، أي مستنكر ؛ لأن تحريم القتال في الشهر الحرام كان ثابتا يومئذ إذ كان الابتداء من المسلمين . والشهر في الآية اسم جنس ، وكانت العرب قد جعل الله لها الشهر الحرام قواما تعتدل عنده ، فكانت لا تسفك دما ، ولا تغير في الأشهر الحرم ، وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ثلاثة سرد وواحد فرد . وسيأتي لهذا مزيد بيان في " المائدة " إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : وصد عن سبيل الله ابتداء " وكفر به " عطف على " صد " " والمسجد الحرام " عطف على " سبيل الله " " وإخراج أهله منه " عطف على " صد " ، وخبر الابتداء " أكبر عند الله " أي أعظم إثما من القتال في الشهر الحرام ، قاله المبرد وغيره . وهو الصحيح ، لطول منع الناس عن الكعبة أن يطاف بها . " وكفر به " أي بالله ، وقيل : " وكفر به " أي بالحج والمسجد الحرام . " وإخراج أهله منه أكبر " أي أعظم عقوبة عند الله من القتال في الشهر الحرام . وقال الفراء : " صد " عطف على " كبير " . " والمسجد " عطف على الهاء في به ، فيكون الكلام نسقا متصلا غير منقطع . قال ابن عطية : وذلك خطأ ؛ لأن المعنى يسوق إلى أن قوله : " وكفر به " أي بالله عطف أيضا على " كبير " ، ويجيء من ذلك أن إخراج أهل المسجد منه أكبر من الكفر عند الله ، وهذا بين فساده . ومعنى الآية على قول الجمهور : إنكم يا كفار قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام ، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ، ومن كفركم بالله وإخراجكم أهل المسجد منه ، كما فعلتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكبر جرما عند الله . وقال عبد الله بن جحش رضي الله عنه :تعدون قتلا في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشدصدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهدوإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجدفإنا وإن غيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسدسقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقددما وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من القد عاندوقال الزهري ومجاهد وغيرهما : قوله تعالى : قل قتال فيه كبير منسوخ بقوله : وقاتلوا المشركين كافة وبقوله : فاقتلوا المشركين . وقال عطاء : لم ينسخ ، ولا ينبغي القتال في الأشهر الحرم ، وقد تقدم .السادسة : قوله تعالى : والفتنة أكبر من القتل قال مجاهد وغيره : الفتنة هنا الكفر ، أي كفركم أكبر من قتلنا أولئك . وقال الجمهور : معنى الفتنة هنا فتنتهم المسلمين عن دينهم حتى يهلكوا ، أي أن ذلك أشد اجتراما من قتلكم في الشهر الحرام .السابعة : قوله تعالى : " ولا يزالون " ابتداء خبر من الله تعالى ، وتحذير منه للمؤمنين من شر الكفرة . قالمجاهد : يعني كفار قريش . " يردوكم " نصب بحتى ؛ لأنها غاية مجردة .الثامنة : قوله تعالى : " ومن يرتدد " أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر . " فأولئك حبطت " أي بطلت وفسدت ، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها ، وربما تموت من ذلك ، فالآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام .التاسعة : واختلف العلماء في المرتد هل يستتاب أم لا ؟ وهل يحبط عمله بنفس الردة أم لا ، إلا على الموافاة على الكفر ؟ وهل يورث أم لا ؟ فهذه ثلاث مسائل :الأولى : قالت طائفة : يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، وقال بعضهم : ساعة واحدة . وقال آخرون : يستتاب شهرا . وقال آخرون : يستتاب ثلاثا ، على ما روي عن عمر وعثمان ، وهو قول مالك رواه عنه ابن القاسم . وقال الحسن : يستتاب مائة مرة ، وقد روي عنه أنه يقتل دون استتابة ، وبه قال الشافعي في أحد قوليه ، وهو أحد قولي طاوس وعبيد بن عمير . وذكر سحنون أن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كان يقول : يقتل المرتد ولا يستتاب ، واحتج بحديث معاذ وأبي موسى ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث أبا موسى إلى اليمن أتبعه معاذ بن جبل فلما قدم عليه قال : انزل ، وألقى إليه وسادة ، وإذا رجل عنده موثق قال : ما هذا ؟ قال : هذا كان يهوديا فأسلم ثم راجع دينه دين السوء فتهود . قال : لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله ، فقال : اجلس . قال : نعم لا أجلس حتى يقتل ، قضاء الله ورسوله - ثلاث مرات - فأمر به فقتل ، خرجه مسلم وغيره . وذكر أبو يوسف عن أبي حنيفة أن المرتد يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل مكانه ، إلا أن يطلب أن يؤجل ، فإن طلب ذلك أجل ثلاثة أيام ، والمشهور عنه وعن أصحابه أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب . والزنديق عندهم والمرتد سواء . وقال مالك : وتقتل الزنادقة ولا يستتابون . وقد مضى هذا أول " البقرة " . واختلفوا فيمن خرج من كفر إلى كفر ، فقال مالك وجمهور الفقهاء : لا يتعرض له ؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه في الابتداء لأقر عليه . وحكى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه يقتل ، لقوله عليه السلام : من بدل دينه فاقتلوه ولم يخص مسلما من كافر . وقال مالك : معنى الحديث من خرج من الإسلام إلى الكفر ، وأما من خرج من كفر إلى كفر فلم يعن بهذا الحديث ، وهو قول جماعة من الفقهاء . والمشهور عن الشافعي ما ذكره المزني والربيع أن المبدل لدينه من أهل الذمة يلحقه الإمام بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار ؛ لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد . واختلفوا في المرتدة ، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : تقتل كما يقتل المرتد سواء ، وحجتهم ظاهر الحديث : من بدل دينه فاقتلوه . و " من " يصلح للذكر والأنثى . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : لا تقتل المرتدة ، وهو قول ابن شبرمة ، وإليه ذهب ابن علية ، وهو قول عطاء والحسن . واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة ، ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله ، وروي عن علي مثله . ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان . واحتج الأولون بقوله عليه السلام : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان . . . فعم كل من كفر بعد إيمانه ، وهو أصح .العاشرة : قال الشافعي : إن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه ، بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله . وقال مالك : تحبط بنفس الردة ، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحج ؛ لأن الأول قد حبط بالردة . وقال الشافعي : لا إعادة عليه ؛ لأن عمله باق . واستظهر علماؤنا بقوله تعالى : لئن أشركت ليحبطن عملك . قالوا : وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ؛ لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا . وقال أصحاب الشافعي : بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ، وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصور إتيانه منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم ؛ ابن العربي . وقال علماؤنا : إنما ذكر الله الموافاة شرطا هاهنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين ، وحكمين متغايرين . وما خوطب به عليه السلام فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه ، وما ورد في أزواجه فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكان : أحدهما لحرمة الدين ، والثاني لحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكل هتك حرمة عقاب ، وينزل ذلك منزلة من عصى في الشهر الحرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام ، يضاعف عليه العذاب بعدد ما هتك من الحرمات . والله أعلم .الحادية عشرة : وهي اختلاف العلماء في ميراث المرتد ، فقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه : ميراث المرتد لورثته من المسلمين . وقال مالك وربيعة وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور : ميراثه في بيت المال . وقال ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد والأوزاعي في إحدى الروايتين : ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين . وقال أبو حنيفة : ما اكتسبه المرتد في حال الردة فهو فيء ، وما كان مكتسبا في حالة الإسلام ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون ، وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد فلا يفصلون بين الأمرين ، ومطلق قوله عليه السلام : لا وراثة بين أهل ملتين يدل على بطلان قولهم . وأجمعوا على أن ورثته من الكفار لا يرثونه ، سوى عمر بن عبد العزيز فإنه قال : يرثونه .
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ مِن أهَمِّ تَفاصِيلِ الأحْوالِ في القِتالِ الَّذِي كُتِبَ عَلى المُسْلِمِينَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، أنْ يَعْلَمُوا ما إذا صادَفَ القِتالُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ الأشْهُرَ الحُرُمَ إذْ كانَ مَحْجَرًا في العَرَبِ مِن عَهْدٍ (p-٣٢٤)قَدِيمٍ، ولَمْ يَذْكُرِ الإسْلامُ إبْطالَ ذَلِكَ الحَجْرِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَصالِحِ قالَ تَعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٩٧] فَكانَ الحالُ يَبْعَثُ عَلى السُّؤالِ عَنِ اسْتِمْرارِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ في نَظَرِ الإسْلامِ. رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُرْسَلًا ومُطَوَّلًا، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في «شَأْنِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أرْسَلَهُ في ثَمانِيَةٍ مِن أصْحابِهِ يَتَلَقّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ بِبَطْنِ نَخْلَةَ في جُمادى الآخِرَةِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنِ الهِجْرَةِ، فَلَقِيَ المُسْلِمُونَ العِيرَ فِيها تِجارَةٌ مَنِ الطّائِفِ وعَلى العِيرِ عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَمْرًا وأسَرَ اثْنَيْنِ مِن أصْحابِهِ وهُما عُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ والحَكَمُ بْنُ كَيْسانَ وفَرَّ مِنهم نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ وغَنِمَ المُسْلِمُونَ غَنِيمَةً، وذَلِكَ أوَّلُ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ وهم يَظُنُّونَهُ مِن جُمادى الآخِرَةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى قُرَيْشٍ وقالُوا: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الحَرامَ وشَنَّعُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. فَقِيلَ: إنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِمُ الغَنِيمَةَ والأسِيرَيْنِ، وقِيلَ: رَدَّ الأسِيرَيْنِ وأخَذَ الغَنِيمَةَ» . فَإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وآيَةِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَتانِ بَعْدَ هَذِهِ، كانَ وضْعُهُما في التِّلاوَةِ قَبْلَها بِتَوْقِيفٍ خاصٍّ لِتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ إكْمالًا لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَتانِ الأُخْرَيانِ، وهَذا لَهُ نَظائِرُ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ بِاعْتِبارِ النُّزُولِ والتِّلاوَةِ. والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها وأنَّها تَكْمِلَةٌ وتَأْكِيدٌ لِآيَةِ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] . والسُّؤالُ المَذْكُورُ هُنا هو سُؤالُ المُشْرِكِينَ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، هَلْ يُقاتَلُ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ هُنا ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: سُؤالُ المُشْرِكِينَ عَنْ قِتالِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ. فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، ورَدَّتْ عَلى سُؤالِ النّاسِ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها عَقِبَ آيَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ظاهِرَةٌ. والتَّعْرِيفُ في الشَّهْرِ الحَرامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ أُحْسِنَ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنهُ في قَوْلِهِ: (p-٣٢٥)﴿قِتالٍ فِيهِ﴾، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ فَيَجُوزُ فِيهِ إبْدالُ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ، بِخِلافِ بَدَلِ البَعْضِ عَلى أنَّ وصْفَ النَّكِرَةِ هُنا بِقَوْلِهِ فِيهِ يَجْعَلُها في قُوَّةِ المَعْرِفَةِ. فالمُرادُ بَيانُ حُكْمِ أيِّ شَهْرٍ كانَ مِنَ الأشْهُرِ الحُرُمِ وأيِّ قِتالٍ، فَإنْ كانَ السُّؤالُ إنْكارِيًّا مِنَ المُشْرِكِينَ فَكَوْنُ المُرادِ جِنْسَ هَذِهِ الأشْهُرِ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ اسْتِفْسارًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ، ومُجَرَّدُ كَوْنِ الواقِعَةِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَلَيْها السُّؤالُ وقَعَتْ في شَهْرٍ مُعَيَّنٍ لا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ السُّؤالِ بِذَلِكَ الشَّهْرِ، إذْ لا يَخْطُرُ بِبالِ السّائِلِ بَلِ المَقْصُودُ السُّؤالُ عَنْ دَوامِ هَذا الحُكْمِ المُتَقَرِّرِ عِنْدَهم قَبْلَ الإسْلامِ وهو لا يَخْتَصُّ بِشَهْرٍ دُونَ شَهْرٍ. وإنَّما اخْتِيرَ طَرِيقُ الإبْدالِ هُنا وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: يَسْألُونَكَ عَنِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِأجَلِ، الِاهْتِمامِ بِالشَّهْرِ الحَرامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السُّؤالَ لِأجْلِ الشَّهْرِ أيَقَعُ فِيهِ قِتالٌ ؟ لا لِأجْلِ القِتالِ هَلْ يَقَعُ في الشَّهْرِ وهُما مُتَآيِلانِ، لَكِنَّ التَّقْدِيمَ لِقَضاءِ حَقِّ الِاهْتِمامِ، وهَذِهِ نُكْتَةٌ لِإبْدالِ عَطْفِ البَيانِ تَنْفَعُ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ، عَلى أنَّ في طَرِيقِ بَدَلِ الِاشْتِمالِ تَشْوِيقًا بِارْتِكابِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ، وتَنْكِيرُ ”قِتالٍ“ مُرادٌ بِهِ العُمُومُ، إذْ لَيْسَ المَسْئُولُ عَنْهُ قِتالًا مُعَيَّنًا ولا في شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ المُرادُ هَذا الجِنْسُ في هَذا الجِنْسِ. وفِيهِ ظَرْفُ صِفَةٍ لِقِتالٍ مُخَصَّصَةٍ لَهُ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إظْهارُ لَفْظِ القِتالِ في مَقامِ الإضْمارِ لِيَكُونَ الجَوابُ صَرِيحًا حَتّى لا يُتَوَهَّمَ أنَّ الشَّهْرَ الحَرامَ هو الكَبِيرُ، ولِيَكُونَ الجَوابُ عَلى طَبَقِ السُّؤالِ في اللَّفْظِ، وإنَّما لَمْ يُعَرِّفْ لَفْظَ القِتالِ ثانِيًا بِاللّامِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في السُّؤالِ، لِأنَّهُ قَدِ اسْتَغْنى عَنْ تَعْرِيفِهِ بِاتِّحادِ الوَصْفَيْنِ في لَفْظِ السُّؤالِ ولَفْظِ الجَوابِ وهو ظَرْفُ (فِيهِ)، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن تَعْرِيفِ النَّكِرَةِ بِاللّامِ إذا أُعِيدَ ذِكْرُها إلّا التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ المُرادَ بِها تِلْكَ الأُولى لا غَيْرُها، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالوَصْفِ المُتَّحِدِ، قالَ التَّفْتازانِيُّ: فالمَسْئُولُ عَنْهُ هو المُجابُ عَنْهُ ولَيْسَ غَيْرُهُ كَما تُوُهِّمَ بِناءً عَلى أنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى، لِأنَّ هَذا لَيْسَ بِضَرْبَةِ لازِمٍ يُرِيدُ أنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُ القَرائِنَ. والجَوابُ تَشْرِيعٌ إنْ كانَ السُّؤالُ مِنَ المُسْلِمِينَ، واعْتِرافٌ وإبْكاتٌ إنْ كانَ السُّؤالُ إنْكارًا مِنَ المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم تَوَقَّعُوا أنْ يُجِيبَهم بِإباحَةِ القِتالِ فَيُثَوِّرُوا بِذَلِكَ العَرَبَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ. (p-٣٢٦)والكَبِيرُ في الأصْلِ هو عَظِيمُ الجُثَّةِ مِن نَوْعِهِ، وهو مَجازٌ في القَوِيِّ والكَثِيرِ والمُسِنِّ والفاحِشِ، وهو اسْتِعارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، شَبَّهَ القَوِيَّ في نَوْعِهِ بِعَظِيمِ الجُثَّةِ في الأفْرادِ، لِأنَّهُ مَأْلُوفٌ في أنَّهُ قَوِيٌّ، وهو هُنا بِمَعْنى العَظِيمِ في المَآثِمِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، مِثْلَ تَسْمِيَةِ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وما يُعَذَّبانِ في كَبِيرٍ وإنَّهُ لَكَبِيرٌ» الحَدِيثَ. والمَعْنى أنَّ القِتالَ في الأشْهُرِ الحُرُمِ إثْمٌ كَبِيرٌ، فالنَّكِرَةُ هُنا لِلْعُمُومِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، إذْ لا خُصُوصِيَّةَ لِقِتالِ قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ، ولا لِقَتْلٍ في شَهْرٍ دُونَ غَيْرِهِ، لا سِيَّما ومُطابَقَةُ الجَوابِ لِلسُّؤالِ قَدْ أكَّدَتِ العُمُومَ، لِأنَّ المَسْئُولَ عَنْهُ حُكْمُ هَذا الجِنْسِ وهو القِتالُ في هَذا الجِنْسِ وهو الشَّهْرُ الحَرامُ مِن غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَإنَّ أجْدَرَ أفْرادِ القِتالِ بِأنْ يَكُونَ مُباحًا هو قِتالُنا المُشْرِكِينَ ومَعَ ذَلِكَ فَهو المَسْئُولُ عَنْهُ وهو الَّذِي وقَعَ التَّحَرُّجُ مِنهُ، أمّا تَقاتُلُ المُسْلِمِينَ فَلا يَخْتَصُّ إثْمُهُ بِوُقُوعِهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وأمّا قِتالُ الأُمَمِ الآخَرِينَ فَلا يَخْطُرُ بِالبالِ حِينَئِذٍ. والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وتَقْرِيرٌ لِما لِتِلْكَ الأشْهَرِ مِنَ الحُرْمَةِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَها مُنْذُ زَمَنٍ قَدِيمٍ، لَعَلَّهُ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّ حُرْمَةَ الزَّمانِ تَقْتَضِي تَرْكَ الإثْمِ في مُدَّتِهِ. وهَذِهِ الأشْهُرُ هي زَمَنٌ لِلْحَجِّ ومُقَدِّماتِهِ وخَواتِمِهِ ولِلْعُمْرَةِ كَذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَحْرُمِ القِتالُ في خِلالِها لِتَعَطَّلَ الحَجُّ والعُمْرَةُ، ولِذَلِكَ أقَرَّها الإسْلامُ أيّامَ كانَ في بِلادِ العَرَبِ مُشْرِكُونَ لِفائِدَةِ المُسْلِمِينَ وفائِدَةِ الحَجِّ، قالَ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٩٧] الآيَةَ. وتَحْرِيمُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ قَدْ خُصِّصَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ، فَأمّا تَخْصِيصُهُ فَبِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] إلى قَوْلِهِ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وأمّا نَسْخُهُ فَبِقَوْلِهِ تَعالى ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَإنَّها صَرَّحَتْ بِإبْطالِ العَهْدِ الَّذِي عاهَدَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ عَلى الهُدْنَةِ، وهو العَهْدُ الواقِعُ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا مُؤَقَّتًا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ ولا بِالأبَدِ، ولِأنَّ المُشْرِكِينَ نَكَثُوا أيْمانَهم (p-٣٢٧)كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أيْمانَهم وهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣] . ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أجَّلَهم أجَلًا وهو انْقِضاءُ الأشْهُرِ الحُرُمِ مِن ذَلِكَ العامِ وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنِ الهِجْرَةِ في حَجَّةِأبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَهْرِ شَوّالٍ وقَدْ خَرَجَ المُشْرِكُونَ فَقالَ لَهم ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] فَأخَّرَها آخِرَ المُحَرَّمِ مِن عامِ عَشَرَةٍ مِنِ الهِجْرَةِ، ثُمَّ قالَ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] أيْ تِلْكَ الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَنَسَخَ تَحْرِيمَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِلامِ الجِنْسِ وهو مِن صِيَغِ العُمُومِ وعُمُومُ الأشْخاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ عَلى التَّحْقِيقِ، ولِذَلِكَ قاتَلَ النَّبِيءُ ﷺ ثَقِيفًا في شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ كَما في كُتُبِ الصَّحِيحِ. وأغْزى أبا عامِرٍ إلى أوْطاسَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الغَزْوِ في جَمِيعِ أشْهُرِ السَّنَةِ يَغْزُونَ أهْلَ الكِتابِ وهم أوْلى بِالحُرْمَةِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ مِنَ المُشْرِكِينَ. فَإنْ قُلْتَ: إذا نُسِخَ تَحْرِيمُ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ فَما مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأعْراضَكم عَلَيْكم حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكم هَذا في شَهْرِكم هَذا في بَلَدِكم هَذا» فَإنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ حُرْمَةِ الأشْهُرِ. قُلْتُ: إنْ تَحْرِيمَ القِتالِ فِيها تَبَعٌ لِتَعْظِيمِها وحُرْمَتِها وتَنْزِيهِها عَنْ وُقُوعِ الجَرائِمِ والمَظالِمِ فِيها فالجَرِيمَةُ فِيها تُعَدُّ أعْظَمَ مِنها لَوْ كانَتْ في غَيْرِها. والقِتالُ الظُّلْمُ مُحَرَّمٌ في كُلِّ وقْتٍ، والقِتالُ لِأجْلِ الحَقِّ عِبادَةٌ فَنُسِخَ تَحْرِيمُ القِتالِ فِيها لِذَلِكَ وبَقِيَتْ حُرْمَةُ الأشْهُرِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الجَرائِمِ. وأحْسَنُ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ قَرَّرَتْ حُرْمَةَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ لِحِكْمَةِ تَأْمِينِ سُبُلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، إذِ العُمْرَةُ أكْثَرُها في رَجَبٍ ولِذَلِكَ قالَ ﴿قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ إلى أنْ أبْطَلَ النَّبِيءُ ﷺ الحَجَّ عَلى المُشْرِكِينَ في عامِ حَجَّةِ أبِي بَكْرٍ بِالنّاسِ؛ إذْ قَدْ صارَتْ مَكَّةُ بِيَدِ المُسْلِمِينَ ودَخَلَ في الإسْلامِ قُرَيْشٌ ومُعْظَمُ قَبائِلِ العَرَبِ والبَقِيَّةُ مُنِعُوا مِن زِيارَةِ مَكَّةَ، وأنَّ ذَلِكَ كانَ يَقْتَضِي إبْطالَ تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَهُ فِيها لِأجْلِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ. وقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ ولَمْ يَبْقَ الحَجُّ إلّا لِلْمُسْلِمِينَ وهم لا قِتالَ بَيْنَهم، إذْ قِتالُ الظُّلْمِ مُحَرَّمٌ في كُلِّ زَمانٍ وقِتالُ الحَقِّ يَقَعُ في كُلِّ وقْتٍ ما لَمْ يَشْغَلْ عَنْهُ شاغِلٌ مِثْلُ الحَجِّ، فَتَسْمِيَتُهُ (p-٣٢٨)نَسْخًا تَسامُحٌ، وإنَّما هو انْتِهاءُ مَوْرِدِ الحُكْمِ، ومِثْلُ هَذا التَّسامُحِ في الأسْماءِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ أسْلَمَ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ قَبْلَ حَجَّةِ الوَداعِ وذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ حُرْمَةَ الأشْهُرِ الحُرُمِ في خُطْبَتِهِ، وقَدْ تَعَطَّلَ حِينَئِذٍ العَمَلُ بِحُرْمَةِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، إذْ لَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ يَقْصِدُ الحَجَّ. فَمَعْنى نَسْخِ تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ أنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ قَدِ انْقَضَتْ كَما انْتَهى مَصْرِفُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم مِن مَصارِفِ الزَّكاةِ بِالإجْماعِ لِانْقِراضِهِمْ. * * * ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ إنْحاءٌ عَلى المُشْرِكِينَ وإظْهارٌ لِظُلْمِهِمْ بَعْدَ أنْ بَكَّتَهم بِتَقْرِيرِ حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ الدّالِّ عَلى أنَّ ما وقَعَ مِن أهْلِ السَّرِيَّةِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ فِيهِ كانَ عَنْ خَطَأٍ في الشَّهْرِ أوْ ظَنِّ سُقُوطِ الحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ لِقِتالِ العَدُوِّ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ اسْتَعْظَمُوا فِعْلًا واسْتَنْكَرُوهُ وهم يَأْتُونَ ما هو أفْظَعُ مِنهُ، ذَلِكَ أنَّ تَحْرِيمَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَيْسَ لِذاتِ الأشْهُرِ، لِأنَّ الزَّمانَ لا حُرْمَةَ لَهُ في ذاتِهِ وإنَّما حُرْمَتُهُ تَحْصُلُ بِجَعْلِ اللَّهِ إيّاهُ ذا حُرْمَةٍ، فَحُرْمَتُهُ تَبَعٌ لِحَوادِثَ تَحْصُلُ فِيهِ، وحُرْمَةُ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِمُراعاةِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ومُقَدِّماتِهِما ولَواحِقِهِما فِيها، فَلا جَرَمَ أنَّ الَّذِينَ اسْتَعْظَمُوا حُصُولَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ واسْتَباحُوا حُرُماتٍ ذاتِيَّةً بِصَدِّ المُسْلِمِينَ، وكَفَرُوا بِاللَّهِ الَّذِي جَعَلَ الكَعْبَةَ حَرامًا وحَرَّمَ لِأجْلِ حَجِّها الأشْهُرَ الحُرُمَ، وأخْرَجُوا أهْلَ الحَرَمِ مِنهُ، وآذَوْهم، لَأحْرِياءُ بِالتَّحْمِيقِ والمَذَمَّةِ، لِأنَّ هاتِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ كُلُّها مُحَرَّمَةٌ لِذاتِها لا تَبَعًا لِغَيْرِها. وقَدْ قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ العِراقِ جاءَ يَسْألُهُ عَنْ دَمِ البَعُوضِ إذا أصابَ الثَّوْبَ هَلْ يُنَجِّسُهُ، وكانَ ذَلِكَ عَقِبَ مَقْتَلِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَجَبًا لَكم يا أهْلَ العِراقِ تَسْتَحِلُّونَ دَمَ الحُسَيْنِ وتَسْألُونَ عَنْ دَمِ البَعُوضِ. ويَحِقُّ التَّمَثُّلُ هُنا بِقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎أتَغْضَبُ إنْ أُذُنا قُتَيْبَةَ حُزَّتا جَهارًا ولَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ خازِمِ (p-٣٢٩)والمَعْنى أنَّ الصَّدَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن أفْعالِ المُشْرِكِينَ أكْبَرُ إثْمًا عِنْدَ اللَّهِ مِن إثْمِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. والعِنْدِيَّةُ في قَوْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ وهي عِنْدِيَّةُ العِلْمِ والحُكْمِ. والتَّفْضِيلُ في قَوْلِهِ أكْبَرُ تَفْضِيلُ الإثْمِ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ المَذْكُوراتِ أعْظَمُ إثْمًا. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: مَنعُ مَن يُرِيدُ الإسْلامَ مِنهُ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٨٦] . والكُفْرُ بِاللَّهِ: الإشْراكُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ وهم أكْثَرُ العَرَبِ، وكَذَلِكَ إنْكارُ وجُودِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّهْرِيِّينَ مِنهم، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَنِ الكُفْرِ وضابِطِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] إلَخْ. وقَوْلُهُ بِهِ الباءُ فِيهِ لِتَعْدِيَةِ ”كُفْرٌ“ ولَيْسَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ. وكُفْرٌ مَعْطُوفٌ عَلى صَدٍّ أيْ: صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِاللَّهِ أكْبَرُ مِن قِتالِ الشَّهْرِ الحَرامِ وإنْ كانَ القِتالُ كَبِيرًا. والمَسْجِدِ الحَرامِ مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِ صَدَّ تَبَعًا لِتَعَلُّقِ مَتْبُوعِهِ بِهِ. واعْلَمْ أنَّ مُقْتَضى ظاهِرِ تَرْتِيبِ نَظْمِ الكَلامِ أنْ يُقالَ: وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ وصَدٌّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، فَخُولِفَ مُقْتَضى هَذا النَّظْمِ إلى الصُّورَةِ الَّتِي جاءَتِ الآيَةُ عَلَيْها، بِأنْ قُدِّمَ قَوْلُهُ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى صَدٍّ قَبْلَ أنْ يَسْتَوْفِيَ ”صَدٌّ“ ما تَعَلَّقَ بِهِ وهو والمَسْجِدِ الحَرامِ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ المُتَعَلِّقِ بِ ”صَدٌّ“ إذِ المَعْطُوفُ عَلى المُتَعَلِّقِ مُتَعَلِّقٌ فَهو أوْلى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ المَعْطُوفِ عَلى الِاسْمِ المُتَعَلِّقِ بِهِ، لِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى المُتَعَلِّقِ بِهِ أجْنَبِيٌّ عَنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وأمّا المَعْطُوفُ عَلى المُتَعَلِّقِ فَهو مِن صِلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، والدّاعِي إلى هَذا التَّرْتِيبِ هو أنْ يَكُونَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى أُسْلُوبٍ أدَقَّ مِن مُقْتَضى الظّاهِرِ وهو الِاهْتِمامُ بِتَقْدِيمِ ما هو أفْظَعُ مِن جَرائِمِهِمْ، فَإنَّ الكُفْرَ بِاللَّهِ أفْظَعُ مِنَ الصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، فَكانَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ عَلى تَقْدِيمِ الأهَمِّ فالأهَمِّ، فَإنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ الإسْلامِ يَجْمَعُ مَظالِمَ كَثِيرَةً، لِأنَّهُ اعْتِداءٌ عَلى النّاسِ في ما يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ، وجَحْدٌ لِرِسالَةِ رَسُولِ اللَّهِ، والباعِثُ عَلَيْهِ انْتِصارُهم لِأصْنامِهِمْ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا (p-٣٣٠)إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥] فَلَيْسَ الكُفْرُ بِاللَّهِ إلّا رُكْنًا مِن أرْكانِ الصَّدِّ عَنِ الإسْلامِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ثَنّى بِالكُفْرِ بِاللَّهِ لِيُفادَ بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ بَعْدَ أنْ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ، ثُمَّ عَدَّ عَلَيْهِمُ الصَّدَّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ثُمَّ إخْراجَ أهْلِهِ مِنهُ. ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ والمَسْجِدِ الحَرامِ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ بِهِ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ فَإنَّ الكُفْرَ يَتَعَدّى إلى ما يُعْبَدُ وما هو دِينٌ وما يَتَضَمَّنُ دِينًا، عَلى أنَّهم يُعَظِّمُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ ولا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ ما يُسَوِّغُ أنْ يُتَكَلَّفَ بِإطْلاقِ لَفْظِ الكُفْرِ عَلَيْهِ عَلى وجْهِ المَجازِ. وقَوْلُهُ ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ أيْ إخْراجُ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ فَإنَّهم كانُوا حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّ في إخْراجِهِمْ مَظالِمَ كَثِيرَةً فَقَدْ مَرِضَ المُهاجِرُونَ في خُرُوجِهِمْ إلى المَدِينَةِ ومِنهم كَثِيرٌ مَن أصابَتْهُ الحُمّى حَتّى رُفِعَتْ مِنَ المَدِينَةِ بِبَرَكَةِ دُعاءِ الرَّسُولِ ﷺ، عَلى أنَّ التَّفْضِيلَ إنَّما تَعَلَّقَ بِوُقُوعِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ لا بِنَفْسِ القَتْلِ فَإنَّ لَهُ حُكْمًا يَخُصُّهُ. والأهْلُ: الفَرِيقُ الَّذِينَ لَهم مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِما يُضافُ إلَيْهِ اللَّفْظُ، فَمِنهُ أهْلُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ، وأهْلُ البَلَدِ المُسْتَوْطِنُونَ بِهِ، وأهْلُ الكَرَمِ المُتَّصِفُونَ بِهِ، وأرادَ بِهِ هُنا المُسْتَوْطِنِينَ بِمَكَّةَ وهُمُ المُسْلِمُونَ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهم أحَقُّ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِلَّةَ مَن بَنى المَسْجِدَ الحَرامَ قالَ تَعالى ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] . وقَوْلُهُ ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ، لِقَوْلِهِ ﴿وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾؛ وإذْ قَدْ كانَ إخْراجُ أهْلِ الحَرَمِ مِنهُ أكْبَرَ مِنَ القَتْلِ؛ كانَ ما ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الصَّدِّ عَنِ الدِّينِ والكُفْرِ بِاللَّهِ والصَّدِّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أكْبَرَ بِدَلالَةِ الفَحْوى، لِأنَّ تِلْكَ أعْظَمُ جُرْمًا مِن جَرِيمَةِ إخْراجِ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ. والفِتْنَةُ: التَّشْغِيبُ والإيقاعُ في الحِيرَةِ واضْطِرابُ العَيْشِ فَهي اسْمٌ شامِلٌ لِما يُعَظِّمُ مِنَ الأذى الدّاخِلِ عَلى أحَدٍ أوْ جَماعَةٍ مِن غَيْرِهِمْ، وأُرِيدَ بِها هُنا ما لَقِيَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ المَصائِبِ في الدِّينِ بِالتَّعَرُّضِ لَهم بِالأذى بِالقَوْلِ والفِعْلِ، ومَنعِهِمْ مِن إظْهارِ عِبادَتِهِمْ، وقَطِيعَتِهِمْ في المُعامَلَةِ، والسُّخْرِيَةِ بِهِمْ والضَّرْبِ المُدْمِي والتَّمالُؤِ عَلى قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ والإخْراجِ مِن مَكَّةَ ومَنعٍ مِن أمْوالِهِمْ ونِسائِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنِ البَيْتِ، ولا يَخْفى أنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ أكْبَرُ مِن قَتْلِ المُسْلِمِينَ واحِدًا مِن رِجالِ المُشْرِكِينَ وهو عَمْرٌو الحَضْرَمِيُّ وأسْرِهِمْ رَجُلَيْنِ مِنهم. (p-٣٣١)وأكْبَرُ أيْ أشَدُّ كِبَرًا أيْ قُوَّةً في المَحارِمِ، أيْ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو في الشَّهْرِ الحَرامِ كَبِيرٌ. * * * ﴿ولا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكم حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم إنِ اسْتَطاعُوا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعا إلى الِاعْتِراضِ بِها مُناسَبَةُ قَوْلِهِ ﴿والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ لِما تَضَمَّنَتْهُ مِن صُدُورِ الفِتْنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ وما تَتَضَمَّنُهُ الفِتْنَةُ مِنَ المُقاتَلَةِ الَّتِي تَداوَلَها المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ. إذِ القِتالُ يَشْتَمِلُ عَلى أنْواعِ الأذى ولَيْسَ القَتْلُ إلّا بَعْضَ أحْوالِ القِتالِ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] فَسَمّى فِعْلَ الكُفّارِ مَعَ المُسْلِمِينَ مُقاتَلَةً وسَمّى المُسْلِمِينَ مُقاتَلِينَ بِفَتْحِ التّاءِ، وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ المُشْرِكِينَ مُضْمِرُونَ غَزْوَ المُسْلِمِينَ ومُسْتَعِدُّونَ لَهُ وإنَّما تَأخَّرُوا عَنْهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُقاسُونَ آثارَ سِنِي جَدْبٍ فَقَوْلُهُ لا يَزالُونَ وإنْ أشْعَرَ أنَّ قِتالَهم مَوْجُودٌ فالمُرادُ بِهِ أسْبابُ القِتالِ، وهو الأذى وإضْمارُ القِتالِ كَذَلِكَ، وأنَّهم إنْ شَرَعُوا فِيهِ لا يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ، عَلى أنَّ صَرِيحَ ”لا يَزالُ“ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَذا يَدُومُ في المُسْتَقْبَلِ، و”حَتّى“ لِلْغايَةِ وهي هُنا غايَةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ. والمَعْنى: أنَّ فِتْنَتَهم وقِتالَهم يَدُومُ إلى أنْ يَحْصُلَ غَرَضُهم وهو أنْ يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكم. وقَوْلُهُ ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، فَمَوْقِعُ هَذا الشَّرْطِ مَوْقِعُ الِاحْتِراسِ مِمّا قَدْ تُوهِمُهُ الغايَةُ في قَوْلِهِ ﴿حَتّى يَرُدُّوكم عَنْ دِينِكُمْ﴾ ولِهَذا جاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ ”إنْ“ المُشْعِرِ بِأنَّ شَرْطَهُ مَرْجُوٌّ عَدَمُ وُقُوعِهِ. والرَّدُّ: الصَّرْفُ عَنْ شَيْءٍ والإرْجاعُ إلى ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهو يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وإلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِإلى وعَنْ، وقَدْ حُذِفَ هُنا أحَدُ المُتَعَلِّقَيْنِ وهو المُتَعَلِّقُ بِواسِطَةِ ”إلى“ لِظُهُورِ أنَّهم يُقاتِلُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ إلى الشِّرْكِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، لِأنَّ أهْلَ كُلِّ دِينٍ إذا اعْتَقَدُوا صِحَّةَ دِينِهِمْ حَرَصُوا عَلى إدْخالِ النّاسِ فِيهِ قالَ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقالَ ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٩] . وتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِإنَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اسْتِطاعَتَهم ذَلِكَ ولَوْ في آحادِ المُسْلِمِينَ أمْرٌ مُسْتَبْعَدُ الحُصُولِ لِقُوَّةِ إيمانِ المُسْلِمِينَ فَتَكُونُ مُحاوَلَةُ المُشْرِكِينَ رَدَّ واحِدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَناءً باطِلًا. * * * (p-٣٣٢)﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وهْوَ كافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ اعْتِراضٌ ثانٍ، أوْ عَطْفٌ عَلى الِاعْتِراضِ الَّذِي قَبْلَهُ، والمَقْصِدُ مِنهُ التَّحْذِيرُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ حِرْصَ المُشْرِكِينَ عَلى رَدِّ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ وعَقَّبَهُ بِاسْتِبْعادِ أنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أعْقَبَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِنهُ، وجِيءَ بِصِيغَةِ يَرْتَدِدْ وهي صِيغَةُ مُطاوَعَةٍ إشارَةً إلى أنَّ رُجُوعَهم عَنِ الإسْلامِ إنْ قُدِّرَ حُصُولُهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ مُحاوَلَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ فَإنَّ مَن ذاقَ حَلاوَةَ الإيمانِ لا يَسْهُلُ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ عَنْهُ ومَن عَرَفَ الحَقَّ لا يَرْجِعُ عَنْهُ إلّا بِعَناءٍ، ولَمْ يُلاحَظِ المَفْعُولُ الثّانِي هُنا؛ إذْ لا اعْتِبارَ بِالدِّينِ المَرْجُوعِ إلَيْهِ وإنَّما نِيطَ الحُكْمُ بِالِارْتِدادِ عَنِ الإسْلامِ إلى أيِّ دِينٍ ومِن يَوْمِئِذٍ صارَ اسْمُ الرِّدَّةِ لَقَبًا شَرْعِيًّا عَلى الخُرُوجِ مِن دِينِ الإسْلامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في هَذا الخُرُوجِ رُجُوعٌ إلى دِينٍ كانَ عَلَيْهِ هَذا الخارِجُ. وقَوْلُهُ فَيَمُتْ مَعْطُوفٌ عَلى الشَّرْطِ فَهو كَشَرْطٍ ثانٍ. وفِعْلُ ”حَبِطَ“ مِن بابِ سَمِعَ ويَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ، قالَ اللُّغَوِيُّونَ: أصْلُهُ مِنَ الحَبَطِ بِفَتْحِ الباءِ وهو انْتِفاخٌ في بُطُونِ الإبِلِ مِن كَثْرَةِ الأكْلِ فَتَمُوتُ مِن ذَلِكَ، فَإطْلاقُهُ عَلى إبْطالِ الأعْمالِ تَمْثِيلٌ؛ لِأنَّ الإبِلَ تَأْكُلُ الخَضِرَ شَهْوَةً لِلشِّبَعِ فَيَئُولُ عَلَيْها بِالمَوْتِ، فَشَبَّهَ حالَ مَن عَمِلَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ لِنَفْعِها في الآخِرَةِ فَلَمْ يَجِدْ لَها أثَرًا بِالماشِيَةِ الَّتِي أكَلَتْ حَتّى أصابَها الحَبَطُ، ولِذَلِكَ لَمْ تُقَيَّدِ الأعْمالُ بِالصّالِحاتِ لِظُهُورِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ. وحَبَطُ الأعْمالِ: زَوالِ آثارِها المَجْعُولَةِ مُرَتَّبَةً عَلَيْها شَرْعًا، فَيَشْمَلُ آثارَها في الدُّنْيا والثَّوابَ في الآخِرَةِ وهو سِرُّ قَوْلِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ . فالآثارُ الَّتِي في الدُّنْيا هي ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإسْلامِ مِن خَصائِصِ المُسْلِمِينَ وأوَّلُها آثارُ كَلِمَةِ الشَّهادَةِ مِن حُرْمَةِ الأنْفُسِ والأمْوالِ والأعْراضِ والصَّلاةِ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ والدَّفْنِ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ. وآثارُ العِباداتِ وفَضائِلُ المُسْلِمِينَ بِالهِجْرَةِ والأُخُوَّةِ الَّتِي بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ووَلاءُ الإسْلامِ وآثارُ الحُقُوقِ مِثْلَ حَقِّ المُسْلِمِ في بَيْتِ المالِ والعَطاءِ وحُقُوقِ التَّوارُثِ والتَّزْوِيجِ فالوِلاياتِ والعَدالَةِ وما ضَمِنَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] . (p-٣٣٣)وأمّا الآثارُ في الآخِرَةِ فَهي النَّجاةُ مِنَ النّارِ بِسَبَبِ الإسْلامِ وما يَتَرَتَّبُ عَلى الأعْمالِ الصّالِحاتِ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. والمُرادُ بِالأعْمالِ: الأعْمالُ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللَّهِ تَعالى ويَرْجُونَ ثَوابَها بِقَرِينَةِ أصْلِ المادَّةِ ومَقامِ التَّحْذِيرِ؛ لِأنَّهُ لَوْ بَطَلَتِ الأعْمالُ المَذْمُومَةُ لَصارَ الكَلامُ تَحْرِيضًا، وما ذُكِرَتِ الأعْمالُ في القُرْآنِ مَعَ حَبِطَتْ إلّا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالصّالِحاتِ اكْتِفاءً بِالقَرِينَةِ. وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ عَلى الكُفْرِ، إذِ الأُمُورُ بِخَواتِمِها، فَقَدَ تَرَتَّبَ عَلى الكُفْرِ أمْرانِ: بُطْلانُ فَضْلِ الأعْمالِ السّالِفَةِ، والعُقُوبَةُ بِالخُلُودِ في النّارِ، ولِكَوْنِ الخُلُودِ عُقُوبَةً أُخْرى أُعِيدَ اسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ . وفِي الإتْيانِ بِاسْمِ الإشارَةِ في المَوْضِعَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما ذُكِرَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. هَذا وقَدْ رَتَّبَ حَبَطَ الأعْمالِ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ الِارْتِدادِ والمَوْتِ عَلى الكُفْرِ، ولَمْ يُقَيِّدِ الِارْتِدادَ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرْتَدِّ عَنِ الإسْلامِ إذا تابَ مِن رِدَّتِهِ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ، فَعِنْدَ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ أنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ ثُمَّ عادَ إلى الإسْلامِ وتابَ لَمْ تَرْجِعْ إلَيْهِ أعْمالُهُ الَّتِي عَمِلَها قَبْلَ الِارْتِدادِ فَإنْ كانَ عَلَيْهِ نُذُورٌ أوْ أيْمانٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها بَعْدَ عَوْدَتِهِ إلى الإسْلامِ، وإنْ كانَ حَجَّ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ ثُمَّ عادَ إلى الإسْلامِ اسْتَأْنَفَ الحَجَّ ولا يُؤْخَذُ بِما كانَ عَلَيْهِ زَمَنَ الِارْتِدادِ إلّا ما فَعَلَهُ في الكُفْرِ أُخِذَ بِهِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا عادَ المُرْتَدُّ إلى الإسْلامِ عادَتْ إلَيْهِ أعْمالُهُ كُلُّها ما لَهُ وما عَلَيْهِ. فَأمّا حُجَّةُ مالِكٍ فَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: قالَ عُلَماؤُنا: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ المُوافاةَ شَرْطًا هَهُنا، لِأنَّهُ عَلَّقَ الخُلُودَ في النّارِ عَلَيْها فَمَن أوْفى عَلى الكُفْرِ خَلَّدَهُ اللَّهُ في النّارِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ومَن أشْرَكَ (p-٣٣٤)حَبِطَ عَمَلُهُ بِالآيَةِ الأُخْرى فَهُما آيَتانِ مُفِيدَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ وحُكْمَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ اهـ. يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ والجَوابَيْنِ هُنا تَوْزِيعًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَمُتْ وهو كافِرٌ﴾، ولَعَلَّ في إعادَةِ (وأُولَئِكَ) إيذانًا بِأنَّهُ جَوابٌ ثانٍ، وفي إطْلاقِ الآيِ الأُخْرى عَنِ التَّقْيِيدِ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ قَرِينَةٌ عَلى قَصْدِ هَذا المَعْنى مِن هَذا القَيْدِ في هَذِهِ الآيَةِ. وفِي هَذا الِاسْتِدْلالِ إلْغاءٌ لِقاعِدَةِ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، ولَعَلَّ نَظَرَ مالِكٍ في إلْغاءِ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ أحْكامٌ تَرْجِعُ إلى أُصُولِ الدِّينِ ولا يُكْتَفى فِيها بِالأدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فَإذا كانَ الدَّلِيلُ المُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلى المُقَيَّدِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَلِأنَّهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، وغالِبُ أدِلَّةِ الفُرُوعِ ظَنِّيَّةٌ، فَأمّا في أُصُولِ الِاعْتِقادِ فَأُخِذَ مِن كُلِّ آيَةٍ صَرِيحُ حُكْمِها، ولِلنَّظَرِ في هَذا مَجالٌ، لِأنَّ بَعْضَ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ راجِعٌ إلى شَرائِعِ الإسْلامِ وفُرُوعِهِ كالحَجِّ. والحُجَّةُ لِلشّافِعِيِّ إعْمالُ حَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ كَما ذَكَرَهُ الفَخْرُ وصَوَّبَهُ ابْنُ الفَرَسِ مِنَ المالِكِيَّةِ. فَإنْ قُلْتَ: فالعَمَلُ الصّالِحُ في الجاهِلِيَّةِ يُقَرِّرُهُ الإسْلامُ فَقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزامٍ «أسَلَمْتَ عَلى ما أسْلَمْتَ عَلَيْهِ مَن خَيْرٍ»، فَهَلْ يَكُونُ المُرْتَدُّ عَنِ الإسْلامِ أقَلَّ حالًا مَن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. فالجَوابُ أنَّ حالَةَ الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ حالَةُ خُلُوٍّ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَكانَ مِن فَضائِلِ الإسْلامِ تَقْرِيرُها. وقَدْ بُنِيَ عَلى هَذا خِلافٌ في بَقاءِ حُكْمِ الصُّحْبَةِ لِلَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ رَجَعُوا إلى الإسْلامِ مِثْلَ قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ العامِرِيِّ، وعَلْقَمَةَ بْنِ عُلاثَةَ، والأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وفي شَرْحِ القاضِي زَكَرِيّا عَلى ألْفِيَّةِ العِراقِيِّ: وفي دُخُولِ مَن لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ في الصَّحابَةِ نَظَرٌ كَبِيرٌ اهـ. قالَ حُلولو في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: ولَوِ ارْتَدَّ الصَّحابِيُّ في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ ورَجَعَ إلى الإيمانِ بَعْدَ وفاتِهِ جَرى ذَلِكَ عَلى الخِلافِ في الرِّدَّةِ، هَلْ تُحْبِطُ العَمَلَ بِنَفْسِ وُقُوعِها أوْ إنَّما تُحْبِطُهُ بِشَرْطِ الوَفاةِ عَلَيْها، لِأنَّ صُحْبَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، أمّا قَبُولُ رِوايَتِهِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ إلى الإسْلامِ فَفِيها نَظَرٌ، (p-٣٣٥)أمّا مَنِ ارْتَدَّ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ ورَجَعَ إلى الإسْلامِ في حَياتِهِ وصَحِبَهُ فَفَضْلُ الصُّحْبَةِ حاصِلٌ لَهُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ. فَإنْ قُلْتَ: ما السِّرُّ في اقْتِرانِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ خُلُوِّ بَقِيَّةِ نَظائِرِها عَنْ ثانِي الشَّرْطَيْنِ، قُلْتُ: تِلْكَ الآيُ الأُخَرُ جاءَتْ لِتَهْوِيلِ أمْرِ الشِّرْكِ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ مِن غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَما في آيَةِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ [المائدة: ٥] أوْ وُقُوعِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنهُ كَما في آيَةِ ﴿ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ) وآيَةِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فاقْتَصَرَ فِيها عَلى ما يَنْشَأُ عَنِ الشِّرْكِ بَعْدَ الإيمانِ مِن حَبَطِ الأعْمالِ، ومِنَ الخَسارَةِ بِإجْمالٍ، أمّا هَذِهِ الآيَةُ فَقَدْ ورَدَتْ عَقِبَ ذِكْرِ مُحاوَلَةِ المُشْرِكِينَ ومُعالَجَتِهِمُ ارْتِدادَ المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِالآيَةِ، فَكانَ فَرْضُ وُقُوعِ الشِّرْكِ والِارْتِدادِ مِنهم أقْرَبَ، لِمُحاوَلَةِ المُشْرِكِينَ ذَلِكَ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ، فَذُكِرَ فِيها زِيادَةَ تَهْوِيلٍ وهو الخُلُودُ في النّارِ. وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، إذْ وقَعَ في عامِ الرِّدَّةِ، أنَّ مَن بَقِيَ في قَلْبِهِمْ أثَرُ الشِّرْكِ حاوَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ الِارْتِدادَ وقاتَلُوهم عَلى ذَلِكَ فارْتَدَّ فَرِيقٌ عَظِيمٌ وقامَ لَها الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِعَزْمِهِ ويَقِينِهِ فَقاتَلَهم فَرَجَعَ مِنهم مَن بَقِيَ حَيًّا، فَلَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَأيِسُوا مِن فائِدَةِ الرُّجُوعِ إلى الإسْلامِ وهي فائِدَةُ عَدَمِ الخُلُودِ في النّارِ. وقَدْ أشارَ العَطْفُ في قَوْلِهِ فَيَمُتْ بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ إلى أنَّ المَوْتَ يَعْقُبُ الِارْتِدادَ وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ مُعْظَمَ المُرْتَدِّينَ لا تَحْضُرُ آجالُهم عَقِبَ الِارْتِدادِ فَيَعْلَمُ السّامِعُ حِينَئِذٍ أنَّ المُرْتَدَّ يُعاقَبُ بِالمَوْتِ عُقُوبَةً شَرْعِيَّةً، فَتَكُونُ الآيَةُ بِها دَلِيلًا عَلى وُجُوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّ، وقَدِ اخْتَلَفَ في ذَلِكَ عُلَماءُ الأُمَّةِ فَقالَ الجُمْهُورُ: يُسْتَتابُ المُرْتَدُّ ثَلاثَةَ أيّامٍ ويُسْجَنُ لِذَلِكَ فَإنْ تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وإنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كافِرًا، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وبِهِ قالَ مالِكٌ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ سَواءٌ كانَ رَجُلًا أوِ امْرَأةً، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ في الرَّجُلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، ولَمْ يَرَ قَتْلَ المُرْتَدَّةِ بَلْ قالَ تُسْتَرَقُّ، وقالَ أصْحابُهُ تُحْبَسُ حَتّى تُسْلِمَ، وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وطاوُسٌ وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ الماجِشُونِ والشّافِعِيُّ بِقَتْلِ المُرْتَدِّ ولا يُسْتَتابُ، وقِيلَ يُسْتَتابُ شَهْرًا وحُجَّةُ الجَمِيعِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ» وفِعْلُ الصَّحابَةِ فَقَدْ قاتَلَ أبُو بَكْرٍ المُرْتَدِّينَ، وأحْرَقَ عَلِيٌّ السَّبائِيَّةَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أُلُوهِيَّةَ عَلِيٍّ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَدِيثِ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ» الَّذِي هو الإسْلامُ، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ ”مَن“ (p-٣٣٦)شامِلَةٌ لِلذَّكَرِ والأُنْثى إلّا مَن شَذَّ مِنهم وهو أبُو حَنِيفَةَ وابْنُ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِيُّ وعَطاءٌ والحَسَنُ القائِلُونَ: لا تُقْتَلُ المَرْأةُ المُرْتَدَّةُ واحْتَجُّوا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ فَخَصُّوا بِهِ عُمُومَ ”«مَن بَدَّلَ دِينَهُ» “، وهو احْتِجاجٌ عَجِيبٌ، لِأنَّ هَذا النَّهْيَ وارِدٌ في أحْكامِ الجِهادِ، والمَرْأةُ مِن شَأْنِها ألّا تُقاتِلَ، فَإنَّهُ نَهى أيْضًا عَنْ قَتْلِ الرُّهْبانِ والأحْبارِ أفَيَقُولُ هَؤُلاءِ: إنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرُّهْبانِ والأحْبارِ بَعْدَ إسْلامِهِ لا يُقْتَلُ. وقَدْ شَدَّدَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ في المُرْتَدِّ بِالزَّنْدَقَةِ أيْ إظْهارِ الإسْلامِ وإبْطانِ الكُفْرِ فَقالا: يُقْتَلُ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إذا أُخِذَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ تائِبًا. ومَن سَبَّ النَّبِيءَ ﷺ قُتِلَ ولا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. هَذا، واعْلَمْ أنَّ الرِّدَّةَ في الأصْلِ هي الخُرُوجُ مِن عَقِيدَةِ الإسْلامِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُسْلِمِينَ؛ والخُرُوجُ مِنَ العَقِيدَةِ وتَرْكُ أعْمالِ الإسْلامِ عِنْدَ الخَوارِجِ وبَعْضِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِكُفْرِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ، ويَدُلُّ عَلى خُرُوجِ المُسْلِمِ مِنِ الإسْلامِ تَصْرِيحُهُ بِهِ بِإقْرارِهِ نَصًّا أوْ ضِمْنًا فالنَّصُّ ظاهِرٌ، والضِّمْنُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِلَفْظٍ أوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ نَصَّ اللَّهُ ورَسُولُهُ أوْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ كافِرٍ مِثْلَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، والتَّرَدُّدِ إلى الكَنائِسِ بِحالَةِ أصْحابِ دِينِها. وألْحَقُوا بِذَلِكَ إنْكارَ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ، أيْ ما كانَ العِلْمُ بِهِ ضَرُورِيًّا قالَ ابْنُ راشِدٍ في الفائِقِ: في التَّكْفِيرِ بِإنْكارِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً خِلافٌ. وفي ضَبْطِ حَقِيقَتِهِ أنْظارٌ لِلْفُقَهاءِ مَحَلُّها كُتُبُ الفِقْهِ والخِلافِ. وحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ المُرْتَدِّ مَعَ أنَّ الكافِرَ بِالأصالَةِ لا يُقْتَلُ أنَّ الِارْتِدادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أوْ جَماعَةٍ مِنَ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَهو بِخُرُوجِهِ مِنِ الإسْلامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُنادِي عَلى أنَّهُ لَمّا خالَطَ هَذا الدِّينَ وجَدَهُ غَيْرَ صالِحٍ ووَجَدَ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أصْلَحَ فَهَذا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ واسْتِخْفافٌ بِهِ، وفِيهِ أيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَن يُرِيدُ أنْ يَنْسَلَّ مِن هَذا الدِّينِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى انْحِلالِ الجامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زاجِرٌ ما انْزَجَرَ النّاسُ ولا نَجِدُ شَيْئًا زاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ المَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَوْتُ هو العُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتّى لا يَدْخُلَ أحَدٌ في الدِّينِ إلّا عَلى بَصِيرَةٍ، وحَتّى لا يَخْرُجَ مِنهُ أحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنِ الإكْراهِ في الدِّينِ المَنفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (p-٣٣٧)﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] عَلى القَوْلِ بِأنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، لِأنَّ الإكْراهَ في الدِّينِ هو إكْراهُ النّاسِ عَلى الخُرُوجِ مِن أدْيانِهِمْ والدُّخُولِ في الإسْلامِ وأمّا هَذا فَهو مِنِ الإكْراهِ عَلى البَقاءِ في الإسْلامِ.