موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الاثنين 21 شعبان 1447 هجرية الموافق ل09 فبراير 2026


الآية [243] من سورة  

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُوا۟ ثُمَّ أَحْيَٰهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ


ركن التفسير

243 - (ألم تر) استفهام تعجب وتشويق إلى استماع ما بعده أي ينته علمك (إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف) أربعة أوثمانية أو عشرة أو ثلاثون أو أربعون أو سبعون ألفا (حذر الموت) مفعول له وهم قوم من بني إسرائيل وقع الطاعون ببلادهم ففروا (فقال لهم الله موتوا) فماتوا (ثم أحياهم) بعد ثمانية أيام أو أكثر بدعاء نبيهم حِزْقيل بكسر المهملة والقاف وسكون الزاي [وهو نبي الله ذي الكفل] فعاشوا دهرا عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوبا إلا عاد كالكفن واستمرت في أسباطهم (إن الله لذو فضل على الناس) ومنه إحياء هؤلاء (ولكن أكثر الناس) وهم الكفار (لا يشكرون) والقصد من ذكر خبر هؤلاء تشجيع المؤمنين على القتال ولذا عطف عليه

وروي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه كانوا ثمانية آلاف وقال أبو صالح: تسعة آلاف وعن ابن عباس أربعون ألفا وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفا. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا أهل قرية يقال لها ذاوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد من قبل واسط وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مثل وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل ذاوردان قرية على فرسخ من قبل واسط وقال وكيع بن الجراح في تفسيره. حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو الأسدي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت" قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا: نأتي أرضا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم "موتوا" فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم فذلك قوله عز وجل "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت" الآية وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد فخرجوا فرارا من الموت هاربين إلى البرية فنزلوا واديا أفيح فملاءوا ما بين عدوتيه فأرسل الله إليهم ملكين أحدهما من أسفل الوادي والآخر من أعلاه فصاحا بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد فحيزوا إلى حظائر وبنى عليهم جدران وفنوا وتمزقوا وتفرقوا فلما كان بعد دهر مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل فسأل الله أن يحييهم على يديه فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض ثم أمره فنادى أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحما وعصبا وجلدا فكان ذلك وهو يشاهده ثم أمره فنادى أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ولهذا قال "إن الله لذو فضل على الناس" أي فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" أي لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه فإن هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعا في آن واحد ومن هذا القبيل الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى أخبرنا مالك وعبدالرزاق أخبرنا معمر كلاهما عن الزهري عن عبد الحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام فذكر الحديث فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" فحمد الله عمر ثم انصرف وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به بطريق أخرى لبعضه قال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمي قالا أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن عبدالله بن عامر بن ربيعة أن عبدالرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا" قال فرجع عمر من الشام وأخرجه في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري بنحوه.

) قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون فيه ست مسائل : الأولى : قوله تعالى : ( ألم تر ) هذه رؤية القلب بمعنى ألم تعلم . والمعنى عند سيبويه تنبه إلى أمر الذين . ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين . وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " ألم تر " بجزم الراء ، وحذفت الهمزة حذفا من غير إلقاء حركة لأن الأصل ألم ترء .وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء ، وكانوا بقرية يقال لها ( داوردان ) فخرجوا منها هاربين فنزلوا واديا فأماتهم الله تعالى . قال ابن عباس : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون وقالوا : نأتي أرضا ليس بها موت ، فأماتهم الله تعالى ، فمر بهم نبي فدعا الله تعالى فأحياهم . وقيل : إنهم ماتوا ثمانية أيام . وقيل : سبعة ، والله أعلم . قال الحسن : أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم . وقيل : إنما فعل ذلك بهم معجزة لنبي من أنبيائهم ، قيل : كان اسمه شمعون . وحكى النقاش أنهم فروا من الحمى . وقيل : إنهم فروا من الجهاد ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام ، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد فخرجوا من ديارهم فرارا من ذلك ، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء ، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد بقوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله ، قاله الضحاك . قال ابن عطية : وهذا القصص كله لين الأسانيد ، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم إخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ، ليروا هم وكل من خلف من بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره ، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر . وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد ، هذا قول الطبري وهو ظاهر وصف الآية .قوله تعالى : وهم ألوف قال الجمهور : هي جمع ألف . قال بعضهم : كانوا ستمائة ألف . وقيل : كانوا ثمانين ألفا . ابن عباس : أربعين ألفا . أبو مالك : ثلاثين ألفا . السدي : سبعة وثلاثين ألفا . وقيل : سبعين ألفا ، قاله عطاء بن أبي رباح . وعن ابن عباس أيضا أربعين ألفا ، وثمانية آلاف ، رواه عنه ابن جريج . وعنه أيضا ثمانية آلاف ، وعنه أيضا أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف . والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى : ( وهم ألوف ) وهو جمع الكثرة ، ولا يقال في عشرة فما دونها ألوف . وقال ابن زيد في لفظة ألوف : إنما معناها وهم مؤتلفون ، أي لم تخرجهم فرقة قومهم ولا فتنة بينهم إنما كانوا مؤتلفين ، فخالفت هذه الفرقة فخرجت فرارا من الموت وابتغاء الحياة بزعمهم ، فأماتهم الله في منجاهم بزعمهم . فألوف على هذا جمع آلف ، مثل جالس وجلوس . قال ابن العربي : أماتهم الله تعالى مدة عقوبة لهم ثم أحياهم ، وميتة العقوبة بعدها حياة ، وميتة الأجل لا حياة بعدها . قال مجاهد : إنهم لما أحيوا رجعوا إلى قومهم يعرفون أنهم كانوا موتى ولكن سحنة الموت على وجوههم ، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم . ابن جريج عن ابن عباس : وبقيت الرائحة على ذلك السبط من بني إسرائيل إلى اليوم . وروي أنهم كانوا بواسط العراق . ويقال : إنهم أحيوا بعد أن أنتنوا ، فتلك الرائحة موجودة في نسلهم إلى اليوم .الثانية : حذر الموت أي لحذر الموت ، فهو نصب لأنه مفعول له . و ( موتوا ) أمر تكوين ، ولا يبعد أن يقال : نودوا وقيل لهم : موتوا . وقد حكي أن ملكين صاحا بهم : موتوا فماتوا ، فالمعنى قال لهم الله بواسطة الملكين " موتوا " ، والله أعلم .الثالثة : أصح هذه الأقوال وأبينها وأشهرها أنهم خرجوا فرارا من الوباء ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرجوا فرارا من الطاعون فماتوا ، فدعا الله نبي من الأنبياء أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم الله . وقال عمرو بن دينار في هذه الآية : وقع الطاعون في قريتهم فخرج أناس وبقي أناس ، ومن خرج أكثر ممن بقي ، قال : فنجا الذين خرجوا ومات الذين أقاموا ، فلما كانت الثانية خرجوا بأجمعهم إلا قليلا فأماتهم الله ودوابهم ، ثم أحياهم فرجعوا إلى بلادهم وقد توالدت ذريتهم . وقال الحسن : خرجوا حذارا من الطاعون فأماتهم الله ودوابهم في ساعة واحدة ، وهم أربعون ألفا .قلت : وعلى هذا تترتب الأحكام في هذه الآية . فروى الأئمة واللفظ للبخاري من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال رجز أو عذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدمن عليه ومن كان بأرض وقع بها فلا يخرج فرارا منه وأخرجه أبو عيسى الترمذي فقال : حدثنا قتيبة أنبأنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الطاعون فقال : بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها قال : حديث حسن صحيح . وبمقتضى هذه الأحاديث عمل عمر والصحابة رضوان الله عليهم لما رجعوا من سرغ حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف بالحديث ، على ما هو مشهور في الموطأ وغيره . وقد كره قوم الفرار من الوباء والأرض السقيمة ، روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : الفرار من الوباء كالفرار من الزحف . وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة ، وفيها : أنه رجع . وقال الطبري : في حديث سعد دلالة على أن على المرء توقي المكاره قبل نزولها ، وتجنب الأشياء المخوفة قبل هجومها ، وأن عليه الصبر وترك الجزع بعد نزولها ، وذلك أنه عليه السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه ، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون . وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا .قلت : وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام رضي الله عنهم ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله! فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة ! نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله . المعنى : أي لا محيص للإنسان عما قدره الله له وعليه ، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف والمهلكات ، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات . ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله عز وجل . فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة . قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص . وقد قيل : إنما نهي عن الفرار منه لأن الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه ، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر ، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ، ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم ، حكاه ابن المدائني . ويكفي في ذلك موعظة قوله تعالى : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده . وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها ، ولا يتأتى لهم ذلك ، ويتأذون بخلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين . وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الإنسان ، وفي الدخول عليه الهلاك ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة ، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه . فهذه فائدة النهي عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ، والله أعلم . وقد قال ابن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار ، فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض ، فهل يكره الخروج منها ؟ فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام .الرابعة : في قوله عليه السلام : إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه . دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه ، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له ، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه ، والله أعلم .الخامسة : في فضل الصبر على الطاعون وبيانه . الطاعون وزنه فاعول من الطعن ، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء ، قاله الجوهري . ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فناء أمتي بالطعن والطاعون - قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : غدة كغدة البعير تخرج في المراق والآباط . قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء من العصاة من عبيده وكفرتهم ، وقد يرسله شهادة ورحمة للصالحين ، كما قال معاذ في طاعون عمواس : إنه شهادة ورحمة لكم ودعوة نبيكم ، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك . فطعن في كفه رضي الله عنه . قال أبو قلابة : قد عرفت الشهادة والرحمة ولم أعرف ما دعوة نبيكم ؟ فسألت عنها فقيل : دعا عليه السلام أن يجعل فناء أمته بالطعن والطاعون حين دعا ألا يجعل بأس أمته بينهم فمنعها فدعا بهذا . ويروى من حديث جابر وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف . وفي البخاري عن يحيى بن يعمر عن عائشة أنها أخبرته أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم : أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد . وهذا تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام : ( الطاعون شهادة والمطعون شهيد ) . أي الصابر عليه المحتسب أجره على الله العالم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه ، ولذلك تمنى معاذ أن يموت فيه لعلمه أن من مات فهو شهيد . وأما من جزع من الطاعون وكرهه وفر منه فليس بداخل في معنى الحديث ، والله أعلم .السادسة : قال أبو عمر : لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فر من الطاعون إلا ما ذكره ابن المدائني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السيالة فكان يجمع كل جمعة ويرجع ، فكان إذا جمع صاحوا به : فر من الطاعون! فمات بالسيالة . قال : وهرب عمرو بن عبيد ورباط بن محمد إلى الرباطية فقال إبراهيم بن علي الفقيمي في ذلك :ولما استفز الموت كل مكذب صبرت ولم يصبر رباط ولا عمرووذكر أبو حاتم عن الأصمعي قال : هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارا له ومضى بأهله نحو سفوان ، فسمع حاديا يحدو خلفه :لن يسبق الله على حمار ولا على ذي منعة طيارأو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساريوذكر المدائني قال : وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربا منه فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها ( سكر ) . فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك بن مروان . فقال له عبد العزيز : ما اسمك ؟ فقال له : طالب بن مدرك . فقال : أوه ما أراني راجعا إلى الفسطاط ! فمات في تلك القرية .

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، والتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَذَرَ لا يُؤَخِّرُ الأجَلَ، وأنَّ الجَبانَ قَدْ يَلْقى حَتْفَهُ في مَظِنَّةِ النَّجاةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في مُدَّةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّها تَمْهِيدٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فالقِتالُ مِن أهَمِّ أغْراضِها، والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. فالكَلامُ رُجُوعٌ إلى قَوْلِهِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وفَصَلَتْ بَيْنَ الكَلامَيْنِ الآياتُ النّازِلَةُ خِلالَهُما المُفْتَتَحَةُ بِـ (يَسْألُونَكَ) . ومَوْقِعُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مَوْقِعُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ قَبْلَ المَقْصُودِ، وهَذا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الخَطابَةِ أنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ قَبْلَ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ لِمَقاصِدَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، في بَعْضِ خُطَبِهِ لَمّا بَلَغَهُ اسْتِيلاءُ جُنْدِ الشّامِ عَلى أكْثَرِ البِلادِ، إذا افْتَتَحَ الخُطْبَةَ فَقالَ: ما هي إلّا الكُوفَةُ أقْبِضُها وأبْسُطُها أُنْبِئْتُ بُسْرًا هو ابْنُ أبِي أرْطاةَ مِن قادَةِ جُنُودِ الشّامِ قَدِ اطَّلَعَ اليَمَنَ، وإنِّي واللَّهِ لَأظُنُّ أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ سُيَدالُونَ مِنكم (p-٤٧٦)بِاجْتِماعِهِمْ عَلى باطِلِهِمْ، وتَفَرُّقِكم عَنْ حَقِّكم فَقَوْلُهُ ”ما هي إلّا الكُوفَةُ“ مُوقَعَةٌ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ ”لَأظُنُّ هَؤُلاءِ القَوْمَ“ إلَخْ وقالَ عِيسى بْنُ طَلْحَةَ لَمّا دَخَلَ عَلى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، حِينَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أبْقى لَنا أكْثَرَكَ: أبْقى لَنا سَمْعَكَ، وبَصَرَكَ، ولِسانَكَ، وعَقْلَكَ، وإحْدى رِجْلَيْكَ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ما كُنّا نَعُدُّكَ لِلصِّراعِ، والمَقْصُودُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الِاهْتِمامُ والعِنايَةُ بِالحُجَّةِ، قَبْلَ ذِكْرِ الدَّعْوى، أوْ حَمْلًا عَلى التَّعْجِيلِ بِالِامْتِثالِ. واعْلَمْ أنَّ تَرْكِيبَ (ألَمْ تَرَ إلى كَذا) إذا جاءَ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ فِيهِ مُتَعَدِّيًا إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِ السّامِعِ أنْ يَكُونَ رَآهُ، كانَ كَلامًا مَقْصُودًا مِنهُ التَّحْرِيضُ عَلى عِلْمِ ما عُدِّيَ إلَيْهِ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ، وهَذا مِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ ولِذَلِكَ تَكُونُ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ مُسْتَعْمَلَةً في غَيْرِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ بَلْ في مَعْنًى مَجازِيٍّ أوْ كِنائِيٍّ، مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ غَيْرِ الحَقِيقِيِّ، وكانَ الخِطابُ بِهِ غالِبًا مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، ورُبَّما كانَ المُخاطَبُ مَفْرُوضًا مُتَخَيَّلًا. ولَنا في بَيانِ وجْهِ إفادَةِ هَذا التَّحْرِيضِ مِن ذَلِكَ التَّرْكِيبِ وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعَجُّبِ، أوِ التَّعْجِيبِ، مِن عَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ، ويَكُونُ فِعْلُ الرُّؤْيَةِ عِلْمِيًّا مِن أخَواتِ ظَنَّ، عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ وهو صَوابٌ؛ لِأنَّ ”إلى“ ولامَ الجَرِّ يَتَعاقَبانِ في الكَلامِ كَثِيرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿والأمْرُ إلَيْكِ﴾ [النمل: ٣٣] أيْ لَكِ وقالُوا ”أحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ“ كَما يُقالُ ”أحْمَدُ لَكَ اللَّهَ“ والمَجْرُورُ بِإلى في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ الزّائِدَ لا يَطْلُبُ مُتَعَلِّقًا، وجُمْلَةُ ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، سادَّةً مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي: لِأنَّ أصْلَ المَفْعُولِ الثّانِي لِأفْعالِ القُلُوبِ أنَّهُ حالٌ، عَلى تَقْدِيرِ: ما كانَ مِن حَقِّهِمُ الخُرُوجُ، وتَفَرَّعَ عَلى قَوْلِهِ وهم أُلُوفٌ قَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ فَهو مِن تَمامِ مَعْنى المَفْعُولِ الثّانِي أوْ تُجْعَلُ إلى تَجْرِيدًا لِاسْتِعارَةِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ لِمَعْنى العِلْمِ، أوْ قَرِينَةٍ عَلَيْها، أوْ لِتَضْمِينِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ مَعْنى النَّظَرِ، لِيَحْصُلَ الِادِّعاءُ أنَّ هَذا الأمْرَ المُدْرَكَ بِالعَقْلِ كَأنَّهُ مُدْرَكٌ بِالنَّظَرِ، لِكَوْنِهِ بَيِّنَ (p-٤٧٧)الصِّدْقِ لِمَن عَلِمَهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهم ”ألَمْ تَرَ إلى كَذا“ في قَوْلِهِ: جُمْلَتَيْنِ: ألَمْ تَعْلَمْ كَذا وتَنْظُرْ إلَيْهِ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا فَإنَّهُ كَثُرَ مَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في الأفْعالِ المَنفِيَّةِ، مِثْلَ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] . والقَوْلُ في فِعْلِ الرُّؤْيَةِ وفي تَعْدِيَةِ حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ في الوَجْهِ الأوَّلِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ تَجْعَلَ الِاسْتِفْهامَ إنْكارِيًّا، إنْكارًا لِعَدَمِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِمَفْعُولِ فِعْلِ الرُّؤْيَةِ والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والقَوْلُ في حَرْفِ ”إلى“ نَظِيرُ القَوْلِ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، أوْ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى تَنْظُرُ عَلى أنَّ أصْلَهُ أنْ يُخاطَبَ بِهِ مَن غَفَلَ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مُبْصَرٍ ويَكُونُ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا: حَقِيقَةً أوْ تَنْزِيلًا، ثُمَّ نُقِلَ المُرَكَّبُ إلى اسْتِعْمالِهِ في غَيْرِ الأُمُورِ المُبْصَرَةِ فَصارَ كالمَثَلِ، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَرى الجُودَ يَجْرِي ظاهِرًا فَوْقَ وجْهِهِ واسْتِفادَةُ التَّحْرِيضِ، عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الكِنايَةِ بِلازِمِ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ شَأْنَ الأمْرِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، أوِ المُقَرَّرِ بِهِ، أوِ المُنْكَوَرِ عِلْمُهُ، أنْ يَكُونَ شَأْنَهُ أنْ تَتَوافَرَ الدَّواعِي عَلى عِلْمِهِ، وذَلِكَ مِمّا يُحَرِّضُ عَلى عِلْمِهِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ جَرى مَجْرى المَثَلِ، في مُلازَمَتِهِ لِهَذا الأُسْلُوبِ، سِوى أنَّهم غَيَّرُوهُ بِاخْتِلافِ أدَواتِ الخِطابِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْها: مِن تَذْكِيرٍ وضِدِّهِ، وإفْرادٍ وضِدِّهِ، نَحْوَ ”ألَمْ تَرَيْ“ في خِطابِ المَرْأةِ و”ألَمْ تَرَيا“ و”ألَمْ تَرَوْا“ و ”ألَمْ تَرَيْنَ“، في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ هَذا إذا خُوطِبَ بِهَذا المُرَكَّبِ في أمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ مُبْصَرًا لِلْمُخاطَبِ أوْ مُطْلَقًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ خَرَجُوا خائِفِينَ مِن أعْدائِهِمْ فَتَرَكُوا دِيارَهم جُبْنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ فَإنَّهُ جُمْلَةُ حالٍ وهي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ، وإنَّما تَكُونُ كَثْرَةُ العَدَدِ مَحَلًّا لِلتَّعْجِيبِ إذا كانَ المَقْصُودُ الخَوْفَ مِنَ العَدْوِ، فَإنَّ شَأْنَ القَوْمِ الكَثِيرِينَ ألّا يَتْرُكُوا دِيارَهم خَوْفًا وهَلَعًا (p-٤٧٨)والعَرَبُ تَقُولُ لِلْجَيْشِ إذا بَلَغَ الأُلُوفَ لا يُغْلَبُ مِن قِلَّةٍ. فَقِيلَ هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ خالَفُوا عَلى نَبِيءٍ لَهم في دَعْوَتِهِ إيّاهم لِلْجِهادِ، فَفارَقُوا وطَنهمْ فِرارًا مِنِ الجِهادِ، وهَذا الأظْهَر، فَتَكُونُ القِصَّةُ تَمْثِيلًا لِحالِ أهْلِ الجُبْنِ في القِتالِ، بِحالِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ، بِجامِعِ الجُبْنِ وكانَتِ الحالَةُ المُشَبَّهُ بِها أظْهَرَ في صِفَةِ الجُبْنِ وأفْظَعَ، مِثْلَ تَمْثِيلِ حالِ المُتَرَدِّدِ في شَيْءٍ بِحالِ مَن يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ أُخْرى، فَلا يُقالُ إنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ. وهَذا أرْجَحُ الوُجُوهِ لِأنَّ أكْثَرَ أمْثالِ القُرْآنِ أنْ تَكُونَ بِأحْوالِ الأُمَمِ الشَّهِيرَةِ وبِخاصَّةٍ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ هم مِن قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ قُرْبَ واسِطَ وقَعَ طاعُونٌ بِبَلَدِهِمْ فَخَرَجُوا إلى وادٍ أفْيَحَ فَرَماهُمُ اللَّهُ بِداءِ مَوْتٍ ثَمانِيَةَ أيّامٍ، حَتّى انْتفَخُوا ونَتَنَتْ أجْسامُهم ثُمَّ أحْياها. وقِيلَ هم مِن أهْلِ أذْرُعاتٍ، بِجِهاتِ الشّامِ. واتَّفَقَتِ الرِّواياتُ كُلُّها عَلى أنَّ اللَّهَ أحْياهم بِدَعْوَةِ النَّبِيءِ حِزْقِيالِ بْن بُوزِي فَتَكُونُ القِصَّةُ اسْتِعارَةً: شَبَّهَ الَّذِينَ يَجْبُنُونَ عَنِ القِتالِ بِالَّذِينَ يَجْبُنُونَ مِنَ الطّاعُونِ، بِجامِعِ خَوْفِ المَوْتِ، والمُشَبَّهُونَ يُحْتَمَلُ أنَّهم قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ خامَرَهُمُ الجُبْنُ لَمّا دُعُوا إلى الجِهادِ في بَعْضِ الغَزَواتِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم فَرِيقٌ مَفْرُوضٌ وُقُوعُهُ قَبْل أنْ يَقَعَ، لِقَطْعِ الخَواطِرِ الَّتِي قَدْ تَخْطُرُ في قُلُوبِهِمْ. وفِي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّ هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، وهَذا بَعِيدٌ يُبْعِدُهُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ، وقَوْلُهُ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ . وانْتَصَبَ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وعامِلُهُ ﴿خَرَجُوا﴾ . والأظْهَرُ أنَّهم قَوْمٌ فَرُّوا مِن عَدِّوِهِمْ، مَعَ كَثْرَتِهِمْ، وأخْلَوْا لَهُ الدِّيارَ، فَوَقَعَتْ لَهم في طَرِيقِهِمْ مَصائِبُ أشْرَفُوا بِها عَلى الهَلاكِ، ثُمَّ نَجَوْا، أوْ أوْبِئَةٌ وأمْراضٌ، كانَتْ أعْراضُها تُشْبِهُ أعْراضَ المَوْتِ، مِثْلَ داءِ السَّكْتِ ثُمَّ بَرِئُوا مِنها: فَهم في حالِهِمْ تِلْكَ مِثْلُ قَوْلِ الرّاجِزِ:(p-٤٧٩) ؎وخارِجٌ أخْرَجَهُ حُبُّ الطـَّمَـعِ ∗∗∗ فَرَّ مِنَ المَوْتِ وفي المَوْتِ وقَعَ ويُؤَيِّدُ أنَّها إشارَةٌ إلى حادِثَةٍ ولَيْسَتْ مَثَلًا قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ الآيَةَ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُتَحَدِّثَ عَنْهم لَيْسُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُ تَعالى، بَعْدَ هَذِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَأِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٦] والآيَةُ تُشِيرُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] وقَوْلُهُ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . فَأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّهم قَوْمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أحْياهُمُ اللَّهُ بِدَعْوَةِ حِزْقِيالَ، والَّذِينَ قالُوا إنَّما هَذا مَثَلٌ لا قِصَّةٌ واقِعَةٌ، فالظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا الرُّؤْيا الَّتِي ذُكِرَتْ في كِتابِ حِزْقِيالَ في الإصْحاحِ ٣٧ مِنهُ إذْ قالَ: أخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ وأنْزَلَنِي في وسَطِ بُقْعَةٍ مَلْآنَةٍ عِظامًا ومُرَّ بِي مِن حَوْلِها وإذا هي كَثِيرَةٌ ويابِسَةٌ فَقالَ لِي يا ابْنَ آدَمَ أتَحْيا هَذِهِ العِظامُ، فَقُلْتُ يا سَيِّدِي أنْتَ تَعْلَمُ، فَقالَ لِي تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها أيَّتُها العِظامُ اليابِسَةُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ، فَتَقارَبَتِ العِظامُ، وإذا بِالعَصَبِ واللَّحْمِ كَساها وبُسِطَ الجِلْدُ عَلَيْها مِن فَوْقُ ولَيْسَ فِيها رُوحٌ فَقالَ لِي تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ وقُلْ قالَ الرَّبُّ هَلُمَّ يا رُوحُ مِنَ الرِّياحِ الأرْبَعِ وهَبَّ عَلى هَؤُلاءِ القَتْلى فَتَنَبَّأْتُ كَما أمَرَنِي فَدَخَلَ فِيهِمُ الرُّوحُ فَحَيَوْا وقامُوا عَلى أقْدامِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا جِدًّا. وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيءُ لِاسْتِماتَةِ قَوْمِهِ، واسْتِسْلامِهِمْ لِأعْدائِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ " هَذِهِ العِظامُ هي كُلُّ بُيُوتِ إسْرائِيلَ هم يَقُولُونَ يَبِسَتْ عِظامُنا وهَلَكَ رَجاؤُنا قَدِ انْقَطَعْنا فَتَنَبَّأْ وقُلْ لَهم قالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ ها أنَذا أفْتَحُ قُبُورَكم وأُصْعِدُكم مِنها يا شَعْبِي وآتِي بِكم إلى أرْضِ إسْرائِيلَ وأجْعَلُ رُوحِي فِيكم فَتَحْيَوْنَ. فَلَعَلَّ هَذا المَثَلَ مَعَ المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ مُراءى هَذا النَّبِيءِ، وهو الخابُورُ، وهو قُرْبُ واسِطَ، هو الَّذِي حَدا بَعْضَ أهْلِ القِصَصِ إلى دَعْوى أنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ مِن أهْلِ داوَرْدانَ: إذْ لَعَلَّ داوَرْدانَ كانَتْ بِجِهاتِ الخابُورِ الَّذِي رَأى عِنْدَهُ النَّبِيءُ حِزْقِيالُ ما رَأى. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ القَوْلُ فِيهِ إمّا مَجازٌ في التَّكْوِينِ والمَوْتُ حَقِيقَةٌ أيْ جَعَلَ فِيهِمْ حالَةَ المَوْتِ، وهي وُقُوفُ القَلْبِ وذَهابُ الإدْراكِ والإحْساسِ، اسْتُعِيرَتْ حالَةُ تَلَقِّي المُكَوِّنِ لِأثَرِ الإرادَةِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ لِلْأمْرِ، فَأطْلَقَ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهَةِ المُرَكَّبَ الدّالَّ عَلى الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، ثُمَّ أحْياهم بِزَوالِ ذَلِكَ العارِضِ فَعَلِمُوا أنَّهم أُصِيبُوا بِما لَوْ دامَ لَكانَ مَوْتًا مُسْتَمِرًّا، وقَدْ يَكُونُ هَذا مِنَ الأدْواءِ النّادِرَةِ المُشْبِهَةِ داءَ (p-٤٨٠)السَّكْتِ وإمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ مَجازًا عَنِ الإنْذارِ بِالمَوْتِ، والمَوْتُ حَقِيقَةٌ، أيْ أراهُمُ اللَّهُ مَهالِكَ شَمُّوا مِنها رائِحَةَ المَوْتِ، ثُمَّ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهم فَأحْياهم. وإمّا أنْ يَكُونَ كَلامًا حَقِيقِيًّا بِوَحْيِ اللَّهِ، لِبَعْضِ الأنْبِياءِ، والمَوْتُ مَوْتٌ مَجازِيٌّ، وهو أمْرٌ لِلتَّحْقِيرِ شَتْمًا لَهم، ورَماهم بِالذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أحْياهم، وثَبَّتَ فِيهِمْ رُوحَ الشَّجاعَةِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا مَوْعِظَةُ المُسْلِمِينَ بِتَرْكِ الجُبْنِ، وأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَوْتِ لا يَدْفَعُ المَوْتَ، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ ضُرِبَ بِهِمْ هَذا المَثَلُ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ، فَلَمْ يُغْنِ خَوْفُهم عَنْهم شَيْئًا، وأراهُمُ اللَّهُ المَوْتَ ثُمَّ أحْياهم، لِيَصِيرَ خُلُقُ الشَّجاعَةِ لَهم حاصِلًا بِإدْراكِ الحِسِّ. ومَحَلُّ العِبْرَةِ مِنَ القِصَّةِ: هو أنَّهم ذاقُوا المَوْتَ الَّذِي فَرُّوا مِنهُ، لِيَعْلَمُوا أنَّ الفِرارَ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، وأنَّهم ذاقُوا الحَياةَ بَعْدَ المَوْتِ، لِيَعْلَمُوا أنَّ المَوْتَ والحَياةَ بِيَدِ اللَّهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ [الأحزاب: ١٦] . وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ والمَقْصُودُ مِنها بَثُّ خُلُقِ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وأنَّهم إنْ شَكَرُوا اللَّهَ عَلى ما آتاهم مِنَ النِّعَمِ، زادَهم مِن فَضْلِهِ، ويَسَّرَ لَهم ما هو صَعْبٌ. وجُمْلَةُ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ هي المَقْصُودُ الأوَّلُ، فَإنَّ ما قَبْلَها تَمْهِيدٌ لَها، كَما عَلِمْتَ، وقَدْ جُعِلَتْ في النَّظْمِ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عَطْفًا عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَيَكُونُ لَها حُكْمُ جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، ولَوْلا طُولُ الفَصْلِ بَيْنَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، لَقُلْنا: إنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها عَلى أنَّ اتِّصالَ الغَرَضَيْنِ يُلْحِقُها بِها بِدُونِ عَطْفٍ. وجُمْلَةُ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ حَثٌّ عَلى القِتالِ، وتَحْذِيرٌ مِن تَرْكِهِ، بِتَذْكِيرِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ: ظاهِرِها وباطِنِها. وقُدِّمَ وصْفُ سَمِيعٌ، وهو أخَصُّ مِن عَلِيمٌ، اهْتِمامًا بِهِ هُنا؛ لِأنَّ مُعْظَمَ أحْوالِ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الأُمُورِ المَسْمُوعَةِ، مِثْلَ جَلَبَةِ الجَيْشِ، وقَعْقَعَةِ السِّلاحِ، وصَهِيلِ الخَيْلِ. ثُمَّ ذُكِرَ وصْفُ عَلِيمٌ لِأنَّهُ يَعُمُّ العِلْمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وفِيها ما هو مِن حَدِيثِ النَّفْسِ مِثْلُ خُلُقِ الخَوْفِ، وتَسْوِيلِ النَّفْسِ القُعُودَ عَنِ القِتالِ، وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ. (p-٤٨١)وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ واعْلَمُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن مَعْنًى صَرِيحٍ وتَعْرِيضٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] .


ركن الترجمة

Have you never thought of men who went out of their homes as a measure of safety against death, and they were thousands, to whom God said: "Die," then restored them to life? Indeed God bestows His blessings on men; only most men are not grateful.

N'as-tu pas vu ceux qui sortirent de leurs demeures, - il y en avait des milliers -, par crainte de la mort? Puis Allah leur dit: «Mourez». Après quoi Il les rendit à la vie. Certes, Allah est Détenteur de la Faveur, envers les gens; mais la plupart des gens ne sont pas reconnaissants.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :