ركن التفسير
274 - (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)
هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار والأحوال من سر وجهار حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضا كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضا عام الفتح وفى رواية عام حجة الوداع وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في في امرأتك وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا: حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت قال: سمعت عبدالله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة أخرجاه من حديث شعبة به وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا سليمان بن عبدالرحمن حدثنا محمد بن شعيب قال: سمعت سعيد بن يسار عن يزيد بن عبدالله بن عريب المليكي عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال نزلت هذه الآية "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم" في أصحاب الخيل وقال حنش الصنعاني: عن ابن شهاب عن ابن عباس في هذه الآية قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا يحيى بن يمان عن عبدالوهاب بن مجاهد عن ابن جبير عن أبيه قال: كان لعلي أربعة دراهم فأنفق درهما ليلا ودرهما نهارا ودرهما سرا ودرهما علانية فنزلت "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية" وكذا رواه ابن جرير من طريق عبدالوهاب بن مجاهد وهو ضعيف لكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب وقوله "فلهم أجرهم عند ربهم" أي يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات "ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" تقدم تفسيره.
) قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فيه مسألة واحدة روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله . وذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال : أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال : ( هم أصحاب الخيل ) . وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك ) . وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم جهرا ، ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس . ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك ، ولم يسم عليا ولا غيره . وقال قتادة . هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير . ومعنى ( بالليل والنهار ) في الليل والنهار ، ودخلت الفاء في قوله تعالى : ( فلهم ) لأن في الكلام معنى الجزاء . وقد تقدم . ولا يجوز زيد فمنطلق .
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تُفِيدُ تَعْمِيمَ أحْوالِ فَضائِلِ الإنْفاقِ، بَعْدَ أنْ خُصِّصَ الكَلامُ بِالإنْفاقِ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، فاسْمُ المَوْصُولِ مُبْتَدَأٌ، وجُمْلَةُ ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ خَبَرُ المُبْتَدَأِ. وأُدْخِلَ الفاءُ في خَبَرِ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَسَبُّبِ اسْتِحْقاقِ الأجْرِ عَلى الإنْفاقِ لِأنَّ المُبْتَدَأ لَمّا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى صِلَةٍ مَقْصُودٍ مِنها التَّعْمِيمُ والتَّعْلِيلُ والإيماءُ إلى عِلَّةِ بِناءِ الخَبَرِ عَلى المُبْتَدَأِ وهي (يُنْفِقُونَ) - صَحَّ إدْخالُ الفاءِ في خَبَرِهِ كَما تَدْخُلُ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ أصْلَ الفاءِ الدَّلالَةُ عَلى التَّسَبُّبِ وما أُدْخِلَتْ في جَوابِ الشَّرْطِ إلّا لِذَلِكَ، والسِّرُّ: الخَفاءُ، والعَلانِيَةُ: الجَهْرُ والظُّهُورُ، وذُكِرَ (عِنْدَ رَبِّهِمْ) لِتَعْظِيمِ شَأْنِ الأجْرِ. (p-٧٨)وقَوْلُهُ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] إذْ هو تَهْدِيدٌ لِمانِعِي الصَّدَقاتِ بِإسْلامِ النّاسِ إيّاهم عِنْدَ حُلُولِ المَصائِبِ بِهِمْ، وهَذا بِشارَةٌ لِلْمُنْفِقِينَ بِطِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَلا يَخافُونَ اعْتِداءَ المُعْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أكْسَبَهم مَحَبَّةَ النّاسِ إيّاهم، ولا تَحِلُّ بِهِمُ المَصائِبُ المُحْزِنَةُ إلّا ما لا يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ مِمّا هو مُعْتادٌ في إبّانِهِ. أمّا انْتِفاءُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم في الآخِرَةِ فَقَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ . ورُفِعَ (خَوْفٌ) في نَفْيِ الجِنْسِ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ في الفَرْدِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ مِنَ المَعانِي الَّتِي هي أجْناسٌ مَحْضَةٌ لا أفْرادَ لَها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ومِنهُ ما في حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: «لا حَرٌّ ولا قَرٌّ، ولا مَخافَةٌ ولا سَآمَةٌ» .