ركن التفسير
255 - (الله لا إله) أي لا معبود بحق في الوجود (إلا هو الحي) الدائم بالبقاء (القيوم) المبالغ في القيام بتدبير خلقه (لا تأخذه سِنةٌ) نعاس (ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض) ملكا وخلقا وعبيدا (من ذا الذي) أي لا أحد (يشفع عنده إلا بإذنه) له فيها (يعلم ما بين أيديهم) أي الخلق (وما خلفهم) أي من أمر الدنيا والآخرة (ولا يحيطون بشيء من علمه) أي لا يعلمون شيئا من معلوماته (إلا بما شاء) أن يعلمهم به منها بإخبار الرسل (وسع كرسيه السماواتِ والأرضَ) قيل أحاط علمه بهما وقيل الكرسي نفسه مشتمل عليهما لعظمته ، لحديث: "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس". (ولا يؤوده) يثقله (حفظهما) أي السماوات والأرض (وهو العلي) فوق خلقه بالقهر (العظيم) الكبير
هذه آية الكرسي ولها شأن عظيم قد صح الحديث عن رسول - صلى الله عليه وسلم - بأنها أفضل آية في كتاب الله قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق حدثنا سفيان عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن عبدالله بن رباح عن أبي هو ابن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله أي آية في كتاب الله أعظم قال: الله ورسوله أعلم فرددها مرارا ثم قال: آية الكرسي قال" ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسي بيده إن لها لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن الجريري به وليس عنده زيادة والذي نفسي بيده إلخ. "حديث آخر" عن أبي أيضا في فضل آية الكرسي قال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا ميسرة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبيدة بن أبي لبابة عن عبدالله بن أبي بن كعب أن أباه أخبره أنه كان له جرن فيه تمر قال: فكان أبي يتعاهده فوجده ينقص قال فحرسه ذات ليلة فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم قال: فسلمت عليه فرد السلام قال: فقلت ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: قلت له ناولني يدك قال فناولني يده فإذا يد كلب وشعر كلب فقلت هكذا خلق الجن؟ قال لقد علمت الجن ما فيهم أشد مني. قلت فما حملك على ما صنعت؟ قال بلغني أنك رجل تحب الصدقة فأحببنا أن نصيب من طعامك قال: فقال له أبي فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي ثم غدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال النبي صدق الخبيث وهكذا رواه الحكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن لاحق عن محمد بن عمرو بن أبي بن كعب عن جده به وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه "طريق أخرى" قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عثمان بن عتاب قال: سمعت أبا السليل قال: كان رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحدث الناس حتى يكثروا عليه فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي آية في القرآن أعظم فقال رجل "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي أو قال فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي وقال ليهنك العلم يا أبا المنذر "حديث آخر" عن الأسقع البكري قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد القراطيسي حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج أخبرني عمر بن عطاء أن مولى ابن الأسقع رجل صدق أخبره عن الأسقع البكري أنه سمعه يقول إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءهم في صفة المهاجرين فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم" حتى انقضت الآية. "حديث آخر" عن أنس قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالله بن الحارث حدثني سلمة بن وردان أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سأل رجلا من صحابته فقال أي فلان هل تزوجت؟ قال: لا وليس عندي ما أتزوج به قال أو ليس معك: قل هو الله أحد؟ قال بلى قال "ربع القرآن" قال "أليس معك قل يا أيها الكافرون؟ قال بلى قال ربع القرآن قال أليس معك إذا زلزلت؟ قال: بلى قال ربع القرآن قال أليس معك إذا جاء نصر الله؟ قال بلى. قال ربع القرآن قال أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو؟ قال بلى قال ربع القرآن. "حديث آخر" عن أبي ذر جندب بن جنادة قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا المسعودي أنبأني أبو عمر الدمشقي عن عبيد بن الخشخاش عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فجلست فقال يا أبا ذر هل صليت؟ قلت لا قال قم فصل قال فقمت فصليت ثم جلست فقال يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن قال: قلت يا رسول الله أوللإنس شياطين؟ قال نعم قال: قلت يا رسول الله الصلاة قال خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر قال: قلت يا رسول الله فالصوم؟ قال فرض مجزئ وعند الله مزيد قلت يا رسول الله فالصدقة؟ قال أضعاف مضاعفة قلت يا رسول الله فأيها أفضل؟ قال جهد من مقل أو سر إلى فقير قلت يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال آدم قلت يا رسول الله ونبي كان؟ قال نعم نبي مكلم قلت يا رسول الله كم المرسلون قال ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا وقال مرة وخمسة عشر قلت يا رسول الله أي ما أنزل عليك أعظم؟ قال آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" ورواه النسائي "حديث آخر" عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - وأرضاه قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن أخيه عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب أنه كان في سهوة له وكانت الغول تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال فإذا رأيتها فقل باسم الله أجيبي رسول الله قال فجاءت فقال لها فأخذها فقالت إني لا أعود فأرسلها فجاء فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعل أسيرك؟ قال أخذتها فقالت: إني لا أعود فأرسلتها فقال: إنها عائدة فأخذتها مرتين أو ثلاثا كل ذلك تقول لا أعود وأجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول ما فعل أسيرك فأقول أخذتها فتقول لا أعود فيقول إنها عائدة فأخذتها فقالت أرسلني وأعلمك شيئا تقوله فلا يقربك شيء: آية الكرسي فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال صدقت وهي كذوب ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار عن أبي أحمد الزبيري به وقال حسن غريب والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدى في الليل. وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة فقال في كتاب فضائل القرآن وفي كتاب الوكالة وفي صفة إبليس من صحيحة قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو حدثنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال فخليت عنه فأصبحت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قال: قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيعود فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود فرحمته وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال أما إنه قد كذبك وسيعود فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله بها وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال: ما هي؟ قال: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وقال لي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح وكانوا أحرص شيء على الخير فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أما إنه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب من ثلات ليال يا أبا هريرة قلت لا قال: ذاك شيطان كذا رواه البخاري معلقا بصيغة الجزم وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عثمان بن الهيثم فذكره - وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبدالله بن عمرويه الصفار حدثنا أحمد بن زهير بن حرب أنبأنا مسلم بن إبراهيم أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي أنبأنا أبو المتوكل الناجي أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر فذهب يوما ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف ودخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف ثم دخل يوما آخر ثالثا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك فشكى ذلك أبو هريرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - تحب أن تأخذ صاحبك هذا قال نعم قال فإذا فتحت الباب فقل سبحان من سخرك محمد" فذهب ففتح الباب فقال سبحان من سخرك محمد فإذا هو قائم بين يديه قال: يا عدو الله أنت صاحب هذا؟ قال: نعم دعني فإني لا أعود ما كنت آخذا إلا لأهل بيت من الجن فقراء فخلى عنه ثم عاد الثانية ثم عاد الثالثة فقلت أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تفعل فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أنثى قال له لتفعلن؟ قال نعم قال ما هن قال "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه فذهب فلم يعد فذكر ذلك أبو هريرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما علمت أن ذلك كذلك وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله عن شعيب بن حرب عن إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة به وقد تقدم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضا فهذه ثلات وقائع. "قصة أخرى" قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية عن أبي عاصم القفي عن الشعبي عن عبدالله بن مسعود قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخل شيطان فصارعه فصرعه فقال: إني أراك ضئيلا شخيتا كأن ذراعيك ذراعا كلب أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال إني بينهم لضليع فعاودني فصارعه فصرعه الإنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خيخ كخيخ الحمار فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر قال أبو عبيد: الضئيل النحيف الجسيم والخيخ بالخاء المعجمة ويقال بالحاء المهملة الضراط. "حديث آخر" عن أبي هريرة قال الحاكم أبو عبدالله في مستدركه: حدثنا علي بن حماد حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثني حكيم بن جبير الأسدي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة عن حكيم بن جبير ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه كذا قال وقد رواه الترمذي من حديث زائدة ولفظه لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة وفيها آية هي سيدة أي القرآن: آية الكرسي ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير وقد تكلم فيه شعبة وضعفه "قلت" وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين وغير واحد من الأئمة وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي. "حديث أخر" قال ابن مردويه: حدثنا عبدالباقي بن نافع أخبرنا عيسى بن محمد المروزي أخبرنا عمر بن محمد البخاري أخبرنا عيسى بن موسى غنجار عن عبدالله بن كيسان حدثنا يحيى أخبرنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن فقال ابن مسعود على الخبير سقطت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أعظم آية في القرآن "الله لا إله إلا هو الحي القيوم". "حديث آخر" في اشتماله على اسم الله الأعظم قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكير أنبأنا عبدالله بن أبي زياد حدثنا شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في هاتين الآيتين "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" و "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم" إن فيهما اسم الله الأعظم وكذا رواه أبو داود عن مسدد والترمذي عن علي بن خشرم وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم عن عيسى بن يونس عن عبيد الله بن أبي زياد به وقال الترمذي: حسن صحيح. "حديث آخر" في معنى هذا عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال ابن مردويه: أخبرنا عبدالله بن نمير أخبرنا إسحق بن إبراهيم بن إسماعيل أخبرنا هشام بن عمار أنبأنا الوليد بن مسلم أخبرنا عبدالله بن العلاء بن زيد أنه سمع القاسم بن عبدالرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق: أما البقرة "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وفي آل عمران "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وفي طه "وعنت الوجوه للحي القيوم". "حديث آخر" عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن محرز بن يناور الأدمي أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن أخبرنا الحسن بن بشر بطرسوس أخبرنا محمد بن حمير أخبرنا محمد بن زياد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن الحسن بن بشر به وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي من رجال البخاري أيضا فهو إسناد على شرط البخاري وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي أنه حديث موضوع والله أعلم وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبدالله نحو هذا الحديث ولكن في إسناد كل منهما ضعف وقال ابن مردويه أيضا حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي أخبرنا زياد بن إبراهيم أخبرنا أبو حمزة السكري عن المثنى عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أوحى الله إلى موسى بن عمران عليه السلام أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين ولسان الذاكرين وثواب النبيين وأعمال الصديقين ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنت قلبه للإيمان أو أريد قتله في سبيل الله وهذا حديث منكر جدا. "حديث آخر" في أنها تحفظ من قرأها أول النهار وأول الليل قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني أخبرنا ابن أبي فديك عن عبدالرحمن المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قرأ: "حم" المؤمن إلى "إليه المصير" وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح ثم قال هذا حديث غريب وقد تكلم بعض أهل العلم في عبدالرحمن بن أبي يكر بن أبي مليكة المليكي من قبل حفظه. وقد ورد في فضلها أحاديث أخر تركناها اختصارا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث علي في قراءتها عند الحجامة أنها تقوم مقام حجامتين وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات وتلحس للحفظ وعدم النسيان أوردهما ابن مردويه وغير ذلك. "وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة" فقوله "الله لا إله إلا هو" إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق "الحي القيوم" أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيم لغيره وكان عمر يقرأ القيام فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله "ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره" وقوله "لا تأخذه سنة ولا نوم" أي لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد على كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفى عليه خافية ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم فقوله "لا تأخذه" أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال ولا نوم لأنه أقوى من السنة وفي الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع كلمات فقال إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وقال عبدالرزاق: أخبرنا معمر أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله "لا تأخذه سنة ولا نوم" أن موسى عليه السلام سأل الملائكة هل ينام الله عز وجل؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام ففعلوا ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما قال فجعل ينعس وهما في يده في كل يد واحدة قال فجعل ينعس وينبه وينعس وينبه حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله عز وجل يقول فكذلك السموات والأرض في يده وهكذا رواه ابن جرير عن الحسن بن يحيى عن عبدالرزاق فذكره وهو من أخبار بني إسرائيل وهو مما يعلم أن موسى عليه السلام لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عز وجل وأنه منزه عنه وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال وقع في نفس موسى هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال: ضرب الله عز وجل مثلا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض وهذا حديث غريب جدا والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع والله أعلم وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثنا أحمد بن عبدالرحمن الدستكي حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال اتقوا الله فناداه ربه عز وجل يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليلة ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا فقال يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك فأنزل الله عز وجل على نبيه آية الكرسي. وقوله "له ما في السموات وما في الأرض" إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" وقوله "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" كقوله "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وكقوله "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى" وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع "قال" فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة. وقوله "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم" دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها كقوله إخبارا عن الملائكة "وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا". وقوله "ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون أحدا على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله "ولا يحيطون به علما". وقوله "وسع كرسيه السموات والأرض" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا ابن إدريس عن مطرف بن طريف عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "وسع كرسيه السموات والأرض" قال: علمه وكذا رواه ابن جرير من حديث عبدالله بن إدريس وهشيم كلاهما عن مطرف بن طريف به قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين ثم رواه عن أبي موسى والسدي والضحاك ومسلم البطين وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان عن عمار الذهبي عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سئل النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن قول الله عز وجل "وسع كرسيه السموات والأرض" قال كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس فذكره وهو غلط وقد رواه وكيع في تفسيره حدثنا سفيان عن عمار الذهبي عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر أحد قدره وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس بن محمد بن أحمد المحبوبي عن محمد بن معاذ عن أبي عاصم عن سفيان وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفا مثله وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك عن السدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح أيضا وقال السدي عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش: وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش وقال الضحاك عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس قال وقال أبو ذر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة من الأرض. وقال أبو بكر بن مردويه أخبرنا سليمان بن أحمد أخبرنا عبدالله بن وهيب المقري أخبرنا محمد بن أبي اليسرى العسقلاني أخبرنا محمد بن عبدالله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الكرسي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا زهير حدثنا ابن أبي بكر حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالله بن خليفة عن عمر - رضي الله عنه - قال: أتت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب تبارك وتعالى وقال إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما والطبراني وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما والحافظ الضياء في كتاب المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عبدالله بن خليفة وليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفا ومنهم من يرويه عن عمر مرسلا ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها وأغرب من هذا حديث جابر بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه والله أعلم وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين أن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير ويقال له الأطلس وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر عن الحسن البصري أنه كان يقول الكرسي هو العرش والصحيح أن الكرسي غير العرش والعرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبدالله بن خليفة عن عمر في ذلك وعندي في صحته نظر والله أعلم. وقوله "ولا يئوده حفظهما" أي لا يثقله ولا يكترثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما بل ذلك سهل عليه يسير لديه وهو القائم على كل نفس بما كسبت الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهو القاهر لكل شيء الحسيب على كل شيء الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه فقوله "وهو العلي العظيم" كقوله "وهو الكبير المتعال" وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
) قوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيمقوله تعالى : الله لا إله إلا هو الحي القيوم هذه آية الكرسي سيدة آي القرآن وأعظم آية ، كما تقدم بيانه في الفاتحة ، ونزلت ليلا ودعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدا فكتبها . روي عن محمد ابن الحنفية أنه قال : لما نزلت آية الكرسي خر كل صنم في الدنيا ، وكذلك خر كل ملك في الدنيا وسقطت التيجان عن رءوسهم ، وهربت الشياطين يضرب بعضهم على بعض إلى أن أتوا إبليس فأخبروه بذلك فأمرهم أن يبحثوا عن ذلك ، فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت . وروى الأئمة عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم ؟ قال قلت : الله لا إله إلا هو الحي القيوم فضرب في صدري وقال : ليهنك العلم يا أبا المنذر . زاد الترمذي الحكيم أبو عبد الله : فوالذي نفسي بيده إن لهذه الآية للسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش . قال أبو عبد الله : فهذه آية أنزلها الله جل ذكره ، وجعل ثوابها لقارئها عاجلا وآجلا ، فأما في العاجل فهي حارسة لمن قرأها من الآفات ، وروي لنا عن نوف البكالي أنه قال : آية الكرسي تدعى في التوراة ولية الله . يريد يدعى قارئها في ملكوت السماوات والأرض عزيزا ، قال : فكان عبد الرحمن بن عوف إذا دخل بيته قرأ آية الكرسي في زوايا بيته الأربع ، معناه كأنه يلتمس بذلك أن تكون له حارسا من جوانبه الأربع ، وأن تنفي عنه الشيطان من زوايا بيته . وروي عن عمر أنه صارع جنيا فصرعه عمر رضي الله عنه ، فقال له الجني : خل عني حتى أعلمك ما تمتنعون به منا ، فخلى عنه وسأله فقال : إنكم تمتنعون منا بآية الكرسي .قلت : هذا صحيح ، وفي الخبر : من قرأ الكرسي دبر كل صلاة كان الذي يتولى قبض روحه ذو الجلال والإكرام ، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى يستشهد . وعن علي رضي الله عنه قال : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول وهو على أعواد المنبر : من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله . وفي البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة وفيها : فقلت يا رسول الله ، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله ، قال : ( ما هي ) ؟ قلت قال لي : إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ) ؟ قال : لا ، قال : ( ذاك شيطان ) . وفي مسند الدارمي أبي محمد قال الشعبي قال عبد الله بن مسعود : لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي ، فقال له الإنسي : إني لأراك ضئيلا شخيتا كأن ذريعتيك ذريعتا كلب فكذلك أنتم معشر الجن ، أم أنت من بينهم كذلك ؟ قال : لا والله إني منهم لضليع ولكن عاودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك ، قال نعم ، فصرعه ، قال : تقرأ آية الكرسي : الله لا إله إلا هو الحي القيوم ؟ قال : نعم ، قال : فإنك لا تقرأها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح . أخرجه أبو نعيم عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي . وذكره أبو عبيدة في غريب حديث عمر حدثناه أبو معاوية عن أبي عاصم الثقفي عن الشعبي عن عبد الله قال : فقيل لعبد الله : أهو عمر ؟ فقال : ما عسى أن يكون إلا عمر . قال أبو محمد الدارمي : الضئيل : الدقيق ، والشخيت : المهزول ، والضليع : جيد الأضلاع ، والخبج : الريح . وقال أبو عبيدة : الخبج : الضراط ، وهو الحبج أيضا بالحاء . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ حم - المؤمن - إلى إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي ، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح قال : حديث غريب . وقال أبو عبد الله الترمذي الحكيم : وروي أن المؤمنين ندبوا إلى المحافظة على قراءتها دبر كل صلاة . عن أنس رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : أوحى الله إلى موسى عليه السلام من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته فوق ما أعطي الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصديقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم يمنعه أن أدخله الجنة إلا أن يأتيه ملك الموت ) قال موسى عليه السلام : يا رب من سمع بهذا لا يداوم عليه ؟ قال : ( إني لا أعطيه من عبادي إلا لنبي أو صديق أو رجل أحبه أو رجل أريد قتله في سبيلي . وعن أبي بن كعب قال : قال الله تعالى : ( يا موسى من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة أعطيته ثواب الأنبياء ) قال أبو عبد الله : معناه عندي أعطيته ثواب عمل الأنبياء ، فأما ثواب النبوة فليس لأحد إلا للأنبياء . وهذه الآية تضمنت التوحيد والصفات العلا ، وهي خمسون كلمة ، وفي كل كلمة خمسون بركة ، وهي تعدل ثلث القرآن ، ورد بذلك الحديث ، ذكره ابن عطية . و ( الله ) مبتدأ ، و ( لا إله ) مبتدأ ثان وخبره محذوف تقديره معبود أو موجود . و ( إلا هو ) بدل من موضع لا إله . وقيل : الله لا إله إلا هو ابتداء وخبر ، وهو مرفوع محمول على المعنى ، أي ما إله إلا هو ، ويجوز في غير القرآن لا إله إلا إياه ، نصب على الاستثناء . قال أبو ذر في حديثه الطويل : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزل الله عليك من القرآن أعظم ؟ فقال : الله لا إله إلا هو الحي القيوم . وقال ابن عباس : أشرف آية في القرآن آية الكرسي . قال بعض العلماء : لأنه يكرر فيها اسم الله تعالى بين مضمر وظاهر ثماني عشرة مرة .( الحي القيوم ) نعت لله عز وجل ، وإن شئت كان بدلا من هو ، وإن شئت كان خبرا بعد خبر ، وإن شئت على إضمار مبتدإ . ويجوز في غير القرآن النصب على المدح . و ( الحي ) اسم من أسمائه الحسنى يسمى به ، ويقال : إنه اسم الله تعالى الأعظم . ويقال : إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان إذا أراد أن يحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء : يا حي يا قيوم . ويقال : إن آصف بن برخيا لما أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله يا حي يا قيوم . ويقال : إن بني إسرائيل سألوا موسى عن اسم الله الأعظم فقال لهم : أيا هيا شرا هيا ، يعني يا حي يا قيوم . ويقال : هو دعاء أهل البحر إذا خافوا الغرق يدعون به . قال الطبري عن قوم : إنه يقال حي قيوم كما وصف نفسه ، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه . وقيل : سمى نفسه حيا لصرفه الأمور مصاريفها وتقديره الأشياء مقاديرها . وقال قتادة : الحي الذي لا يموت . وقال السدي : المراد بالحي الباقي . قال لبيد :فإما تريني اليوم أصبحت سالما فلست بأحيا من كلاب وجعفروقد قيل : إن هذا الاسم هو اسم الله الأعظم . القيوم من قام ، أي القائم بتدبير ما خلق ، عن قتادة . وقال الحسن : معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها ، من حيث هو عالم بها لا يخفى عليه شيء منها . وقال ابن عباس : معناه الذي لا يحول ولا يزول ، قال أمية بن أبي الصلت :لم تخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقومقدره مهيمن قيوم والحشر والجنة والنعيمإلا لأمر شأنه عظيمقال البيهقي : ورأيت في " عيون التفسير " لإسماعيل الضرير في تفسير " القيوم " قال : ويقال هو الذي لا ينام ، وكأنه أخذه من قوله عز وجل عقيبه في آية الكرسي : لا تأخذه سنة ولا نوم . وقال الكلبي : القيوم الذي لا بديء له ، ذكره أبو بكر الأنباري . وأصل قيوم قيووم اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فأدغمت الأولى في الثانية بعد قلب الواو ياء ، ولا يكون قيوم فعولا ؛ لأنه من الواو فكان يكون قووما . وقرأ ابن مسعود وعلقمة والأعمش والنخعي " الحي القيام " بالألف ، وروي ذلك عن عمر . ولا خلاف بين أهل اللغة في أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة . و " القيام " منقول عن القوام إلى القيام ، صرف عن الفعال إلى الفيعال ، كما قيل للصواغ الصياغ ، قال الشاعر :إن ذا العرش للذي يرزق النا س وحي عليهم قيومثم نفى عز وجل أن تأخذه سنة ولا نوم . والسنة : النعاس في قول الجميع . والنعاس ما كان من العين فإذا صار في القلب صار نوما ، قال عدي بن الرقاع يصف امرأة بفتور النظر :وسنان أقصده النعاس فرنقت في عينه سنة وليس بنائموفرق المفضل بينهما فقال : السنة من الرأس ، والنعاس في العين ، والنوم في القلب . وقال ابن زيد : الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل ، حتى ربما جرد السيف على أهله . قال ابن عطية : وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر ، وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب . وقال السدي : السنة : ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان .قلت : وبالجملة فهو فتور يعتري الإنسان ولا يفقد معه عقله . والمراد بهذه الآية أن الله تعالى لا يدركه خلل ولا يلحقه ملل بحال من الأحوال . والأصل في " سنة " وسنة حذفت الواو كما حذفت من يسن . والنوم هو المستثقل الذي يزول معه الذهن في حق البشر . والواو للعطف و ( لا ) توكيد .قلت : والناس يذكرون في هذا الباب عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى على المنبر قال : ( وقع في نفس موسى هل ينام الله جل ثناؤه فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فينحي أحديهما عن الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان - قال - ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم تتمسك السماء والأرض ) ولا يصح هذا الحديث ، ضعفه غير واحد منهم البيهقي .قوله تعالى : له ما في السماوات وما في الأرض أي بالملك فهو مالك الجميع وربه وجاءت العبارة ب " ما " وإن كان في الجملة من يعقل من حيث المراد الجملة والموجود . قال الطبري : نزلت هذه الآية لما قال الكفار : ما نعبد أوثانا إلا ليقربونا إلى الله زلفى .قوله تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " من " رفع بالابتداء و " ذا " خبره ، و " الذي " نعت ل " ذا " ، وإن شئت بدل ، ولا يجوز أن تكون " ذا " زائدة كما زيدت مع " ما " لأن " ما " مبهمة فزيدت " ذا " معها لشبهها بها . وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة ، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله ، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى ، كما قال : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى قال ابن عطية : والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين ، أو وصل ولكن له أعمال صالحة . وفي البخاري في " باب بقية من أبواب الرؤية " : إن المؤمنين يقولون : ربنا إن إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا . وهذه شفاعة فيمن يقرب أمره ، وكما يشفع الطفل المحبنطئ على باب الجنة . وهذا إنما هو في قراباتهم ومعارفهم . وإن الأنبياء يشفعون فيمن حصل في النار من عصاة أممهم بذنوب دون قربى ولا معرفة إلا بنفس الإيمان ، ثم تبقى شفاعة أرحم الراحمين في المستغرقين في الخطايا والذنوب الذين لم تعمل فيهم شفاعة الأنبياء . وأما شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في تعجيل الحساب فخاصة له .قلت : قد بين مسلم في صحيحه كيفية الشفاعة بيانا شافيا ، وكأنه رحمه الله لم يقرأه وأن الشافعين يدخلون النار ويخرجون منها أناسا استوجبوا العذاب ، فعلى هذا لا يبعد أن يكون للمؤمنين شفاعتان : شفاعة فيمن لم يصل إلى النار ، وشفاعة فيمن وصل إليها ودخلها ، أجارنا الله منها . فذكر من حديث أبي سعيد الخدري : ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم - قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دحض مزلة فيها خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ، يقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون ، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم ، فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به ، فيقول عز وجل ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به ، ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه ، فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا - وكان أبو سعيد يقول : إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ( فيقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ) وذكر الحديث . وذكر من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله قال ليس ذلك لك - أو قال ليس ذلك إليك - وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال لا إله إلا الله ) . وذكر من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود ) الحديث بطوله .قلت : فدلت هذه الأحاديث على أن شفاعة المؤمنين وغيرهم إنما هي لمن دخل النار وحصل فيها ، أجارنا الله منها وقول ابن عطية : " ممن لم يصل أو وصل " يحتمل أن يكون أخذه من أحاديث أخر ، والله أعلم . وقد خرج ابن ماجه في سننه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يصف الناس يوم القيامة صفوفا - وقال ابن نمير أهل الجنة - فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استسقيت فسقيتك شربة ؟ قال فيشفع له ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا ؟ فيشفع له - قال ابن نمير - ويقول يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك ؟ فيشفع له .وأما شفاعات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاختلف فيها ، فقيل ثلاث ، وقيل اثنتان ، وقيل : خمس ، يأتي بيانها في " سبحان " إن شاء الله تعالى . وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .قوله تعالى : يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم الضميران عائدان على كل من يعقل ممن تضمنه قوله : له ما في السماوات وما في الأرض . وقال مجاهد ) ما بين أيديهم ) الدنيا ( وما خلفهم ) الآخرة . قال ابن عطية : وكل هذا صحيح في نفسه لا بأس به ؛ لأن ما بين اليد هو كل ما تقدم الإنسان ، وما خلفه هو كل ما يأتي بعده ، وبنحو قول مجاهد قال السدي وغيره .قوله تعالى : ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء العلم هنا بمعنى المعلوم ، أي ولا يحيطون بشيء من معلوماته ، وهذا كقول الخضر لموسى عليه السلام حين نقر العصفور في البحر : ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر . فهذا وما شاكله راجع إلى المعلومات لأن علم الله سبحانه وتعالى الذي هو صفة ذاته لا يتبعض . ومعنى الآية لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يعلمه .قوله تعالى : وسع كرسيه السماوات والأرض ذكر ابن عساكر في تاريخه عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الكرسي لؤلؤة والقلم لؤلؤة وطول القلم سبعمائة سنة وطول الكرسي حيث لا يعلمه إلا الله ) . وروى حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة - وهو عاصم بن أبي النجود - عن زر بن حبيش عن ابن مسعود قال : بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام ، وبين الكرسي وبين العرش مسيرة خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء والله فوق العرش يعلم ما أنتم فيه وعليه . يقال كرسي وكرسي والجمع الكراسي . وقال ابن عباس : كرسيه علمه . ورجحه الطبري ، قال : ومنه الكراسة التي تضم العلم ، ومنه قيل للعلماء : الكراسي ؛ لأنهم المعتمد عليهم ، كما يقال : أوتاد الأرض قال الشاعر :يحف بهم بيض الوجوه وعصبة كراسي بالأحداث حين تنوبأي علماء بحوادث الأمور . وقيل : كرسيه قدرته التي يمسك بها السماوات والأرض ، كما تقول : اجعل لهذا الحائط كرسيا ، أي ما يعمده . وهذا قريب من قول ابن عباس في قوله وسع كرسيه . قال البيهقي : وروينا عن ابن مسعود وسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وسع كرسيه قال : علمه . وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور مع العرش . وروى إسرائيل عن السدي عن أبي مالك في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض قال : إن الصخرة التي عليها الأرض السابعة ومنتهى الخلق على أرجائها ، عليها أربعة من الملائكة لكل واحد منهم أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر ، فهم قيام عليها قد أحاطوا بالأرضين والسماوات ، ورءوسهم تحت الكرسي والكرسي تحت العرش والله واضع كرسيه فوق العرش . قال البيهقي : في هذا إشارة إلى كرسيين : أحدهما تحت العرش ، والآخر موضوع على العرش . وفي رواية أسباط عن السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله وسع كرسيه السماوات والأرض فإن السماوات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش . وأرباب الإلحاد يحملونها على عظم الملك وجلالة السلطان ، وينكرون وجود العرش والكرسي وليس بشيء . وأهل الحق يجيزونهما ، إذ في قدرة الله متسع فيجب الإيمان بذلك . قال أبو موسى الأشعري : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل . قال البيهقي : قد روينا أيضا في هذا عن ابن عباس وذكرنا أن معناه فيما يرى أنه موضوع من العرش موضع القدمين من السرير ، وليس فيه إثبات المكان لله تعالى . وعن ابن بريدة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من الحبشة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أعجب شيء رأيته ) ؟ قال : رأيت امرأة على رأسها مكتل طعام فمر فارس فأذراه فقعدت تجمع طعامها ، ثم التفتت إليه فقالت له : ويل لك يوم يضع الملك كرسيه فيأخذ للمظلوم من الظالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لقولها : ( لا قدست أمة - أو كيف تقدس أمة - لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ) . قال ابن عطية : في قول أبي موسى " الكرسي موضع القدمين " يريد هو من عرش الرحمن كموضع القدمين من أسرة الملوك ، فهو مخلوق عظيم بين يدي العرش نسبته إليه كنسبة الكرسي إلى سرير الملك . وقال الحسن بن أبي الحسن : الكرسي هو العرش نفسه ، وهذا ليس بمرضي ، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش والعرش أعظم منه . وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله ، أي ما أنزل عليك أعظم ؟ قال : ( آية الكرسي - ثم قال - يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة ) . أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده والبيهقي وذكر أنه صحيح . وقال مجاهد : ما السماوات والأرض في الكرسي إلا بمنزلة حلقة ملقاة في أرض فلاة . وهذه الآية منبئة عن عظم مخلوقات الله تعالى ، ويستفاد من ذلك عظم قدرة الله عز وجل إذ لا يؤوده حفظ هذا الأمر العظيم .و ( يؤوده ) معناه يثقله ، يقال : آدني الشيء بمعنى أثقلني وتحملت منه المشقة ، وبهذا فسر اللفظة ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم . قال الزجاج : فجائز أن تكون الهاء لله عز وجل ، وجائز أن تكون للكرسي ، وإذا كانت للكرسي ، فهو من أمر الله تعالى . و ( العلي ) يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان ؛ لأن الله منزه عن التحيز . وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه . قال ابن عطية : وهذا قول جهلة مجسمين ، وكان الوجه ألا يحكى . وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلى : سبحان الله العلي الأعلى سبحانه وتعالى . والعلي والعالي : القاهر الغالب للأشياء ، تقول العرب : علا فلان فلانا أي غلبه وقهره ، قال الشاعر :فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسرومنه قوله تعالى : إن فرعون علا في الأرض . و ( العظيم ) صفة بمعنى عظيم القدر والخطر والشرف ، لا على معنى عظم الأجرام . وحكى الطبري عن قوم أن العظيم معناه المعظم ، كما يقال : العتيق بمعنى المعتق ، وأنشد بيت الأعشى :فكأن الخمر العتيق من الإس فنط ممزوجة بماء زلالوحكي عن قوم أنهم أنكروا ذلك وقالوا : لو كان بمعنى معظم لوجب ألا يكون عظيما قبل أن يخلق الخلق وبعد فنائهم ، إذ لا معظم له حينئذ .
(p-١٧)﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا بِما شاءَ وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهْوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ . لَمّا ذَكَرَ هَوْلَ يَوْمِ القِيامَةِ وذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ اسْتَأْنَفَ بِذِكْرِ تَمْجِيدِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرِ صِفاتِهِ إبْطالًا لِكُفْرِ الكافِرِينَ وقَطْعًا لِرَجائِهِمْ، لِأنَّ فِيها ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ وجُعِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ابْتِداءً لِآياتِ تَقْرِيرِ الوَحْدانِيَّةِ والبَعْثِ، وأُودِعَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَظِيمَةُ هُنا لِأنَّها كالبَرْزَخِ بَيْنَ الأغْراضِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ. وجِيءَ بِاسْمِ الذّاتِ هُنا لِأنَّهُ أظْهَرُ طَرِيقٍ في الدَّلالَةِ عَلى المُسَمّى المُنْفَرِدِ بِهَذا الِاسْمِ، فَإنَّ العَلَمَ أعْرَفُ المَعارِفِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ في الدَّلالَةِ عَلى مُسَمّاهُ إلى قَرِينَةٍ أوْ مَعُونَةٍ لَوْلا احْتِمالُ تَعَدُّدِ التَّسْمِيَةِ، فَلَمّا انْتَفى هَذا الِاحْتِمالُ في اسْمِ الجَلالَةِ كانَ أعْرَفَ المَعارِفِ لا مَحالَةَ لِاسْتِغْنائِهِ عَنِ القَرائِنِ والمَعُوناتِ، فالقَرائِنُ كالتَّكَلُّمِ والخِطابِ، والمَعُوناتُ كالمَعادِ والإشارَةِ بِاليَدِ والصِّلَةِ وسَبْقِ العَهْدِ والإضافَةِ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ خَبَرٌ أوَّلُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دَلالَةِ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الآلِهَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] . وقَوْلُهُ: ”الحَيُّ“ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و”القَيُّومُ“ خَبَرٌ ثانٍ لِذَلِكَ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ، والمَقْصُودُ إثْباتُ الحَياةِ وإبْطالُ اسْتِحْقاقِ آلِهَةِ المُشْرِكِينَ وصْفَ الإلَهِيَّةِ لِانْتِفاءِ الحَياةِ عَنْهم كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢] وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِها لِأنَّها لَوْ عُطِفَتْ لَكانَتْ كالتَّبَعِ، وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُبَيِّنَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مِن أنَّهُ القائِمُ (p-١٨)بِتَدْبِيرِ الخَلْقِ، أيْ: لِأنَّ اخْتِصاصَهُ بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي أنْ لا مُدَبِّرَ غَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، خِلافًا لِما قَرَّرَ بِهِ التَّفْتازانِيُّ كَلامَهُ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لِعِبارَتِهِ. والحَيُّ في كَلامِ العَرَبِ مَن قامَتْ بِهِ الحَياةُ، وهي صِفَةٌ بِها الإدْراكُ والتَّصَرُّفُ، أعْنِي كَمالَ الوُجُودِ المُتَعارَفِ، فَهي في المَخْلُوقاتِ بِانْبِثاثِ الرُّوحِ واسْتِقامَةِ جَرَيانِ الدَّمِ في الشَّرايِينِ، وبِالنِّسْبَةِ إلى الخالِقِ ما يُقارِبُ أثَرَ صِفَةِ الحَياةِ فِينا، أعْنِي انْتِفاءَ الجَمادِيَّةِ مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ عَوارِضِ المَخْلُوقاتِ، وفَسَرَّها المُتَكَلِّمُونَ بِأنَّها: صِفَةٌ تُصَحِّحُ لِمَن قامَتْ بِهِ الإدْراكَ والفِعْلَ. وفَسَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ (الحَيَّ) بِالباقِي، أيِ الدّائِمِ الحَياةِ بِحَيْثُ لا يَعْتَرِيهِ العَدَمُ، فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا كِنايَةً في لازِمِ مَعْناهُ لِأنَّ إثْباتَ الحَياةِ لِلَّهِ تَعالى بِغَيْرِ هَذا المَعْنى لا يَكُونُ إلّا مَجازًا أوْ كِنايَةً، وقالَ الفَخْرُ: (الَّذِي عِنْدِي أنَّ ( الحَيَّ) في أصْلِ اللُّغَةِ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ صِحَّةِ العِلْمِ والقُدْرَةِ، بَلْ عِبارَةً عَنْ كَمالِ الشَّيْءِ في جِنْسِهِ، قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] وحَياةُ الأشْجارِ إيراقُها، فالصِّفَةُ المُسَمّاةُ في عُرْفِ المُتَكَلِّمِينَ بِالحَياةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ كَمالَ حالِ الجِسْمِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِها، فالمَفْهُومُ الأصْلِيُّ مِن لَفْظِ (الحَيِّ) كَوْنُهُ واقِعًا عَلى أكْمَلِ أحْوالِهِ وصِفاتِهِ ) . والمَقْصُودُ بِوَصْفِ اللَّهِ هُنا بِالحَيِّ إبْطالُ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ إلاهِيَّةَ أصْنامِهِمُ الَّتِي هي جَماداتٌ، وكَيْفَ يَكُونُ مُدَبِّرُ أُمُورِ الخَلْقِ جَمادًا. والحَيُّ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن حَيِيَ، أصْلُهُ حَيِيٌ كَحَذِرٍ أُدْغِمَتِ الياءانِ وهو يائِيٌّ بِاتِّفاقِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، وأمّا كِتابَةُ السَّلَفِ في المُصْحَفِ كَلِمَةَ (حَيَوةٍ) بِواوٍ بَعْدَ الياءِ فَمُخالِفَةٌ لِلْقِياسِ، وقِيلَ: كَتَبُوها عَلى لُغَةِ أهْلِ اليَمَنِ لِأنَّهم يَقُولُونَ حَيَوةً أيْ حَياةً، وقِيلَ: كَتَبُوها عَلى لُغَةِ تَفْخِيمِ الفَتْحَةِ. و(القَيُّومُ) فَيْعُولٌ مِن قامَ يَقُومُ وهو وزْنُ مُبالَغَةٍ، وأصْلُهُ قَيْوُومٌ فاجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتا، والمُرادُ بِهِ المُبالَغَةُ في القِيامِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا مَشْهُورًا في تَدْبِيرِ شُئُونِ النّاسِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] والمَقْصُودُ إثْباتُ عُمُومِ العِلْمِ لَهُ وكَمالُ الحَياةِ وإبْطالُ إلَهِيَّةِ (p-١٩)أصْنامِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ مُدَبِّرَ الكَوْنِ هو اللَّهُ تَعالى، وإنَّما جَعَلُوا آلِهَتَهم شُفَعاءَ وشُرَكاءَ ومُقْتَسِمِينَ أُمُورَ القَبائِلِ، والمُشْرِكُونَ مِنَ اليُونانِ كانُوا قَدْ جَعَلُوا لِكُلِّ إلَهٍ مِن آلِهَتِهِمْ أنْواعًا مِنَ المَخْلُوقاتِ يَتَصَرَّفُ فِيها وأُمَمًا مِنَ البَشَرِ تَنْتَمِي إلَيْهِ ويَحْنَأُ عَلَيْها. وجُمْلَةُ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ولِرَفْعِ احْتِمالِ المُبالَغَةِ فِيها، فالجُمْلَةُ مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ البَيانِ لِمَعْنى (الحَيِّ القَيُّومِ) ولِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. و(السِّنَةُ) فِعْلَةٌ مِنَ الوَسَنِ، وهو أوَّلُ النَّوْمِ والظّاهِرُ أنَّ أصْلَها اسْمُ هَيْئَةٍ كَسائِرِ ما جاءَ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ مِنَ الواوِيِّ الفاءِ، وقَدْ قالُوا: (وسَنَةٌ) بِفَتْحِ الواوِ عَلى صِيغَةِ المَرَّةِ، والسِّنَةُ أوَّلُ النَّوْمِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ الرِّقاعِ: ؎وسْنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ في عَيْنِهِ سِنَةٌ ولَيْسَ بِنائِمِ. والنَّوْمُ مَعْرُوفٌ وهو فُتُورٌ يَعْتَرِي أعْصابَ الدِّماغِ مِن تَعَبِ إعْمالِ الأعْصابِ ومِن تَصاعُدِ الأبْخِرَةِ البَدَنِيَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الهَضْمِ والعَمَلِ العَصَبِيِّ، فَيَشْتَدُّ عِنْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ ومَجِيءِ الظُّلْمَةِ فَيَطْلُبُ الدِّماغُ والجِهازُ العَصَبِيُّ الَّذِي يُدَبِّرُهُ الدِّماغُ اسْتِراحَةً طَبِيعِيَّةً فَيَغِيبُ الحِسُّ شَيْئًا فَشَيْئًا وتَثْقُلُ حَرَكَةُ الأعْضاءِ، ثُمَّ يَغِيبُ الحِسُّ إلى أنْ تَسْتَرْجِعَ الأعْصابُ نَشاطَها فَتَكُونَ اليَقَظَةُ. ونَفْيُ اسْتِيلاءِ السِّنَةِ والنَّوْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ لِكَمالِ الحَياةِ ودَوامِ التَّدْبِيرِ، وإثْباتٌ لِكَمالِ العِلْمِ، فَإنَّ السِّنَةَ والنَّوْمَ يُشْبِهانِ المَوْتَ، فَحَياةُ النّائِمِ في حالِهِما حَياةٌ ضَعِيفَةٌ، وهُما يَعُوقانِ عَنِ التَّدْبِيرِ وعَنِ العِلْمِ بِما يَحْصُلُ في وقْتِ اسْتِيلائِهِما عَلى الإحْساسِ. ونَفْيُ السِّنَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى لا يُغْنِي عَنْ نَفْيِ النَّوْمِ عَنْهُ لِأنَّ مِنَ الأحْياءِ مَن لا تَعْتَرِيهِ السِّنَةُ فَإذا نامَ نامَ عَمِيقًا، ومِنَ النّاسِ مَن تَأْخُذُهُ السِّنَةُ في غَيْرِ وقْتِ النَّوْمِ غَلَبَةً، وقَدْ تَمادَحَتِ العَرَبُ بِالقُدْرَةِ عَلى السَهَرِ، قالَ أبُو كَبِيرٍ: ؎فَأتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا ∗∗∗ سُهُدًا إذا ما نامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ (p-٢٠)والمَقْصُودُ أنَّ اللَّهَ لا يَحْجُبُ عِلْمَهُ شَيْءٌ حَجْبًا ضَعِيفًا ولا طَوِيلًا ولا غَلَبَةً ولا اكْتِسابًا، فَلا حاجَةَ إلى ما تَطَلَّبَهُالفَخْرُ والبَيْضاوِيُّ مِن أنَّ تَقْدِيمَ السِّنَةِ عَلى النَّوْمِ مُراعًى فِيهِ تَرْتِيبُ الوُجُودِ، وأنَّ ذِكْرَ النَّوْمِ مِن قَبِيلِ الِاحْتِراسِ، وقَدْ أخَذَ هَذا المَعْنى بَشّارٌ وصاغَهُ بِما يُناسِبُ صِناعَةَ الشِّعْرِ فَقالَ: ؎ولَيْلٍ دَجُوجِيٍّ تَنامُ بَناتُهُ ∗∗∗ وأبْناؤُهُ مِن طُولِهِ ورَبائِبُهْ فَإنَّهُ أرادَ مِن بَناتِ اللَّيْلِ وأبْنائِهِ السّاهِراتِ والسّاهِرِينَ بِمُواظَبَةٍ، وأرادَ بِرَبائِبِ اللَّيْلِ مَن هم أضْعَفُ مِنهم سَهَرًا لِلَيْلٍ؛ لِأنَّ الرَّبِيبَ أضْعَفُ نِسْبَةً مِنَ الوَلَدِ والبِنْتِ. وجُمْلَةُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَقْرِيرٌ لِانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ إذْ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مَخْلُوقاتُهُ، وتَعْلِيلٌ لِاتِّصافِهِ بِالقَيُّومِيَّةِ لِأنَّ مَن كانَتْ جَمِيعُ المَوْجُوداتِ مِلْكًا لَهُ فَهو حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ قَيُّومَها وألّا يُهْمِلَها ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واللّامُ لِلْمِلْكِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ اسْتِغْراقُ أمْكِنَةِ المَوْجُوداتِ، فَقَدْ دَلَّتِ الجُمْلَةُ عَلى عُمُومِ المَوْجُوداتِ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ، وإذا ثَبَتَ مِلْكُهُ لِلْعُمُومِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَشِذُّ عَنْ مِلْكِهِ مَوْجُودٌ فَحَصَلَ مَعْنى الحَصْرِ، ولَكِنَّهُ زادَهُ تَأْكِيدًا بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ - أيْ لا لِغَيْرِهِ - لِإفادَةِ الرَّدِّ عَلى أصْنافِ المُشْرِكِينَ، مِنَ الصّابِئَةِ عَبْدَةِ الكَواكِبِ كالسُّرْيانِ واليُونانِ، ومِن مُشْرِكِي العَرَبِ، لِأنَّ مُجَرَّدَ حُصُولِ مَعْنى الحَصْرِ بِالعُمُومِ لا يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى إبْطالِ العَقائِدِ الضّالَّةِ، فَهَذِهِ الجُمْلَةُ أفادَتْ تَعْلِيمَ التَّوْحِيدِ بِعُمُومِها، وأفادَتْ إبْطالَ عَقائِدِ أهْلِ الشِّرْكِ بِخُصُوصِيَّةِ القَصْرِ. وجُمْلَةُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لِما أفادَهُ لامُ المِلْكِ مِن شُمُولِ مِلْكِهِ تَعالى لِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، وما تَضَمَّنَهُ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ مِن قَصْرِ ذَلِكَ المِلْكِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرَ قَلْبٍ، فَبَطَلَ وصْفُ الإلَهِيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ، بِالمُطابَقَةِ، وبَطَلَ حَقُّ الإدْلالِ عَلَيْهِ والشَّفاعَةِ عِنْدَهُ - الَّتِي لا تُرَدُّ - بِالِالتِزامِ؛ لِأنَّ الإدْلالَ مِن شَأْنِ المُساوِي والمُقارِبِ، والشَّفاعَةُ إدْلالٌ، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِ مُعْظَمِ مُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّهم لَمْ يُثْبِتُوا لِآلِهَتِهِمْ وطَواغِيتِهِمْ (p-٢١)أُلُوهِيَّةً تامَّةً، بَلْ قالُوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فَأكَّدَ هَذا المَدْلُولَ بِالصَّرِيحِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها. و(ذا) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُشارٌ إلَيْهِ مُعَيَّنٌ، والعَرَبُ تَزِيدُ (ذا) لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الإشارَةُ مِن وُجُودِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الِاسْتِفْهامِ، حَتّى إذا ظَهَرَ عَدَمُ وُجُودِهِ كانَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى أنْ لَيْسَ ثَمَّةَ مُتَطَلِّعٍ يُنَصِّبُ نَفْسَهُ لِادِّعاءِ هَذا الحُكْمِ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَن ذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] . والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والنَّفْيِ بِقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: إلّا بِإذْنِهِ. والشَّفاعَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] . والمَعْنى أنَّهُ لا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ بِحَقٍّ وإدْلالٍ لِأنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها مِلْكُهُ، ولَكِنْ يَشْفَعُ عِنْدَهُ مَن أرادَ هو أنْ يُظْهِرَ كَرامَتَهُ عِنْدَهُ فَيَأْذَنَهُ بِأنْ يَشْفَعَ فِيمَن أرادَ هو العَفْوَ عَنْهُ، كَما يُسْنَدُ إلى الكُبَراءِ مُناوَلَةُ المَكْرُماتِ إلى نُبَغاءِ التَّلامِذَةِ في مَواكِبِ الِامْتِحانِ، ولِذَلِكَ جاءَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِ النّاسُ لِيُكَلِّمَ رَبَّهُ فَيُخَفِّفَ عَنْهم هَوْلَ مَوْقِفِ الحِسابِ، فَيَأْتِي حَتّى يَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ ويَتَكَلَّمَ بِكَلِماتٍ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعالى إيّاها، فَيُقالُ: يا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهُ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ» فَسُجُودُهُ اسْتِيذانٌ في الكَلامِ، ولا يَشْفَعُ حَتّى يُقالَ: اشْفَعْ، وتَعْلِيمُهُ الكَلِماتِ مُقَدَّمَةٌ لِلْإذْنِ. وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ تَقْرِيرٌ وتَكْمِيلٌ لِما تَضَمَّنَهُ مَجْمُوعُ جُمْلَتَيْ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ ولِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ فَإنَّ جُمْلَتَيْ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ دَلَّتا عَلى عُمُومِ عِلْمِهِ بِما حَدَثَ ووُجِدَ مِنَ الأكْوانِ ولَمْ تَدُلّا عَلى عِلْمِهِ بِما سَيَكُونُ فَأكَّدَ وكَمَّلَ بِقَوْلِهِ: (يَعْلَمُ) الآيَةَ، وهي أيْضًا تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ إذْ قَدْ يَتَّجِهُ سُؤالٌ: لِماذا حُرِمُوا الشَّفاعَةَ إلّا بَعْدَ الإذْنِ ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مَن يَسْتَحِقُّ (p-٢٢)الشَّفاعَةَ ورُبَّما غَرَّتْهُمُ الظَّواهِرُ، واللَّهُ يَعْلَمُ مَن يَسْتَحِقُّها، فَهو يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم، ولِأجْلِ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ عَمّا قَبْلَها. والمُرادُ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ما هو مُلاحَظٌ لَهم مِنَ المَعْلُوماتِ وما خَفِيَ عَنْهم أوْ ذُهِلُوا عَنْهُ مِنها، أوْ ما هو واقِعٌ بَعْدَهم وما وقَعَ قَبْلَهم، وأمّا عِلْمُهُ بِما في زَمانِهِمْ فَأحْرى، وقِيلَ: المُسْتَقْبَلُ هو ما بَيْنَ الأيْدِي والماضِي هو الخَلْفُ، وقِيلَ عَكْسُ ذَلِكَ، وهُما اسْتِعْمالانِ مَبْنِيّانِ عَلى اخْتِلافِ الِاعْتِبارِ في تَمْثِيلِ ما بَيْنَ الأيْدِي والخَلْفِ، لِأنَّ ما بَيْنَ أيْدِي المَرْءِ هو أمامُهُ، فَهو يَسْتَقْبِلُهُ ويُشاهِدُهُ ويَسْعى لِلْوُصُولِ إلَيْهِ وما خَلْفَهُ هو ما وراءَ ظَهْرِهِ، فَهو قَدْ تَخَلَّفَ عَنْهُ وانْقَطَعَ ولا يُشاهِدُهُ، وقَدْ تَجاوَزَهُ ولا يَتَّصِلُ بِهِ بَعْدُ، وقِيلَ أُمُورُ الدُّنْيا وأُمُورُ الآخِرَةِ، وهو فَرْعٌ مِنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقِيلَ المَحْسُوساتُ والمَعْقُولاتُ، وأيًّا ما كانَ، فاللَّفْظُ مَجازٌ، والمَقْصُودُ عُمُومُ العِلْمِ بِسائِرِ الكائِناتِ. وضَمِيرُ (أيْدِيهِمْ وخَلْفَهم) عائِدٌ إلى ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ بِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنَ المَخْلُوقاتِ لِأنَّ المُرادَ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ما يَشْمَلُ أحْوالَ غَيْرِ العُقَلاءِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى خُصُوصِ العُقَلاءِ مِن عُمُومِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، فَيَكُونُ المُرادُ ما يَخْتَصُّ بِأحْوالِ البَشَرِ، وهو البَعْضُ، لِضَمِيرِ ”ولا يُحِيطُونَ“ لِأنَّ العِلْمَ مِن أحْوالِ العُقَلاءِ. وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ عَلى جُمْلَةِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ لِأنَّها تَكْمِلَةٌ لِمَعْناها كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] . ومَعْنى (يُحِيطُونَ) يَعْلَمُونَ عِلْمًا تامًّا، وهو مُجازٌ حَقِيقَتُهُ أنَّ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ تَقْتَضِي الِاحْتِواءَ عَلى جَمِيعِ أطْرافِهِ، بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهُ شَيْءٌ في أوَّلِهِ ولا آخِرِهِ، فالمَعْنى: لا يَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ شَيْئًا مِن مَعْلُوماتِهِ، وأمّا ما يَدَّعُونَهُ فَهو رَجْمٌ بِالغَيْبِ، فالعِلْمُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمِهِ﴾ بِمَعْنى العُمُومِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ اسْمِ الجَلالَةِ تَخْصِيصٌ لَهُ بِالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِها ولَمْ يُنَصِّبِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها دَلائِلَ عَقْلِيَّةً أوْ عادِيَّةً، ولِذَلِكَ فَقَوْلُهُ ﴿إلّا بِما شاءَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يُطْلِعُ بَعْضَ أصْفِيائِهِ عَلى ما هو مِن خَواصِّ عِلْمِهِ كَقَوْلِهِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] . (p-٢٣)وقَوْلُهُ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ كُلُّها مِن عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وكِبْرِيائِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وبَيانِ عَظَمَةِ مَخْلُوقاتِهِ المُسْتَلْزِمَةِ عَظَمَةَ شَأْنِهِ، أوْ لِبَيانِ سِعَةِ مُلْكِهِ كَذَلِكَ، كَما سَنُبَيِّنُهُ، وقَدْ وقَعَتْ هَذِهِ الجُمَلُ مُتَرَتِّبَةً مُتَفَرِّعَةً. والكُرْسِيُّ شَيْءٌ يُجْلَسُ عَلَيْهِ مُتَرَكِّبٌ مِن أعْوادٍ أوْ غَيْرِها مَوْضُوعَةٍ كالأعْمِدَةِ مُتَساوِيَةٍ، عَلَيْها سَطْحٌ مِن خَشَبٍ أوْ غَيْرِهِ بِمِقْدارِ ما يَسَعُ شَخْصًا واحِدًا في جُلُوسِهِ، فَإنْ زادَ عَلى مَجْلِسٍ واحِدٍ وكانَ مُرْتَفِعًا فَهو العَرْشُ، ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ حَقِيقَةَ الكُرْسِيِّ، إذْ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِاقْتِضائِهِ التَّحَيُّزَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ. والجُمْهُورُ قالُوا: إنَّ الكُرْسِيَّ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ، ويُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَظَمَتِهِ فَقِيلَ: هو العَرْشُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وهَذا هو الظّاهِرُ؛ لِأنَّ الكُرْسِيَّ لَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ إلّا في هَذِهِ الآيَةِ وتَكَرَّرَ ذِكْرُ العَرْشِ، ولَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُما مُقْتَرِنَيْنِ، فَلَوْ كانَ الكُرْسِيُّ غَيْرَ العَرْشِ لَذُكِرَ مَعَهُ كَما ذُكِرَتِ السَّماواتُ مَعَ العَرْشِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ هو دُونَ العَرْشِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ» وهو حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ مِنَ العَرْشِ، أيْ لِأنَّ الجالِسَ عَلى عَرْشٍ يَكُونُ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ فَيُوضَعُ لَهُ كُرْسِيٌّ لِئَلّا تَكُونَ رِجْلاهُ في الفَضاءِ إذا لَمْ يَتَرَبَّعْ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ مَثَلٌ لِعِلْمِ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّ العالِمَ يَجْلِسُ عَلى كُرْسِيٍّ لِيُعَلِّمَ النّاسَ، وقِيلَ: مَثَلٌ لِمُلْكِ اللَّهِ تَعالى كَما يَقُولُونَ فُلانٌ صاحِبُ كُرْسِيِّ العِراقِ أيْ مُلْكِ العِراقِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَعَلَّهُ الفَلَكُ المُسَمّى عِنْدَهم بِفَلَكِ البُرُوجِ. قُلْتُ: أثْبَتَ القُرْآنُ سَبْعَ سَماواتٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ مُسَمّاها في قَوْلِهِ (سُورَةِ نُوحٍ): ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ طَبَقاتٍ مِنَ الأجْواءِ، مُخْتَلِفَةَ الخَصائِصِ مُتَمايِزَةً بِما يَمْلَأُها مِنَ العَناصِرِ، وهي مَسْحُ الكَواكِبِ، ولَقَدْ قالَ تَعالى (سُورَةُ المُلْكِ): ﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ [الملك: ٥] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السَّماواتُ هي الكَواكِبَ العَظِيمَةَ المُرْتَبِطَةَ بِالنِّظامِ (p-٢٤)الشَّمْسِيِّ وهي فُلْكانَ وعُطارِدُ والزُّهْرَةُ، وهَذِهِ تَحْتَ الشَّمْسِ إلى الأرْضِ، والمِرِّيخُ والمُشْتَرِي، وزُحَلُ، وأُورانُوسُ، ونِبْتُونُ، وهَذِهِ فَوْقَ الشَّمْسِ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ في البُعْدِ، إلّا أنَّها في عِظَمِ الحَجْمِ يَكُونُ أعْظَمَها المُشْتَرِي، ثُمَّ زُحَلُ، ثُمَّ نِبْتُونُ، ثُمَّ أُورانُوسُ، ثُمَّ المِرِّيخُ، فَإذا كانَ العَرْشُ أكْبَرَها فَهو المُشْتَرِي والكُرْسِيُّ دُونَهُ فَهو زُحَلُ، والسَّبْعُ الباقِيَةُ هي المَذْكُورَةُ ويُضَمُّ إلَيْها القَمَرُ. وإنْ كانَ الكُرْسِيُّ هو العَرْشَ فَلا حاجَةَ إلى عَدِّ القَمَرِ، وهَذا هو الظّاهِرُ، والشَّمْسُ مِن جُمْلَةِ الكَواكِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] تَخْصِيصٌ لَها بِالذِّكْرِ لِلِامْتِنانِ عَلى النّاسِ بِأنَّها نُورٌ لِلْأرْضِ إلّا أنَّ الشَّمْسَ أكْبَرُ مِن جَمِيعِها عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وإذا كانَتِ السَّماواتُ أفْلاكًا سَبْعَةً لِشُمُوسٍ غَيْرِ هَذِهِ الشَّمْسِ ولِكُلِّ فَلَكٍ نِظامُهُ كَما لِهَذِهِ الشَّمْسِ نِظامُها فَذَلِكَ جائِزٌ - وسُبْحانَ مَن لا تُحِيطُ بِعَظَمَةِ قُدْرَتِهِ الأفْهامُ - فَيَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَنا إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وسِعَةِ مَلَكُوتِهِ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِما في نَفْسِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُفَصِّلْ لَنا ذَلِكَ لِأنَّ تَفْصِيلَهُ لَيْسَ مِن غَرَضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى عَظَمَتِهِ، ولِأنَّ العُقُولَ لا تَصِلُ إلى فَهْمِهِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عُلُومٍ واسْتِكْمالاتٍ فِيها لَمْ تَتِمَّ إلى الآنَ، ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ. وجُمْلَةُ: ﴿ولا يَئُودُهُ حِفْظُهُما﴾ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ لِأنَّها مِن تَكْمِلَتِها وفِيها ضَمِيرٌ، مَعادُهُ في الَّتِي قَبْلَها، أيْ أنَّ الَّذِي أوْجَدَ هاتِهِ العَوالِمَ لا يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِها. و(آدَهُ) جَعَلَهُ ذا أوَدٍ، والأوَدُ - بِالتَّحْرِيكِ - العِوَجُ، ومَعْنى آدَهُ أثْقَلَهُ لِأنَّ المُثْقَلَ يَنْحَنِي فَيَصِيرُ ذا أوَدٍ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ﴿وهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ لِأنَّهُ مِن تَمامِهِ، والعُلُوُّ والعَظَمَةُ مُسْتَعارانِ لِشَرَفِ القَدْرِ وجَلالِ القُدْرَةِ. ولِهَذِهِ الآيَةِ فَضْلٌ كَبِيرٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أُصُولِ مَعْرِفَةِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى كَما اشْتَمَلَتْ سُورَةُ الإخْلاصِ عَلى ذَلِكَ، وكَما اشْتَمَلَتْ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ. في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ آتِيًا أتاهُ في اللَّيْلِ فَأخَذَ مِن طَعامِ زَكاةِ الفِطْرِ فَلَمّا أمْسَكَهُ قالَ لَهُ: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ لَنْ يَزالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ (p-٢٥)حَتّى تُصْبِحَ» فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «صَدَقَكَ، وذَلِكَ شَيْطانٌ» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: «يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيَّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ مَعَكَ أعْظَمُ ؟ قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ فَضَرَبَ في صَدْرِي وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ» ورَوى النَّسائِيُّ: «مَن قَرَأ آيَةَ الكُرْسِيِّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ إلّا المَوْتُ» وفِيها فَضائِلُ كَثِيرَةٌ مُجَرَّبَةٌ لِلتَّأْمِينِ عَلى النَّفْسِ والبَيْتِ.