ركن التفسير
256 - (لا إكراه في الدين) على الدخول فيه (قد تبين الرشد من الغي) أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي نزلت فيمن كان له من الأنصار أولاد أراد أن يكرههم على الإسلام (فمن يكفر بالطاغوت) الشيطان أو الأصنام وهو يطلق على المفرد والجمع (ويؤمن بالله فقد استمسك) تمسك (بالعروة الوثقى) بالعقد المحكم (لا انفصام) انقطاع (لها والله سميع) بما يقال (عليم) بما يفعل
يقول تعالى "لا إكراه في الدين" أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينه ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار وإن كان حكمها عاما وقال ابن جرير: حدثنا ابن يسار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل الله عز وجل "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" وقد رواه أبو داود والنسائي جميعا عن بندار به ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم أنها نزلت في ذلك وقال محمد بن إسحق عن محمد بن أبي محمد الجرشي عن زيد بن ثابت عن عكرمة أو عن سعيد عن ابن عباس قوله "لا إكراه في الدين" قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله فيه ذلك رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما وطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث في آثارهما فنزلت هذه الآية وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عوف أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسبق قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض علي الإسلام فآبى فيقول "لا إكراه في الدين" ويقول يا أسبق لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام فإن أبى أحد منهم الدخول ولم ينقد له أو يبذل الجزية قوتل حتى يقتل وهذا معنى لا إكراه قال الله تعالى "ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون" وقال تعالى "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين" وفي الصحيح عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونوا من أهل الجنة فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يحيى عن حميد عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل أسلم قال إنى أجدني كارها قال وإن كنت كارها فإنه ثلاثي صحيح ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له أسلم وإن كنت كارها فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص. وقوله "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله ووحد الله فعبده وحده وشهد أن لا إله إلا هو "فقد استمسك بالعروة الوثقى" أي فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم عن أبي إسحق عن حسان هو ابن قائد العبسي قال: قال عمر - رضي الله عنه - إن الجبت السحر والطاغوت الشيطان وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال يقاتل الشجاع عمن لا يعرف ويفر الجبان من أمه وإن كرم الرجل دينه وحسبه خلقه وإن كان فارسيا أو نبطيا وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري عن أبي إسحق عن حسان بن قائد العبسي عن عمر فذكره ومعنى قوله في الطاغوت إنه الشيطان قوي جدا فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها والاستنصار بها. وقوله "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" أي فقد استمسك من الدين بأقوى سبب وشبه ذلك بالعروة الوثقى التي لا تنفصم هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد ولهذا قال "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" الآية قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان وقال السدي: هو الإسلام وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله وعن أنس بن مالك العروة الوثقى القرآن وعن سالم بن أبي الجعد قال هو الحب في الله والبغض في الله وكل هذه الأقوال صحيحة ولا تنافي بينها وقال معاذ بن جبل في قوله "لا انفصام لها" دون دخول الجنة وقال مجاهد وسعيد بن جبير "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها" ثم قرأ "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وقال الإمام أحمد: أنبأنا إسحق بن يوسف حدثنا ابن عوف عن محمد بن قيس بن عبادة قال: كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم هذا رجل من أهل الجنة فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته فلما استأنس قلت له إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا قال سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم وسأحدثك لم: إنى رأيت رؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة خضراء - قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها - وفي وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي اصعد عليه فقلت لا أستطيع فجاءني منصف - قال ابن عون هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال استمسك بالعروة فاستيقظت وإنها لفي يدي فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقصصتها عليه فقال أما الروضة فروضة الإسلام وأما العمود فعمود الإسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى أنت على الإسلام حتى تموت قال وهو عبدالله بن سلام أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالله بن عون فقمت إليه وأخرجه البخاري من وجه آخر عن محمد بن سيرين به. "طريق أخرى وسياق آخر" قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان قالا: أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن خرشة بن الحر قال: قدمت المدينة فجلست إلى مشيخة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقلت له: قال بعض القوم كذا وكذا فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء وإني رأيت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا كأن رجلا أتاني فقال انطلق فذهبت معه فسلك بي منهجا عظيما فعرضت لي طريق عن يساري فأردت أن أسلكها فقال: إنك لست من أهلها ثم عرضت لي طريق عن يميني فسلكتها حتى انتهت إلى جبل زلق فأخذ بيدي فدحا بي فإذا أنا على ذروته فلم أتقار ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فدحا بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك فقلت نعم فضرب العمود برجله فاستمسك بالعروة فقصصتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رأيت خيرا أما المنهج العظيم فالمحشر وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار ولست من أهلها وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام فاستمسك بها حتى تموت قال فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبدالله بن سلام وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر الفزاري به.
﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى لا انْفِصامَ لَها واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافُ بَيانٍ ناشِئٌ عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤] إذْ يَبْدُو لِلسّامِعِ أنَّ القِتالَ لِأجْلِ دُخُولِ العَدُوِّ في الإسْلامِ فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا إكْراهَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى أنَّها مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ. وتَعْقِيبُ آيَةِ الكُرْسِيِّ بِهاتِهِ الآيَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وعَظَمَةِ الخالِقِ وتَنْزِيهِهِ عَنْ شَوائِبِ ما كَفَرَتْ بِهِ الأُمَمُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوقَ ذَوِي العُقُولِ إلى قَبُولِ هَذا الدِّينِ الواضِحِ العَقِيدَةِ، المُسْتَقِيمِ الشَّرِيعَةِ، بِاخْتِيارِهِمْ دُونَ جَبْرٍ ولا إكْراهٍ، ومِن شَأْنِهِ أنْ يَجْعَلَ دَوامَهم عَلى الشِّرْكِ بِمَحَلِّ السُّؤالِ: أيُتْرَكُونَ عَلَيْهِ أمْ يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ، فَكانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. والإكْراهُ الحَمْلُ عَلى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعْلِهِ ذا كَراهِيَةٍ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِتَخْوِيفِ وُقُوعِ ما هو أشَدُّ كَراهِيَةً مِنَ الفِعْلِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. والدِّينُ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] وهو هَنا مُرادُ بِهِ الشَّرْعُ. والتَّعْرِيفُ في (الدِّينِ) لِلْعَهْدِ، أيْ: دِينِ الإسْلامِ. (p-٢٦)ونَفْيُ الإكْراهِ خَبَرٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والمُرادُ نَفْيُ أسْبابِ الإكْراهِ في حُكْمِ الإسْلامِ، أيْ: لا تُكْرِهُوا أحَدًا عَلى اتِّباعِ الإسْلامِ قَسْرًا، وجِيءَ بِنَفْيِ الجِنْسِ لِقَصْدِ العُمُومِ نَصًّا، وهي دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى إبْطالِ الإكْراهِ عَلى الدِّينِ بِسائِرِ أنْواعِهِ، لِأنَّ أمْرَ الإيمانِ يَجْرِي عَلى الِاسْتِدْلالِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ، وبِالِاخْتِيارِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في صَدْرِ الإسْلامِ قِتالُ المُشْرِكِينَ عَلى الإسْلامِ، وفي الحَدِيثِ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَإذا قالُوها عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّها» ولا جائِزٌ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ابْتِداءِ القِتالِ كُلِّهِ، فالظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ واسْتِخْلاصِ بِلادِ العَرَبِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَدُومَ نُزُولُ السُّورَةِ سِنِينَ كَما قَدَّمْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الفاتِحَةِ لا سِيَّما وقَدْ قِيلَ بِأنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ هي في سُورَةِ النِّساءِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] الآيَةَ، فَنَسَخَتْ حُكْمَ القِتالِ عَلى قَبُولِ الكافِرِينَ الإسْلامَ ودَلَّتْ عَلى الِاقْتِناعِ مِنهم بِالدُّخُولِ تَحْتَ سُلْطانِ الإسْلامِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالذِّمَّةِ، ووَضَّحَهُ عَمَلُ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ حِينَ خَلَصَتْ بِلادُ العَرَبِ مِنَ الشَّرَكِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وبَعْدَ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا حِينَ جاءَتْ وُفُودُ العَرَبِ بَعْدَ الفَتْحِ، فَلَمّا تَمَّ مُرادُ اللَّهِ مِن إنْقاذِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ والرُّجُوعِ بِهِمْ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، ومِن تَخْلِيصِ الكَعْبَةِ مِن أرْجاسِ المُشْرِكِينَ، ومِن تَهْيِئَةِ طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ لِحَمْلِ هَذا الدِّينِ وحِمايَةِ بَيْضَتِهِ، وتَبَيَّنَ هَدْيُ الإسْلامِ وزالَ ما كانَ يَحُولُ دُونَ اتِّباعِهِ مِنَ المُكابَرَةِ، وحَقَّقَ اللَّهُ سَلامَةَ بِلادِ العَرَبِ مِنَ الشِّرْكِ كَما وقَعَ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ مِن أنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكم هَذا» لَمّا تَمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ أبْطَلَ اللَّهُ القِتالَ عَلى الدِّينِ وأبْقى القِتالَ عَلى تَوْسِيعِ سُلْطانِهِ، لِذَلِكَ قالَ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ ٢٩ ]: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ ناسِخَةً لِما تَقَدَّمَ مِن آياتِ القِتالِ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . عَلى أنَّ الآياتِ النّازِلَةَ قَبْلَها أوْ بَعْدَها أنْواعٌ ثَلاثَةٌ: أحَدُها آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ الدِّفاعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤] (p-٢٧)وهَذا قِتالٌ لَيْسَ لِلْإكْراهِ عَلى الإسْلامِ بَلْ هو لِدَفْعِ غائِلَةِ المُشْرِكِينَ. النَّوْعُ الثّانِي: آياتٌ أمَرَتْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ ولَمْ تُغَيَّ بِغايَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُها مُقَيَّدًا بِغايَةِ آيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلا تُعارِضُهُ آيَتُنا هَذِهِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . النَّوْعُ الثّالِثُ: ما غُيِّيَ بِغايَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا بِهاتِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] كَما نُسِخَ حَدِيثُ «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ»، هَذا ما يَظْهَرُ لَنا في مَعْنى الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ولِأهْلِ العِلْمِ قَبْلَنا فِيها قَوْلانِ: الأوَّلُ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلّا بِهِ. ولَعَلَّهُما يُرِيدانِ مِنَ النَّسْخِ مَعْنى التَّخْصِيصِ. والِاسْتِدْلالُ عَلى نَسْخِها بِقِتالِ النَّبِيءِ ﷺ العَرَبَ عَلى الإسْلامِ يُعارِضُهُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخَذَ الجِزْيَةَ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، فَوَجْهُ الجَمْعِ هو التَّخْصِيصُ. القَوْلُ الثّانِي: إنَّها مُحْكَمَةٌ ولَكِنَّها خاصَّةٌ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ والحَسَنُ والضَّحّاكُ: هي خاصَّةٌ بِأهْلِ الكِتابِ فَإنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ وإنَّما يُجْبَرُ عَلى الإسْلامِ أهْلُ الأوْثانِ، وإلى هَذا مالَ الشّافِعِيُّ فَقالَ: إنَّ الجِزْيَةَ لا تُؤْخَذُ إلّا مِن أهْلِ الكِتابِ والمَجُوسِ، قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ: وعَلى هَذا فَكُلُّ مَن رَأى قَبُولَ الجِزْيَةِ مِن جِنْسٍ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلَيْهِ، يَعْنِي مَعَ بَقاءِ طائِفَةٍ يَتَحَقَّقُ فِيها الإكْراهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا كانَتِ المَرْأةُ مِنهم مِقْلاتًا - أيْ: لا يَعِيشُ لَها ولَدٌ - تَنْذُرُ إنْ عاشَ لَها ولَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا كانَ كَثِيرٌ مِن أبْناءِ الأنْصارِ يَهُودًا فَقالُوا: لا نَدَعُ أبْناءَنا بَلْ نُكْرِهُهم عَلى الإسْلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ . (p-٢٨)وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في قِصَّةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ أبُو حُصَيْنٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْفٍ ولَهُ ابْنانِ جاءَ تُجّارٌ مِن نَصارى الشّامِ إلى المَدِينَةِ فَدَعَوْهُما إلى النَّصْرانِيَّةِ فَتَنَصَّرا وخَرَجا مَعَهم فَجاءَ أبُوهُما فَشَكا لِلنَّبِيءِ ﷺ وطَلَبَ أنْ يَبْعَثَ مَن يَرُدُّهُما مُكْرَهَيْنِ فَنَزَلَتْ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِنَفْيِ الإكْراهِ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ في إسْلامِ مَن أسْلَمَ كُرْهًا فِرارًا مِنَ السَّيْفِ، عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [النساء: ٩٤] وهَذا القَوْلُ تَأْوِيلٌ في مَعْنى الإكْراهِ وحَمْلٌ لِلنَّفْيِ عَلى الإخْبارِ دُونَ الأمْرِ. وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالدِّينِ التَّوْحِيدُ ودِينٌ لَهُ كِتابٌ سَماوِيٌّ، وإنَّ نَفْيَ الإكْراهِ نَهْيٌ، والمَعْنى لا تُكْرِهُوا السَّبايا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُنَّ أهْلُ دِينٍ وأكْرِهُوا المَجُوسَ مِنهم والمُشْرِكاتِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ واقِعٌ مَوْقِعَ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ ولِذَلِكَ فُصِلَتِ الجُمْلَةُ. و(الرُّشْدُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، وبِفَتْحٍ فَفَتْحٍ، الهُدى وسَدادُ الرَّأْيِ، ويُقابِلُهُ الغَيُّ والسَّفَهُ، والغَيُّ: الضَّلالُ، وأصْلُهُ مَصْدَرُ: غَوى، المُتَعَدِّي، فَأصْلُهُ (غَوِيٌ) قُلِبَتِ الواوُ ياءً ثُمَّ أُدْغِمَتا، وضُمِّنَ (تَبَيَّنَ) مَعْنى: تَمَيَّزَ. فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (مِن) وإنَّما تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِدَعْوَةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ في بَلَدٍ مُسْتَقِلٍّ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ التَّبْيِينِ إلّا الكُفْرُ بِالطّاغُوتِ، وفِيهِ بَيانُ الإكْراهِ في الدِّينِ، إذْ قَدْ تَفَرَّعَ عَنْ تَمَيُّزِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ ظُهُورُ أنَّ مُتَّبِعَ الإسْلامِ مُسْتَمْسِكٌ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى فَهو يَنْساقُ إلَيْهِ اخْتِيارًا. والطّاغُوتُ الأوْثانُ والأصْنامُ، والمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَ الصَّنَمَ الطّاغِيَةَ، وفي الحَدِيثِ «كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ» ويَجْمَعُونَ الطّاغُوتَ عَلى طَواغِيتَ، ولا أحْسَبُهُ إلّا مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الطُّغْيانِ، وهو الِارْتِفاعُ والغُلُوُّ في الكِبْرِ، وهو مَذْمُومٌ ومَكْرُوهٌ، ووَزْنُ طاغُوتٍ عَلى التَّحْقِيقِ طَغَيُوتٌ - فَعَلُوتٌ - مِن أوْزانِ المَصادِرِ (p-٢٩)مِثْلُ مَلَكُوتٍ ورَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ - بَيْنَ عَيْنِهِ ولامِهِ - فَصُيِّرَ إلى فَلَعَوَتٍ طَيَغُوتٍ لِيَتَأتّى قَلْبُ اللّامِ ألِفًا فَصارَتْ طاغُوتًا، ثُمَّ أُزِيلَ عَنْهُ مَعْنى المَصْدَرِ وصارَ اسْمًا لِطائِفَةٍ مِمّا فِيهِ هَذا المَصْدَرُ فَصارَ مِثْلَ مَلَكُوتٍ في أنَّهُ اسْمُ طائِفَةٍ مِمّا فِيهِ مَعْنى المَصْدَرِ، لا مِثْلَ رَحَمُوتٍ ورَهَبُوتٍ في أنَّهُما مَصْدَرانِ، فَتاؤُهُ زائِدَةٌ وجُعِلَ عَلَمًا عَلى الكُفْرِ وعَلى الأصْنامِ، وأصْلُهُ صِفَةٌ بِالمَصْدَرِ ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كَشَأْنِ المَصادِرِ. وعُطِفَ ﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّ نَبْذَ عِبادَةِ الأصْنامِ لا مَزِيَّةَ فِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَوَّضَها بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. ومَعْنى (اسْتَمْسَكَ) تَمَسَّكَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣] وقَوْلِهِ ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وقَوْلِ النّابِغَةِ: فاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جابِرٍ. إذْ لا مَعْنى لِطَلَبِ التَّمَسُّكِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى بَعْدَ الإيمانِ، بَلِ الإيمانُ التَّمَسُّكُ نَفْسُهُ، والعُرْوَةُ بِضَمِّ العَيْنِ ما يُجْعَلُ كالحَلْقَةِ في طَرَفِ شَيْءٍ لِيُقْبَضَ عَلى الشَّيْءِ مِنهُ، فَلِلدَّلْوِ عُرْوَةٌ ولِلْكُوزِ عُرْوَةٌ، وقَدْ تَكُونُ العُرْوَةُ في حَبْلٍ بِأنْ يُشَدَّ طَرَفُهُ إلى بَعْضِهِ ويُعْقَدَ فَيَصِيرَ مِثْلَ الحَلْقَةِ فِيهِ، فَلِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: العُرْوَةُ الوُثْقى مِنَ الحَبْلِ الوَثِيقِ. و(الوُثْقى) المَحْكَمَةُ الشَّدِّ، و﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ: لا انْقِطاعَ، والفَصْمُ القَطْعُ بِتَفْرِيقِ الِاتِّصالِ دُونَ تَجْزِئَةٍ بِخِلافِ القَصْمِ بِالقافِ فَهو قَطْعٌ مَعَ إبانَةٍ وتَجْزِئَةٍ. والِاسْتِمْساكُ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى تَمْثِيلِيٌّ، شُبِّهَتْ هَيْأةُ المُؤْمِنِ في ثَباتِهِ عَلى الإيمانِ بِهَيْئَةِ مَن أمْسَكَ بِعُرْوَةٍ وُثْقى مِن حَبْلٍ، وهو راكِبٌ عَلى صَعْبٍ أوْ في سَفِينَةٍ في هَوْلِ البَحْرِ، وهي هَيْأةٌ مَعْقُولَةٌ شُبِّهَتْ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ في الكَشّافِ: وهَذا تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ بِالمُشاهَدِ، وقَدْ أفْصَحَ عَنْهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ لُقْمانَ إذْ قالَ: مُثِّلَتْ حالُ المُتَوَكِّلِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَدَلّى مِن شاهِقٍ فاحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِأنِ اسْتَمْسَكَ بِأوْثَقِ عُرْوَةٍ مِن حَبْلٍ مَتِينٍ مَأْمُونٍ انْقِطاعُهُ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ ثابِتُ اليَقِينِ سالِمٌ مِنِ اضْطِرابِ القَلْبِ في الدُّنْيا، وهو ناجٍ مِن مَهاوِي السُّقُوطِ في الآخِرَةِ، كَحالِ مِن تَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ حَبْلٍ مَتِينٍ لا يَنْفَصِمُ. (p-٣٠)وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذِهِ فائِدَةٌ لِلْمُؤْمِنِ تَنْفَعُهُ في دُنْياهُ بِأنْ يَكُونَ عَلى الحَقِّ والبَصِيرَةِ وذَلِكَ مِمّا تَطْلُبُهُ النُّفُوسُ، وأشارَتْ إلى فائِدَةِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: واللَّهُ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ الَّذِي هو تَعْرِيضٌ بِالوَعْدِ والثَّوابِ.