موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الاثنين 21 شعبان 1447 هجرية الموافق ل09 فبراير 2026


الآية [61] من سورة  

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ


ركن التفسير

61 - (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام) أي نوع منه (واحد) وهو المن والسلوى (فادع لنا ربك يخرج لنا) شيئا (مما تنبت الأرض من) للبيان (بقلها وقثائها وفومها) حنطتها (وعدسها وبصلها قال) لهم موسى (أتستبدلون الذي هو أدنى) أخس (بالذي هو خير) أشرف أتأخذونه بدله ، والهمزة للإنكار فأبوا أن يرجعوا فدعا الله تعالى (اهبطوا) انزلوا (مصرا) من الأمصار (فإن لكم) فيه (ما سألتم) من النبات (وضربت) جعلت (عليهم الذلة) الذل والهوان (والمسكنة) أي أثر الفقر من السكون والخزي فهي لازمة لهم ، وإن كانوا أغنياء لزوم الدرهم المضروب لسكته (وباؤوا) رجعوا (بغضب من الله ذلك) أي الضرب والغضب (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين) كزكريا ويحيى (بغير الحق) أي ظلما (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) يتجاوزون الحد في المعاصي وكرره للتأكيد

يقول تعالى واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعاما طيبا نافعا هنيئا سهلا واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة من البقول ونحوها مما سألتم قال الحسن البصري فبطروا ذلك فلم يصبروا عليه وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه وكانوا قوما أهل أعداس وبصل وبقل وفوم فقالوا "يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها" وإنما قالوا على طعام واحد وهم يأكلون المن والسلوى لأنه لا يتبدل ولا يتغير كل يوم فهو مأكل واحد. فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة وأما الفوم فقد اختلف السلف في معناه فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء وكذا فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم عنه بالثوم. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن رافع حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحق البصري عن يونس عن الحسن في قوله "وفومها" قال: قال ابن عباس الثوم قال وفي اللغة القديمة فوموا لنا بمعنى اختزوا قال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحا فإنه من الحروف المبدلة كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر وأثافي وأثاثي ومغافير ومغاثير وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاء والثاء فاء لتقارب مخرجيهما والله أعلم وقال آخرون الفوم الحنطة وهو البر الذي يعمل منه الخبز قال: ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبدالأعلى قراءة أنبأنا ابن وهب قراءة حدثني نافع بن أبي نعيم أن ابن عباس سئل عن قول الله "وفومها" ما فومها؟ قال الحنطة. قال ابن عباس. أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول: قد كنت أغنى الناس شخصا واحدا ورد المدينة عن زراعة فوم وقال ابن جرير حدثنا علي بن الحسن حدثنا مسلم الجهني حدثنا عيسى بن يونس عن رشيد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس في قول الله "وفومها" قال الفوم الحنطة بلسان بني هاشم وكذا قال علي بن أبي طلحة والضحاك عن ابن عباس وعكرمة عن ابن عباس أن الفوم الحنطة وقال سفيان الثوري: عن ابن جريج عن مجاهد وعطاء "وفومها" قالا وخبزها. وقال هشيم عن يونس عن الحسن وحصين أبي مالك "وفومها" قال الحنطة وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم فالله أعلم وقال الجوهري: الفوم الحنطة وقال ابن دريد: الفوم السنبلة. وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال وقال بعضهم هو الحمص لغة شامية ومنه يقال لبائعه فامي مغير عن فومي قال البخاري. وقال بعضهم الحبوب التي تؤكل كلها فوم وقوله تعالى "قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى "اهبطوا مصرا" هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف. قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك: وقال ابن عباس "اهبطوا مصرا" من الأمصار رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد البقال سعيد بن المرزبان عن عكرمة عنه قال: وروى عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك وقال ابن جرير وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود "اهبطوا مصر" من غير إجراء يعني من غير صرف ثم روى عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع وعن الأعمش أيضا. قال ابن جرير ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الأجراء أيضا مكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف كما في قوله تعالى "قواريرا قواريرا" ثم توقف في المراد ما هو أمصر فرعون أم مصر من الأمصار وهذا الذي قاله فيه نظر والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره والمعنى على ذلك لأن موسى عليه السلام يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثيرا في أي بلد دخلتموها وجدتموه فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم" أي ما طلبتم ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه والله أعلم يقول تعالى "وضربت عليهم الذلة والمسكنة" أي وضعت عليهم وألزموا بها شرعا وقدرا أي لا يزالون مستذلين من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء مستكينون. وقال الضحاك عن ابن عباس "وضربت عليهم الذلة والمسكنة" قال هم أصحاب القبالات يعني الجزية. وقال عبدالرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة في قوله تعالى "وضربت عليهم الذلة" قال يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون وقال الضحال وضربت عليهم الذلة قال الذل. وقال الحسن أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم تحت أقدام المسلمين ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي الخراج وقال الضحاك الجزية وقوله تعالى "وباءوا بغضب من الله" قال الضحاك استحقوا لغضب من الله وقال الربيع بن أنس فحدث عليهم غضب من الله وقال سعيد بن جبير "وباءوا بغضب من الله" يقول استوجبوا سخطا وقال ابن جرير: يعني بقوله وباءوا بغضب من الله انصرفوا ورجعوا ولا يقال باء إلا موصولا إما بخير وإما بشر يقال منه باء فلان بذنبه يبوء به بوءا وبواء ومنه قوله تعالى "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك" يعني تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب ووجب عليهم من الله سخط. وقوله تعالى "ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق" يقول تعالى هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب بهم من الذلة بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم فلا كفر أعظم من هذا أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الكبر بطر الحق وغمط الناس" وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا إسماعيل عن ابن عون عن عمرو بن سعد عن حميد بن عبدالرحمن قال: قال ابن مسعود كنت لا أحجب عن النجوى ولا عن كذا ولا عن كذا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده مالك بن مرارة الرهاوي فأدركته من آخر حديثه وهو يقول يا رسول الله قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما أليس ذلك هو البغي؟ فقال "لا ليس ذلك من البغي ولكن البغي من بطر أو قال سفه الحق وغمط الناس" يعني رد الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتلهم أنبياءه أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقا قال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبدالله بن مسعود قال كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار وقد قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل عن عبدالله يعني ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين" وقوله تعالى "ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون" وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به والله أعلم.

قوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدونقوله تعالى : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى وتذكروا عيشهم الأول بمصر ، قال الحسن : كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم ، فقالوا : لن نصبر على طعام واحد ، وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان ؛ لأنهم كانوا يأكلون أحدهما بالآخر ، فلذلك قالوا : طعام واحد ، وقيل : لتكرارهما في كل يوم غذاء كما تقول لمن يداوم على الصوم والصلاة والقراءة هو على أمر واحد لملازمته لذلك ، وقيل : المعنى لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا أغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد منا بنفسه ، وكذلك كانوا ، فهم أول من اتخذ العبيد والخدم .قوله تعالى : على طعام الطعام يطلق على ما يطعم ويشرب ، قال الله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني وقال : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا أي : ما شربوه من الخمر على - ما يأتي بيانه - وإن كان السلوى العسل كما حكى المؤرج فهو مشروب أيضا وربما خص بالطعام البر والتمر كما في حديث أبي سعيد الخدري قال : كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير الحديث . والعرف جار بأن القائل : ذهبت إلى سوق الطعام ، فليس يفهم منه إلا موضع بيعه دون غيره مما يؤكل أو يشرب ، والطعم ( بالفتح ) هو ما يؤديه الذوق ، يقال : طعمه مر والطعم أيضا ما يشتهى منه ، يقال : ليس له طعم ، وما فلان بذي طعم إذا كان غثا والطعم ( بالضم ) الطعام ، قال أبو خراش :أرد شجاع البطن لو تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطعم وأغتبق الماء القراح فأنتهيإذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعمأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يشتهى منه ، وقد طعم يطعم فهو طاعم إذا أكل وذاق ، ومنه قوله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني أي : من لم يذقه ، وقال : فإذا طعمتم فانتشروا أي : أكلتم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمزم : إنها طعام طعم وشفاء سقم واستطعمني فلان الحديث إذا أراد أن تحدثه ، وفي الحديث : إذا استطعمكم الإمام فأطعموه يقول إذا استفتح فافتحوا عليه ، وفلان ما يطعم النوم إلا قائما ، وقال الشاعر :نعاما بوجرة صفر الخدو د ما تطعم النوم إلا صياماقوله تعالى : واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض لغة بني عامر " فادع " بكسر العين لالتقاء الساكنين يجرون المعتل مجرى الصحيح ولا يراعون المحذوف ، و " يخرج " مجزوم على معنى : سله وقل له أخرج يخرج ، وقيل : هو على معنى الدعاء على تقدير حذف اللام وضعفه الزجاج و " من " في قوله : " مما " زائدة في قول الأخفش وغير زائدة في قول سيبويه ؛ لأن الكلام موجب ، قال النحاس : وإنما دعا الأخفش إلى هذا ؛ لأنه لم يجد مفعولا ل " يخرج " فأراد أن يجعل " ما " مفعولا ، والأولى أن يكون المفعول محذوفا دل عليه سائر الكلام ، التقدير : يخرج لنا مما تنبت الأرض مأكولا ، ف " من " الأولى على هذا للتبعيض ، والثانية للتخصيص ." من بقلها " بدل من " ما " بإعادة الحرف . و " قثائها " عطف عليه ، وكذا ما بعده فاعلمه ، والقثاء أيضا معروف وقد تضم قافه وهي قراءة يحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف ، لغتان ، والكسر أكثر ، وقيل في جمع قثاء : قثائي مثل علباء وعلابي إلا أن قثاء من ذوات الواو ، تقول : أقثأت القوم أي : أطعمتهم ذلك .وفثأت القدر سكنت غليانها بالماء ، قال الجعدي :تفور علينا قدرهم فنديمها ونفثؤها عنا إذا حميها غلاوفثأت الرجل إذا كسرته عنك بقول أو غيره وسكنت غضبه ، وعدا حتى أفثأ أي : أعيا وانبهر وأفثأ الحر أي : سكن وفتر ومن أمثالهم في اليسير من البر قولهم إن الرثيئة تفثأ في الغضب ، وأصله أن رجلا كان غضب على قوم ، وكان مع غضبه جائعا فسقوه رثيئة فسكن غضبه وكف عنهم . الرثيئة اللبن المحلوب على الحامض ليخثر ، رثأت اللبن رثأ إذا حلبته على حامض فخثر ، والاسم الرثيئة وارتثأ اللبن خثر .وروى ابن ماجه ، حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة وهذا إسناد صحيحقوله تعالى : " وفومها " اختلف في الفوم ، فقيل : هو الثوم ؛ لأنه المشاكل للبصل ، رواه جويبر عن الضحاك والثاء تبدل من الفاء كما قالوا : مغافير ومغاثير ، وجدث وجدف للقبر ، وقرأ ابن مسعود " ثومها " بالثاء المثلثة ، وروي ذلك عن ابن عباس وقال أمية بن أبي الصلت :كانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة فيها الفراديس والفومان والبصلالفراديس واحدها فرديس وكرم مفردس أي : معرش .وقال حسان :وأنتم أناس لئام الأصول طعامكم الفوم والحوقليعني الثوم والبصل وهو قول الكسائي والنضر بن شميل وقيل : الفوم الحنطة روي عن ابن عباس - أيضا - وأكثر المفسرين ، واختاره النحاس قال : وهو أولى ، ومن قال به أعلى وأسانيده صحاح ، وليس جويبر بنظير لروايته وإن كان الكسائي والفراء قد اختارا القول الأول لإبدال العرب الفاء من الثاء ، والإبدال لا يقاس عليه وليس ذلك بكثير في كلام العرب ، وأنشد ابن عباس - لمن سأله عن الفوم وأنه الحنطة - قول أحيحة بن الجلاح :قد كنت أغنى الناس شخصا واجدا ورد المدينة عن زراعة فوموقال أبو إسحاق الزجاج : وكيف يطلب القوم طعاما لا بر فيه والبر أصل الغذاء ، وقال الجوهري أبو نصر : الفوم الحنطة وأنشد الأخفش :قد كنت أحسبني كأغنى واجد نزل المدينة عن زراعة فوموقال ابن دريد الفومة السنبلة وأنشد :وقال ربيئهم لما أتانا بكفه فومة أو فومتانوالهاء في " كفه " غير مشبعة ، وقال بعضهم : الفوم الحمص - لغة شامية - وبائعه فامي مغير عن فومي ؛ لأنهم قد يغيرون في النسب ، كما قالوا : سهلي ودهري . ويقال : فوموا لنا أي : اختبزوا . قال الفراء : هي لغة قديمة . وقال عطاء وقتادة : الفوم كل حب يختبز .مسألة : اختلف العلماء في أكل البصل والثوم وما له رائحة كريهة من سائر البقول ، فذهب جمهور العلماء إلى إباحة ذلك ، للأحاديث الثابتة في ذلك وذهبت طائفة من أهل الظاهر القائلين بوجوب الصلاة في الجماعة فرضا إلى المنع ، وقالوا : كل ما منع من إتيان الفرض والقيام به فحرام عمله والتشاغل به . واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها خبيثة ، والله عز وجل قد وصف نبيه عليه السلام بأنه يحرم الخبائث . ومن الحجة للجمهور ما ثبت عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي ببدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا ، قال : فأخبر بما فيها من البقول ، فقال ( قربوها ) إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها ، قال : كل فإني أناجي من لا تناجي . أخرجه مسلم وأبو داود . فهذا بين في الخصوص له والإباحة لغيره . وفي صحيح مسلم أيضا عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل على أبي أيوب ، فصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما فيه ثوم ، فلما رد إليه سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له : لم يأكل ففزع وصعد إليه فقال : أحرام هو ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ولكني أكرهه ) . قال فإني أكره ما تكره أو ما كرهت ، قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى ( يعني يأتيه الوحي ) فهذا نص على عدم التحريم . وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أكلوا الثوم زمن خيبر وفتحها : أيها الناس ، إنه ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها فهذه الأحاديث تشعر بأن الحكم خاص به ، إذ هو المخصوص بمناجاة الملك . لكن قد علمنا هذا الحكم في حديثجابر بما يقتضي التسوية بينه وبين غيره في هذا الحكم حيث قال : من أكل من هذه البقلة الثوم ، وقال مرة من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث فيه طول : إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين ، هذا البصل والثوم . ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع ، فمن أكلهما فليمتهما طبخا . خرجه مسلم .قوله تعالى : وعدسها وبصلها العدس معروف . والعدسة : بثرة تخرج بالإنسان ، وربما قتلت وعدس : زجر للبغال ، قال [ يزيد بن مفرغ ] :عدس ما لعباد عليك إمارة نجوت وهذا تحملين طليقوالعدس : شدة الوطء ، والكدح أيضا ، يقال : عدسه . وعدس في الأرض : ذهب فيها . وعدست إليه المنية أي : سارت ، قال الكميت :أكلفها هول الظلام ولم أزل أخا الليل معدوسا إلي وعادساأي : يسار إلي بالليل . وعدس : لغة في حدس ، قاله الجوهري . ويؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي أنه قال : عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس ، وإنه يرق القلب ويكثر الدمعة ، فإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ابن مريم ، ذكره الثعلبي وغيره . وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ، ويوما بلحم ، ويوما بعدس . قال الحليمي : والعدس والزيت طعام الصالحين ، ولو لم يكن له فضيلة إلا أنه ضيافة إبراهيم عليه السلام في مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية . وهو مما يخفف البدن فيخف للعبادة ، لا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم . والحنطة من جملة الحبوب ، وهي الفوم على الصحيح ، والشعير قريب منها وكان طعام أهل المدينة ، كما كان العدس من طعام قرية إبراهيم عليه السلام ، فصار لكل واحد من الحبتين بأحد النبيين عليهما السلام فضيلة ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشبع هو وأهله من خبز بر ثلاثة أيام متتابعة منذ قدم المدينة إلى أن توفاه الله عز وجلقوله تعالى : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير الاستبدال : وضع الشيء موضع الآخر ، ومنه البدل ، وقد تقدم . وأدنى مأخوذ عند الزجاج من الدنو أي : القرب في القيمة ، من قولهم : ثوب مقارب ، أي : قليل الثمن . وقال علي بن سليمان : هو مهموز من الدنيء البين الدناءة بمعنى الأخس ، إلا أنه خفف همزته . وقيل : هو مأخوذ من الدون أي : الأحط ، فأصله أدون ، أفعل ، قلب فجاء أفلع ، وحولت الواو ألفا لتطرفها . وقرئ في الشواذ أدنى . ومعنى الآية : أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل الذي هو أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير .واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة :الأول : أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل ، قاله الزجاج .الثاني : لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل - كان أدنى في هذا الوجه .الثالث : لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه ، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة .الرابع : لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب ، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب - كان أدنى .الخامس : لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه ، كانت أدنى من هذا الوجه .مسألة : في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي هذا المعنى في " المائدة " و " النحل " إن شاء الله مستوفى .قوله تعالى : اهبطوا مصرا تقدم معنى الهبوط ، وهذا أمر معناه التعجيز ، كقوله تعالى : قل كونوا حجارة أو حديدا لأنهم كانوا في التيه وهذا عقوبة لهم . وقيل : إنهم أعطوا ما طلبوه . و " مصرا " - بالتنوين منكرا - قراءة الجمهور ، وهو خط المصحف ، قال مجاهد وغيره : فمن صرفها أراد مصرا من الأمصار غير معين . وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله : اهبطوا مصرا قال : مصرا من هذه الأمصار . وقالت طائفة ممن صرفها أيضا : أراد مصر فرعون بعينها . استدل الأولون بما اقتضاه ظاهر القرآن من أمرهم دخول القرية ، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه . واستدل الآخرون بما في القرآن من أن الله أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم ، وأجازوا صرفها . قال الأخفش والكسائي : لخفتها وشبهها بهند ودعد ، وأنشد :لم تتلفع بفضل مئزرها دعد ولم تسق دعد في العلبفجمع بين اللغتين . وسيبويه والخليل والفراء لا يجيزون هذا ؛ لأنك لو سميت امرأة بزيد لم تصرف . وقال غير الأخفش : أراد المكان فصرف . وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وطلحة : " مصر " بترك الصرف . وكذلك هي في مصحف أبي بن كعب وقراءة ابن مسعود . وقالوا : هي مصر فرعون . قال أشهب قال لي مالك : هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون ، ذكره ابن عطية والمصر أصله في اللغة الحد . ومصر الدار : حدودها . قال ابن فارس ويقال : إن أهل هجر يكتبون في شروطهم " اشترى فلان الدار بمصورها " أي : حدودها ، قال عدي :وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلاقوله تعالى : فإن لكم ما سألتم " ما " نصب بإن ، وقرأ ابن وثاب والنخعي سألتم بكسر السين ، يقال : سألت وسلت بغير همز . وهو من ذوات الواو ، بدليل قولهم : يتساولان .ومعنى وضربت عليهم الذلة والمسكنة أي : ألزموهما وقضي عليهم بهما ، مأخوذ من ضرب القباب ، قال الفرزدق في جرير :ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزلوضرب الحاكم على اليد ، أي : حمل وألزم . والذلة : الذل والصغار . والمسكنة : الفقر . فلا يوجد يهودي ، وإن كان غنيا خاليا من زي الفقر وخضوعه ومهانته . وقيل : الذلة فرض الجزية عن الحسن وقتادة . والمسكنة الخضوع ، وهي مأخوذة من السكون ، أي : قلل الفقر حركته ، قاله الزجاج . وقال أبو عبيدة : الذلة الصغار . والمسكنة مصدر المسكين . وروى الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس : وضربت عليهم الذلة والمسكنة قال : هم أصحاب القبالات .قوله تعالى : وباءوا أي : انقلبوا ورجعوا ، أي : لزمهم ذلك . ومنه قوله عليه السلام في دعائه ومناجاته : ( أبوء بنعمتك علي ) أي : أقر بها وألزمها نفسي . وأصله في اللغة : الرجوع ، يقال : باء بكذا ، أي : رجع به ، وباء إلى المباءة وهي المنزل أي : رجع . والبواء : الرجوع بالقود . وهم في هذا الأمر بواء ، أي : سواء ، يرجعون فيه إلى معنى واحد . وقال الشاعر :ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي محارمنا لا يبؤؤ الدم بالدمأي : لا يرجع الدم بالدم في القود . وقال :فآبوا بالنهاب وبالسبايا وأبنا بالملوك مصفديناأي : رجعوا ورجعنا . وقد تقدم معنى الغضب في الفاتحة .قوله تعالى : ذلك ( ذلك ) تعليل . بأنهم كانوا يكفرون أي : يكذبون بآيات الله أي : بكتابه ومعجزات أنبيائه ، كعيسى ويحيى وزكريا ومحمد عليهم السلام . ويقتلون النبيين معطوف على يكفرون . وروي عن الحسن " يقتلون " وعنه أيضا كالجماعة . وقرأ نافع " النبيئين " بالهمز حيث وقع في القرآن إلا في موضعين : في سورة الأحزاب : إن وهبت نفسها للنبي إن أراد . و لا تدخلوا بيوت النبي إلا فإنه قرأ بلا مد ولا همز . وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين . وترك الهمز في جميع ذلك الباقون . فأما من همز فهو عنده من أنبأ إذا أخبر ، واسم فاعله منبئ . ويجمع نبيء أنبياء ، وقد جاء في جمع نبي نبآء ، قال العباس بن مرداس السلمي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم :يا خاتم النبآء إنك مرسل بالحق كل هدى السبيل هداكاهذا معنى قراءة الهمز . واختلف القائلون بترك الهمز ، فمنهم من اشتق اشتقاق من همز ، ثم سهل الهمز . ومنهم من قال : هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر . فالنبي من النبوة وهو الارتفاع ، فمنزلة النبي رفيعة . والنبي بترك الهمز أيضا الطريق ، فسمي الرسول نبيا لاهتداء الخلق به كالطريق ، قال الشاعر [ أوس بن حجر ] :لأصبح رتما دقاق الحصى مكان النبي من الكاثبرتمت الشيء : كسرته ، يقال : رتم أنفه ورثمه ، بالتاء والثاء جميعا . والرتم أيضا المرتوم أي : المكسور . والكاثب اسم جبل . فالأنبياء لنا كالسبل في الأرض . ويروى أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : السلام عليك يا نبيء الله ، وهمز . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لست بنبيء الله - وهمز - ولكني نبي الله ولم يهمز . قال أبو علي : ضعف سند هذا الحديث ، ومما يقوي ضعفه أنه عليه السلام قد أنشده المادح : يا خاتم النبآء . . . ولم يؤثر في ذلك إنكار .قوله تعالى : بغير الحق تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه .فإن قيل : هذا دليل على أنه قد يصح أن يقتلوا بالحق ، ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يقتلون به . قيل له : ليس كذلك ، وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظلم وليس بحق ، فكان هذا تعظيما للشنعة عليهم ، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق ، ولكن يقتل على الحق ، فصرح قوله : بغير الحق عن شنعة الذنب ووضوحه ، ولم يأت نبي قط بشيء يوجب قتله .فإن قيل : كيف جاز أن يخلي بين الكافرين وقتل الأنبياء ؟ قيل : ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم ، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين ، وليس ذلك بخذلان لهم . قال ابن عباس والحسن : لم يقتل نبي قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال ، وكل من أمر بقتال نصر .قوله تعالى : ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ذلك رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه . والباء في " بما " باء السبب . قال الأخفش : أي : بعصيانهم . والعصيان : خلاف الطاعة . واعتصت النواة إذا اشتدت . والاعتداء : تجاوز الحد في كل شيء ، وعرف في الظلم والمعاصي .

﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها بِأُسْلُوبٍ واحِدٍ. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ جارٍ عَلى ما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ وما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ قَبْلَها هو مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَحْضَةً أوْ مَخْلُوطَةً بِسُوءِ شُكْرِهِمْ وبِتَرَتُّبِ النِّعْمَةِ عَلى ذَلِكَ الصَّنِيعِ بِالعَفْوِ ونَحْوِهِ كَما تَقَدَّمَ، فالظّاهِرُ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ نِعْمَةً أيْضًا. ولِلْمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ في الإشارَةِ إلَيْها فَيُؤْخَذُ مِن كَلامِ الفَخْرِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ هو كالإجابَةِ لِما طَلَبُوهُ، يَعْنِي والإجابَةُ إنْعامٌ. ولَوْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى دُخُولِ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى، ولا يَخْفى أنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ إعْطاءَهم ما سَألُوهُ لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ. ويُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ الَّذِي صَدَّرَ الفَخْرُ بِنَقْلِهِ ووَجَّهَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ أنَّ سُؤالَهم تَعْوِيضَ المَنِّ والسَّلْوى بِالبَقْلِ ونَحْوِهِ مَعْصِيَةٌ لِما فِيهِ مِن كَراهَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلَيْهِمْ إذْ عَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِها (p-٥٢١)بِالصَّبْرِ، والصَّبْرُ هو حَمْلُ النَّفْسِ عَلى الأمْرِ المَكْرُوهِ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ فَيَكُونُ مَحَلُّ النِّعْمَةِ هو الصَّفْحَ عَنْ هَذا الذَّنْبِ والتَّنازُعَ مَعَهم إلى الإجابَةِ بِقَوْلِهِ: اهْبِطُوا، ولا يَخْفى أنَّ هَذا بَعِيدٌ إذْ لَيْسَ في قَوْلِهِ اهْبِطُوا إنْعامٌ عَلَيْهِمْ ولا في سُؤالِهِمْ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَصَوْا لِأنَّ طَلَبَ الِانْتِقالِ مِن نِعْمَةٍ لِغَيْرِها لِغَرَضٍ مَعْرُوفٍ لا يُعَدُّ مَعْصِيَةً كَما بَيَّنَهُ الفَخْرُ. فالَّذِي عِنْدِي في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّها انْتِقالٌ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ المُعْقَبَةِ بِنِعَمٍ أُخْرى إلى بَيانِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ في شَهَواتِهِمْ والِاخْتِيارُ دَلِيلُ عَقْلِ اللَّبِيبِ، وإنْ كانَ يَخْتارُ مُباحًا، مَعَ ما في صِيغَةِ طَلَبِهِمْ مِنَ الجَفاءِ وقِلَّةِ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ومَعَ المُنْعِمِ إذْ قالُوا لَنْ نَصْبِرَ فَعَبَّرُوا عَنْ تَناوُلِ المَنِّ والسَّلْوى بِالصَّبْرِ المُسْتَلْزِمِ الكَراهِيَةَ، وأتَوْا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”لَنْ“ في حِكايَةِ كَلامِهِمْ مِن أنَّهم لا يَتَناوَلُونَ المَنَّ والسَّلْوى مِنَ الآنَ فَإنَّ (لَنْ) تَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ النَّفْيِ لِأزْمِنَةِ فِعْلِ نَصْبِرُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها وهو مَعْنى التَّأبِيدِ وفي ذَلِكَ إلْجاءٌ لِمُوسى أنْ يُبادِرَ بِالسُّؤالِ يَظُنُّونَ أنَّهم أيْأسُوهُ مِن قَبُولِ المَنِّ والسَّلْوى بَعْدَ ذَلِكَ الحِينِ، فَكانَ جَوابُ اللَّهِ لَهم في هَذِهِ الطَّلِبَةِ أنْ قَطَعَ عِنايَتَهُ بِهِمْ وأهْمَلَهم ووَكَلَهم إلى نُفُوسِهِمْ ولَمْ يُرِهِمْ ما عَوَّدَهم مِن إنْزالِ الطَّعامِ وتَفْجِيرِ العُيُونِ بَعْدَ فَلْقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ، بَلْ قالَ لَهُمُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ فَأمَرَهم بِالسَّعْيِ لِأنْفُسِهِمْ وكَفى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا وتَوْبِيخًا، قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطاءِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: مِن جَهْلِ المُرِيدِ أنْ يُسِيءَ الأدَبَ فَتُؤَخَّرَ العُقُوبَةُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَوْ كانَ في هَذا إساءَةٌ لَعُوقِبْتُ فَقَدْ يُقْطَعُ المَدَدُ عَنْهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا مَنعُ المَزِيدِ، وقَدْ يُقامُ مَقامَ البُعْدِ مِن حَيْثُ لا يَدْرِي. ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا أنْ يُخَلِّيَكَ وما تُرِيدُ، والمَقْصِدُ مِن هَذا أنْ يَنْتَقِلَ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ إلى بَيانِ تَلَقِّيهِمْ لَها بِالِاسْتِخْفافِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى ذِكْرِ انْقِلابِ أحْوالِهِمْ وأسْبابِ خِذْلانِهِمْ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِمُقْتَضِي كَوْنِ السُّؤالِ مَعْصِيَةً فَإنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ وحِرْمانَ الفَضائِلِ لَيْسَتْ مِن آثارِ خِطابِ التَّكْلِيفِ ولَكِنَّها مِن أشْباهِ خِطابِ الوَضْعِ تَرْجِعُ إلى تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها وذَلِكَ مِن نَوامِيسِ نِظامِ العالَمِ؛ وإنَّما الَّذِي يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً هو العِقابُ الأُخْرَوِيُّ وبِهَذا زالَتِ الحَيْرَةُ وانْدَفَعَ كُلُّ إشْكالٍ وانْتَظَمَ سِلْكُ الكَلامِ. وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى قِصَّةٍ ذَكَرَتْها التَّوْراةُ مُجْمَلَةً مُنْتَثِرَةً وهي أنَّهم لَمّا ارْتَحَلُوا مِن بَرِّيَّةِ سِينا مِن حُورِيبَ ونَزَلُوا في بَرِّيَّةِ فارانَ في آخِرِ الشَّهْرِ الثّانِي مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الخُرُوجِ سائِرِينَ إلى جِهاتِ حَبْرُونَ فَقالُوا تَذَكَّرْنا السَّمَكَ الَّذِي كُنّا نَأْكُلُهُ في مِصْرَ (p-٥٢٢)مَجّانًا أيْ يَصْطادُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ والقِثّاءَ والبِطِّيخَ والكُرّاثَ والبَصَلَ والثُّومَ وقَدْ يَبِسَتْ نُفُوسُنا فَلا نَرى إلّا هَذا المَنَّ فَبَكَوْا، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَألَهُ مُوسى العَفْوَ فَعَفا عَنْهم وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوى فادَّخَرُوا مِنها طَعامَ شَهْرٍ كامِلٍ. والتَّعْبِيرُ بِلَنِ المُفِيدَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لِأداءِ مَعْنى كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ هُنا في شِدَّةِ الضَّجَرِ وبُلُوغِ الكَراهِيَةِ مِنهم حَدَّها الَّذِي لا طاقَةَ عِنْدَهُ. فَإنَّ التَّأْبِيدَ يُفِيدُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ في جَمِيعِ أجْزاءِ الأبَدِ أوَّلِها وآخِرِها، فَلَنْ في نَفْيِ الأفْعالِ مِثْلُ لا التَّبْرِئَةِ في نَفْيِ النَّكِراتِ. ووَصَفُوا الطَّعامَ بِواحِدٍ وإنْ كانَ هو شَيْئَيْنِ المَنُّ والسَّلْوى لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ مُتَكَرِّرٌ كُلَّ يَوْمٍ. وجُمْلَةُ يُخْرِجْ لَنا إلى آخِرِها هي مَضْمُونُ ما طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ فَهي في مَعْنى مَقُولِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ ”قُلْ لِرَبِّكَ يُخْرِجْ لَنا“، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ”أنْ يُخْرِجَ“ لَنا فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى الإتْيانِ بِفِعْلٍ مَجْزُومٍ في صُورَةِ جَوابِ طَلَبِهِمْ إيماءً إلى أنَّهم واثِقُونَ بِأنَّهُ إنْ دَعا رَبَّهُ أجابَهُ حَتّى كَأنَّ إخْراجَ ما تُنْبِتُ الأرْضُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ دُعاءِ مُوسى رَبَّهُ، وهَذا أُسْلُوبٌ تُكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١] ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وهو كَثِيرٌ فَهو بِمَنزِلَةِ شَرْطٍ وجَزاءٍ كَأنَّهُ قِيلَ إنْ تَدْعُ رَبَّكَ بِأنْ يُخْرِجَ لَنا يُخْرِجْ لَنا، وهَذا بِتَنْزِيلِ سَبَبِ السَّبَبِ مَنزِلَةَ السَّبَبِ فَجَزَمَ الفِعْلَ المَطْلُوبَ في جَوابِ الأمْرِ بِطَلَبِهِ لِلَّهِ لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِثِقَتِهِمْ بِإجابَةِ اللَّهِ تَعالى دَعْوَةَ مُوسى، وفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلى إيجادِ ما عُلِّقَ عَلَيْهِ الجَوابُ كَأنَّهُ أمْرٌ في مُكْنَتِهِ. فَإذا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ شَحَّ عَلَيْهِمْ بِما فِيهِ نَفْعُهم. والإخْراجُ: الإبْرازُ مِنَ الأرْضِ، (ومِنَ) الأُولى تَبْعِيضِيَّةٌ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ أوِ الثّانِيَةُ أيْضًا تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّهم لا يَطْلُبُونَ جَمِيعَ البَقْلِ بَلْ بَعْضَهُ، وفِيهِ تَسْهِيلٌ عَلى المَسْئُولِ ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿مِن بَقْلِها﴾) حالًا مِن ما أوْ هو بَدَلٌ مِن ما تُنْبِتُ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعَنِ الحَسَنِ ”كانُوا قَوْمَ فِلاحَةٍ فَنَزَعُوا إلى عِكْرِهِمْ“ وقَدِ اخْتُلِفَ في الفُومِ فَقِيلَ هو الثُّومُ بِالمُثَلَّثَةِ وإبْدالُ الثّاءِ فاءً شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ كَما قالُوا: جَدَثٌ وجَدَفٌ، وثَلَغٌ وفَلَغٌ، وهَذا هو الأظْهَرُ والمُوافِقُ لِما عُدَّ مَعَهُ ولِما في التَّوْراةِ. وقِيلَ الفُومُ الحِنْطَةُ وأنْشَدَ الزَّجّاجُ لَأُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ: ؎قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا ورَدَ المَدِينَةِ مِن مَزارِعِ فُومِ (p-٥٢٣)يُرِيدُ مَزارِعَ الحِنْطَةِ وقِيلَ الفُومُ الحِمَّصُ بِلُغَةِ أهْلِ الشّامِ. وقَوْلُهُ ﴿قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ هو مِن كَلامِ مُوسى وقِيلَ مِن كَلامِ اللَّهِ وهو تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ لِأنَّهُ جَرَّدَهُ عَنِ المُقْنِعاتِ وعَنِ الزَّجْرِ، واقْتَصَرَ عَلى الِاسْتِفْهامِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّعَجُّبُ فالتَّوْبِيخُ. وفي الِاسْتِبْدالِ لِلْخَيْرِ بِالأدْنى النِّداءُ بِنِهايَةِ حَماقَتِهِمْ وسُوءِ اخْتِيارِهِمْ. وقَوْلُهُ أتَسْتَبْدِلُونَ السِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الحَدَثِ ولَيْسَ لِلطَّلَبِ فَهو كَقَوْلِهِ واسْتَغْنى اللَّهُ وقَوْلُهُمُ اسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ، واسْتَكْبَرَ بِمَعْنى تَكَبَّرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] في سُورَةِ الإنْسانِ. وفِعْلُ اسْتَبْدَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ البَدَلِ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلَ شَبَهٍ، ويُقالُ بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الدّالِ مِثْلَ شِبْهٍ ويُقالُ بَدِيلٌ مِثْلُ شَبِيهٍ وقَدْ سُمِعَ في مُشْتَقّاتِهِ اسْتَبْدَلَ وأبْدَلَ وبَدَّلَ وتَبَدَّلَ وكُلُّها أفْعالٌ مَزِيدَةٌ ولَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وكَأنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِهَذِهِ المَزِيدَةِ عَنِ المُجَرَّدِ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] أنَّ اسْتَبْدَلَ هو أصْلُها وأكْثَرُها وأنَّ تَبَدَّلَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ والتَّفَعُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ غَزِيرٌ ومِنهُ التَّعَجُّلُ بِمَعْنى الِاسْتِعْجالِ والتَّأخُّرُ بِمَعْنى الِاسْتِئْخارِ. وجَمِيعُ أفْعالِ مادَّةِ البَدَلِ تَدُلُّ عَلى جَعْلِ شَيْءٍ مَكانَ شَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّواتِ أوِ الصِّفاتِ أوْ عَنْ تَعْوِيضِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّواتِ أوِ الصِّفاتِ. ولَمّا كانَ مَعْنى الحَدَثِ المَصُوغِ مِنهُ الفِعْلُ اقْتَضَتْ هَذِهِ الأفْعالُ تَعْدِيَةً إلى مُتَعَلِّقَيْنِ إمّا عَلى وجْهِ المَفْعُولِيَّةِ فِيهِما مَعًا مِثْلَ تَعَلُّقِ فِعْلِ الجَعْلِ، وإمّا عَلى وجْهِ المَفْعُولِيَّةِ في أحَدِهِما والجَرِّ لِلْآخَرِ مِثْلَ مُتَعَلَّقَيْ أفْعالِ التَّعْوِيضِ كاشْتَرى وهَذا هو الِاسْتِعْمالُ الكَثِيرُ، فَإذا تَعَدّى الفِعْلُ إلى مَفْعُولَيْنِ نَحْوَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] كانَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو المُزالَ والثّانِي هو الَّذِي يَخْلُفُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] . ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلِهِمْ أبْدَلْتُ الحَلْقَةَ خاتَمًا، وإذْ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وتَعَدَّتْ إلى الآخَرِ بِالباءِ وهو الأكْثَرُ فالمَنصُوبُ هو المَأْخُوذُ والمَجْرُورُ هو المَبْذُولُ نَحْوَ قَوْلِهِ هُنا ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ (p-٥٢٤)سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨] وقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] وقَدْ يُجَرُّ المَعْمُولُ الثّانِي الَّتِي هي بِمَعْنى باءِ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِ أبِي الشِّيصِ: ؎بُدِّلْتُ مِن مُرْدِ الشَّبابِ مُلاءَةً ∗∗∗ خَلَقًا وبِئْسَ مَثُوبَةُ المُقْتاضِ وقَدْ يُعْدَلُ عَنْ تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى الشَّيْءِ المُعَوَّضِ ويُعَدّى إلى آخِذِ العِوَضِ فَيَصِيرُ مِن بابِ أعْطى فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ ويُنَبِّهُ عَلى المَتْرُوكِ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن نَحْوِ مِن كَذا، وبَعْدَ كَذا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمُ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] التَّقْدِيرُ لِيُبَدِّلَنَّ خَوْفَهم أمْنًا هَذا تَحْرِيرُ طَرِيقِ اسْتِعْمالِ هَذِهِ الأفْعالِ. ووَقَعَ في الكَشّافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] ما يَقْتَضِي أنَّ فِعْلَ بَدَّلَ لَهُ اسْتِعْمالٌ غَيْرَ اسْتِعْمالِ فِعْلِ اسْتَبْدَلَ وتَبَدَّلَ بِأنَّهُ إذا عُدِّيَ إلى المَعْمُولِ الثّانِي بِالباءِ كانَ مَدْخُولُ الباءِ هو المَأْخُوذَ وكانَ المَنصُوبُ هو المَتْرُوكَ والمُعْطِيَ فَقَرَّرَهُ القُطْبُ في شَرْحِهِ بِما ظاهِرُهُ أنَّ بَدَّلَ لا يَكُونُ في مَعْنى تَعْدِيَتِهِ إلّا مُخالِفًا لِتَبَدَّلَ واسْتَبْدَلَ، وقَرَّرَهُ التَّفْتَزانِيُّ بِأنَّ فِيهِ اسْتِعْمالَيْنِ إذا تَعَدّى إلى المَعْمُولِ الثّانِي بِالباءِ أحَدُهُما يُوافِقُ اسْتِعْمالَ تَبَدَّلَ والآخَرُ بِعَكْسِهِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنْ لا فَرْقَ بَيْنَ بَدَّلَ وتَبَدَّلَ واسْتَبْدَلَ وأنَّ كَلامَ الكَشّافِ مُشْكِلٌ وحَسْبُكَ أنَّهُ لا يُوجَدُ في كَلامِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ ولا في كَلامِهِ نَفْسِهِ في كِتابِ الأساسِ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ اهْبِطُوا لِلْإباحَةِ المَشُوبَةِ بِالتَّوْبِيخِ أيْ إنْ كانَ هَذا هَمَّكم فاهْبِطُوا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ فالمَعْنى ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ مِنَ الأمْصارِ يَعْنِي وفِيهِ إعْراضٌ عَنْ طَلَبِهِمْ إذْ لَيْسَ حَوْلَهم يَوْمَئِذٍ بَلَدٌ قَرِيبٌ يَسْتَطِيعُونَ وُصُولَهُ. وقِيلَ أرادَ اهْبِطُوا مِصْرَ أيْ بَلَدَ مِصْرَ بَلَدَ القِبْطِ أيِ ارْجِعُوا إلى مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنها والأمْرُ لِمُجَرَّدِ التَّوْبِيخِ إذْ لا يُمْكِنُهُمُ الرُّجُوعُ إلى مِصْرَ. واعْلَمْ أنَّ مِصْرَ عَلى هَذا المَعْنى يَجُوزُ مَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالبُقْعَةِ فَيَكُونُ فِيهِ العَلَمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ، ويَجُوزُ صَرْفُهُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالمَكانِ أوْ لِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطِ مِثْلَ هِنْدٍ فَهو في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِدُونِ تَنْوِينٍ وأنَّهُ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِدُونِ ألِفٍ وأنَّهُ ثَبَتَ بِدُونِ ألِفٍ في بَعْضِ مَصاحِفِ عُثْمانَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وذَكَرَ أنَّ أشْهَبَ قالَ: قالَ لِي مالِكٌ هي عِنْدِي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ ا هـ ويَكُونُ قَوْلُ مُوسى لَهُمُ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أمْرًا قُصِدَ مِنهُ التَّهْدِيدُ عَلى تَذَكُّرِهِمْ أيّامَ ذُلِّهِمْ وعَنائِهِمْ وتَمَنِّيهِمُ الرُّجُوعَ لِتِلْكَ المَعِيشَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُمُ ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ إذْ لَمْ تَقْدِرُوا (p-٥٢٥)قَدْرَ الفَضائِلِ النَّفْسِيَّةِ ونِعْمَةِ الحُرِّيَّةِ والِاسْتِقْلالِ. ورُبَّما كانَ قَوْلُهُ اهْبِطُوا دُونَ لِنَهْبِطْ مُؤْذِنًا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُرِيدُ إدْخالَ نَفْسِهِ في هَذا الأمْرِ وهَذا يُذَكِّرُ بِقَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ: ؎فَإنْ كانَ أعْجَبَكم عامَكم ∗∗∗ فَعُودُوا إلى حِمْصَ في القابِلِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفاءَ لِلتَّعْقِيبِ عَطَفَتْ جُمْلَةَ إنَّ لَكم ما سَألْتُمْ عَلى جُمْلَةِ اهْبِطُوا لِلدِّلالَةِ عَلى حُصُولِ سُؤْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ هُبُوطِهِمْ مِصْرَ أوْ لَيْسَتْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ إذْ لَيْسَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ بِمُحْتاجٍ إلى التَّعْلِيلِ بِمِثْلِ مَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ ولِأنَّهُ لَيْسَ بِمَقامِ تَرْغِيبٍ في هَذا الهُبُوطِ حَتّى يُشَجِّعَ المَأْمُورَ بِتَعْلِيلِ الأمْرِ والظّاهِرُ أنَّ عَدَمَ إرادَةِ التَّعْلِيلِ هو الدّاعِي إلى ذِكْرِ فاءِ التَّعْقِيبِ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ لَكانَتْ إنَّ مُغْنِيَةً غَناءَ الفاءِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ في دَلائِلِ الإعْجازِ في الفَصْلِ الخامِسِ والفَصْلِ الحادِيَ عَشَرَ مِن فُصُولٍ شَتّى في النَّظْمِ إذْ يَقُولُ واعْلَمْ أنَّ مِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْ في قَوْلِ بَشّارٍ: ؎بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ أنْ تُغْنِيَ غَناءَ الفاءِ العاطِفَةِ مَثَلًا وأنْ تُفِيدَ مِن رَبْطِ الجُمْلَةِ بِما قَبْلَها أمْرًا عَجِيبًا فَأنْتَ تَرى الكَلامَ بِها مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُسْتَأْنَفٍ مَقْطُوعًا مَوْصُولًا مَعًا وقالَ: إنَّكَ تَرى الجُمْلَةَ إذا دَخَلَتْ ”إنَّ“ تَرْتَبِطُ بِما قَبِلَها وتَأْتَلِفُ مَعَهُ حَتّى كَأنَّ الكَلامَيْنِ أُفْرِغا إفْراغًا واحِدًا حَتّى إذا أُسْقِطَتْ إنَّ رَأيْتَ الثّانِيَ مِنهُما قَدْ نَبا عَنِ الأوَّلِ وتَجافى مَعْناهُ عَنْ مَعْناهُ حَتّى تَجِيءَ بِالفاءِ فَتَقُولُ مَثَلًا: ؎بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ ∗∗∗ بَكِّرا فالنَّجاحُ في التَّبْكِيرِ ثُمَّ لا تَرى الفاءَ تُعِيدُ الجُمْلَتَيْنِ إلى ما كانَتا عَلَيْهِ مِنَ الأُلْفَةِ وهَذا الضَّرْبُ كَثِيرٌ في التَّنْزِيلِ جِدًّا مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وقَوْلُهُ ﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] وقالَ ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] إلَخْ. فَظاهِرُ كَلامِ الشَّيْخِ أنَّ وُجُودَ إنَّ في الجُمْلَةِ المَقْصُودُ مِنها التَّعْلِيلُ والرَّبْطُ مُغْنٍ عَنِ الإتْيانِ بِالفاءِ، وأنَّ الإتْيانَ بِالفاءِ حِينَئِذٍ لا يُناسِبُ الكَلامَ البَلِيغَ إذْ هو كالجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ والمُعَوَّضِ عَنْهُ فَإذا وجَدْنا الفاءَ مَعَ إنَّ عَلِمْنا أنَّ الفاءَ لِمُجَرَّدِ العَطْفِ وإنَّ لِإرادَةِ التَّعْلِيلِ والرَّبْطِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ بِأكْثَرَ مِن مَعْنى التَّعْقِيبِ. ويُسْتَخْلَصُ مِن ذَلِكَ أنَّ مَواقِعَ التَّعْلِيلِ هي الَّتِي يَكُونُ فِيها مَعْناهُ بَيْنَ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ كالأمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَها. (p-٥٢٦)وجَعَلَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ المُحِيطِ جُمْلَةَ ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ جَوابًا لِلْأمْرِ وزَعَمَ أنَّ الأمْرَ كَما يُجابُ بِالفِعْلِ يُجابُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ولا يَخْفى أنَّ كِلا المَعْنَيَيْنِ ضَعِيفٌ هاهُنا لِعَدَمِ قَصْدِ التَّرْغِيبِ في هَذا الهُبُوطِ حَتّى يُعَلَّلَ أوْ يُعَلَّقَ، وإنَّما هو كَلامُ غَضَبٍ كَما تَقَدَّمَ. واقْتِرانُ الجُمْلَةِ بِإنَّ المُؤَكِّدَةِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِما سَألُوهُ حَتّى يَشُكُّونَ هَلْ يَجِدُونَهُ مِن شِدَّةِ شَوْقِهِمْ، والمُحِبُّ بِسُوءِ الظَّنِّ مُغْرًى. * * * ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ بِالواوِ وبِدُونِ إعادَةِ إذْ، فَأمّا عَطْفُهُ فَلِأنَّ هاتِهِ الجُمْلَةَ لَها مَزِيدُ الِارْتِباطِ بِالجُمَلِ قَبْلَها إذْ كانَتْ في مَعْنى النَّتِيجَةِ والأثَرِ لِمَدْلُولِ الجُمَلِ قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] فَإنَّ مَضْمُونَ تِلْكَ الجُمَلِ ذِكْرُ ما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ مِن نِعْمَةِ تَحْرِيرِهِمْ مِنَ اسْتِعْبادِ القِبْطِ إيّاهم وسَوْقِهِمْ إلى الأرْضِ الَّتِي وعَدَهم فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نِعْمَتَيِ التَّحْرِيرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ وهو جَعْلُ الشَّجاعَةِ طَوْعَ يَدِهِمْ لَوْ فَعَلُوا فَلَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ ذَلِكَ وتَمَنَّوُا العَوْدَ إلى المَعِيشَةِ في مِصْرَ إذْ قالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ كَما فَصَّلْناهُ لَكم هُنالِكَ مِمّا حَكَتْهُ التَّوْراةُ وتَقاعَسُوا عَنْ دُخُولِ القَرْيَةِ وجَبُنُوا عَنْ لِقاءِ العَدُوِّ كَما أشارَتْ لَهُ الآيَةُ الماضِيَةُ وفَصَّلَتْهُ آيَةُ المائِدَةِ فَلا جَرَمَ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ ولَمْ يُقَدِّرُوها أنْ تُنْتَزَعَ مِنهم ويُسْلَبُوها ويُعَوَّضُوا عَنْها بِضِدِّها وهو الذِّلَّةُ المُقابِلَةُ لِلشَّجاعَةِ إذْ لَمْ يَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهم والمَسْكَنَةُ وهي العُبُودِيَّةُ فَتَكُونُ الآيَةُ مَسُوقَةً مَساقَ المُجازاةِ لِلْكَلامِ السّابِقِ فَهَذا وجْهُ العَطْفِ. وأمّا كَوْنُهُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ فَلِيَكُونَ خَبَرًا مَقْصُودًا بِذاتِهِ ولَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِ مُوسى لَهم ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ فَإنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ هو إظْهارُ آثارِها المَقْصُودَةِ مِنها كَإظْهارِ النَّصْرِ لِلْحَقِّ بِنِعْمَةِ الشَّجاعَةِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ بِنِعْمَةِ الكَرَمِ وتَثْقِيفِ الأذْهانِ بِنِعْمَةِ العِلْمِ فَكُلُّ مَن لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ تُسْلَبَ عَنْهُ ويُعَوَّضَ بِضِدِّها قالَ تَعالى ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ﴾ [سبإ: ١٦] الآيَةَ، ولَوْ عَطَفَ بِغَيْرِ الواوِ لَكانَ ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ سَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الِاسْتِقْلالِ ما يُنَبِّهُ البالَ. (p-٥٢٧)فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ﴾ وباءُوا إلَخْ عائِدَةٌ إلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ لا إلى خُصُوصِ الَّذِينَ أبَوْا دُخُولَ القَرْيَةِ والَّذِينَ قالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ فَإنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيئِينَ هم أبْناءُ الَّذِينَ أبَوْا دُخُولَ القَرْيَةِ وقالُوا ﴿لَنْ نَصْبِرَ﴾ فالإتْيانُ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ هُنا جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ لِأنَّهم غَيْرُ المُخاطَبِينَ فَلَيْسَ هو مِنَ الِالتِفاتِ إذْ لَيْسَ قَوْلُهُ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ إلَخْ مِن بَقِيَّةِ جَوابِ مُوسى إيّاهم لِما عَلِمْتَ مِن شُمُولِهِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمُ الآبِينَ دُخُولَ القَرْيَةِ ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أتى بَعْدَهم فَقَدْ جاءَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ عَلى أصْلِهِ، أمّا شُمُولُهُ لِلْمُخاطَبِينَ فَإنَّما هو بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ وهو لُزُومُ تَوارُثِ الأبْناءِ أخْلاقَ الآباءِ وشَمائِلَهم كَما قَرَّرْناهُ في وجْهِ الخِطاباتِ الماضِيَةِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠] الآياتِ ويُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ الآتِي بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنَ الحُكْمِ مِثْلُ ما ثَبَتَ لِلْآخَرِ. والضَّرْبُ في كَلامِ العَرَبِ يَرْجِعُ إلى مَعْنى التِقاءِ ظاهِرِ جِسْمٍ بِظاهِرِ جِسْمٍ آخَرَ بِشِدَّةٍ يُقالُ ضَرَبَ بِعَصًا وبِيَدِهِ وبِالسَّيْفِ، وضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ إذا ألْصَقَها بِها، وتَفَرَّعَتْ عَنْ هَذا مَعانٍ مَجازِيَّةٌ تَرْجِعُ إلى شِدَّةِ اللُّصُوقِ. فَمِنهُ ضَرَبَ في الأرْضِ. سارَ طَوِيلًا، وضَرَبَ قُبَّةً وبَيْتًا في مَوْضِعِ كَذا بِمَعْنى شَدَّها ووَثَّقَها مِنَ الأرْضِ. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ: ؎إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجِرَةٌ وقالَ زِيادٌ الأعْجَمُ: ؎فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ ∗∗∗ وضَرَبَ الطِّينَ عَلى الحائِطِ ألْصَقَهُ وقَدْ تَقَدَّمَ ما لِجَمِيعِ هَذِهِ المَعانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾ [البقرة: ٢٦] فَقَوْلُهُ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ في الإحاطَةِ بِهِمْ واللُّزُومِ بِالبَيْتِ أوِ القُبَّةِ يَضْرِبُها السّاكِنُ لِيَلْزَمَها. وذِكْرُ الضَّرْبِ تَخْيِيلٌ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ في عَلائِقِ المُشَبَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُرِبَتِ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً ولَيْسَ ثَمَّةَ مَكْنِيَّةً بِأنْ شَبَّهَ لُزُومَ الذِّلَّةِ لَهم ولُصُوقَها بِلُصُوقِ الطِّينِ بِالحائِطِ، ومَعْنى التَّبَعِيَّةِ أنَّ المَنظُورَ إلَيْهِ في التَّشْبِيهِ هو الحَدَثُ والوَصْفُ لا الذّاتُ بِمَعْنى أنَّ جَرَيانَ الِاسْتِعارَةِ في الفِعْلِ لَيْسَ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ تابِعًا لِفاعِلٍ كَما في التَّخْيِيلِيَّةِ بَلْ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ حَدَثًا وهو مَعْنى قَوْلِهِمْ أُجْرِيَتْ في الفِعْلِ تَبَعًا لِجَرَيانِها (p-٥٢٨)فِي المَصْدَرِ وبِهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ ضُرِبَتْ تَخْيِيلًا وجَعْلِهِ تَبَعِيَّةً وهي طَرِيقَةٌ في الآيَةِ سَلَكَها الطَّيِّبِيُّ في شَرْحِ الكَشّافِ وخالَفَهُ التَّفْتَزانِيُّ وجَعَلَ الضَّرْبَ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً بِمَعْنى الإحاطَةِ والشُّمُولِ سَواءٌ كانَ المُشَبَّهُ بِهِ القُبَّةَ أوِ الطِّينَ، وهُما احْتِمالانِ مَقْصُودانِ في هَذا المَقامِ يَشْعُرُ بِهِما البُلَغاءُ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لَيْسَ هو مِن بابِ قَوْلِ زِيادٍ الأعْجَمِ: ؎إنَّ السَّماحَةَ والمُرُوءَةَ والنَّدى ∗∗∗ في قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلى ابْنِ الحَشْرَجِ لِأنَّ القُبَّةَ في الآيَةِ مُشَبَّهٌ بِها ولَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ والقُبَّةُ في البَيْتِ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فالآيَةُ اسْتِعارَةٌ وتَصْرِيحٌ والبَيْتُ حَقِيقَةٌ وكِنايَةٌ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الطَّيِّبِيُّ وجَعَلَ التَّفْتَزانِيُّ الآيَةَ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ في الِاسْتِعارَةِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِ اليَهُودِ أذِلّاءَ مُتَصاغِرِينَ وهي نُكَتٌ لا تَتَزاحَمُ. والذِّلَّةُ الصَّغارُ وهي بِكَسْرِ الذّالِ لا غَيْرَ وهي ضِدَّ العِزَّةِ ولِذَلِكَ قابَلَ بَيْنَهُما السَّمَوْألُ أوِ الحارِثِيُّ في قَوْلِهِ: ؎وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ . والمَسْكَنَةُ الفَقْرُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ لِأنَّ الفَقْرَ يُقَلِّلُ حَرَكَةَ صاحِبِهِ. وتُطْلَقُ عَلى الضَّعْفِ ومِنهُ المِسْكِينُ لِلْفَقِيرِ. ومَعْنى لُزُومِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ لِلْيَهُودِ أنَّهم فَقَدُوا البَأْسَ والشَّجاعَةَ وبَدا عَلَيْهِمْ سِيما الفَقْرِ والحاجَةِ مَعَ وفْرَةِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَإنَّهم لَمّا سَئِمُوها صارَتْ لَدَيْهِمْ كالعَدَمِ ولِذَلِكَ صارَ الحِرْصُ لَهم سَجِيَّةً باقِيَةً في أعْقابِهِمْ. والبَوْءُ الرُّجُوعُ وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِانْقِلابِ الحالَةِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ إلى غَضَبِهِ. * * * (p-٥٢٩)﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ ما شَنَّعَ بِهِ حالُهم مِن لُزُومِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ لَهم والإشارَةِ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ﴾ . وأفْرَدَ اسْمَ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ وهو أوْلى بِجَوازِ الإفْرادِ مِن إفْرادِ الضَّمِيرِ في قَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ لِرُؤْبَةَ: إنْ أرَدْتَ الخُطُوطَ فَقُلْ كَأنَّها، وإنْ أرَدْتَ السَّوادَ والبَياضَ فَقُلْ كَأنَّهُما. فَقالَ رُؤْبَةُ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلَكَ وإنَّما كانَ ما في الآيَةِ أوْلى بِالإفْرادِ لِأنَّ الذِّلَّةَ والمَسْكَنَةَ والغَضَبَ مِمّا لا يُشاهَدُ فَلا يُشارُ إلى ذاتِها ولَكِنْ يُشارُ إلى مَضْمُونِ الكَلامِ وهو شَيْءٌ واحِدٌ أيْ مَذْكُورٌ ومَقُولٌ ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ٥٨] أيْ ذَلِكَ القَصَصُ السّابِقُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وسَيَأْتِي وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ أنَّ أسْماءَ الإشارَةِ لَيْسَتْ تَثْنِيَتُها وجَمْعُها وتَأْنِيثُها عَلى الحَقِيقَةِ وكَذَلِكَ المَوْصُولاتُ ولِذَلِكَ جاءَ الَّذِي بِمَعْنى الجَمْعِ اهـ. قِيلَ أرادَ بِهِ أنَّ جَمْعَ أسْماءِ الإشارَةِ وتَثْنِيَتَها لَمْ يَكُنْ بِزِيادَةِ عَلاماتٍ بَلْ كانَ بِألْفاظٍ خاصَّةٍ بِتِلْكَ الأحْوالِ فَلِذَلِكَ كانَ اسْتِعْمالُ بَعْضِها في مَعْنى بَعْضٍ أسْهَلَ إذا كانَ عَلى تَأْوِيلٍ. وهو قَلِيلُ الجَدْوى لِأنَّ المَدارَ عَلى التَّأْوِيلِ والمَجازِ سَواءٌ كانَ في اسْتِعْمالِ لَفْظٍ في مَعْنى آخَرَ أوْ في اسْتِعْمالِ صِيغَةٍ في مَعْنى أُخْرى فَلا حُسْنَ يَخُصُّ هَذِهِ الألْفاظَ فِيما يَظْهَرُ. فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّ (ذا) مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ ما يُشارُ إلَيْهِ. والَّذِي مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ ما عُرِفَ بِصِلَةٍ فَهو صالِحٌ لِلْإطْلاقِ عَلى الواحِدِ والمُثَنّى والجَمْعِ والمُذَكِّرِ والمُؤَنَّثِ وإنَّ ما يَقَعُ مِن أسْماءِ الإشارَةِ والمَوْصُولاتِ لِلْمُثَنّى نَحْوَ ذانِ ولِلْجَمْعِ نَحْوَ أُولَئِكَ، إنَّما هو اسْمٌ بِمَعْنى المُثَنّى والمَجْمُوعِ لا أنَّهُ تَثْنِيَةُ مُفْرَدٍ، وجَمْعُ مُفْرَدٍ، فَذا يُشارُ بِهِ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ ولا عَكْسَ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ المُفْرَدِ مِنها لِلدِّلالَةِ عَلى المُتَعَدِّدِ. والباءُ في قَوْلِهِ ﴿بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ سَبَبِيَّةٌ أيْ أنَّ كُفْرَهم وما مَعَهُ كانَ سَبَبًا لِعِقابِهِمْ في الدُّنْيا بِالذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وفي الآخِرَةِ بِغَضَبِ اللَّهِ وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ ما وقَعُوا فِيهِ. (p-٥٣٠)وقَوْلُهُ ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيئِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ خاصٌّ بِأجْيالِ اليَهُودِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا هَذِهِ الجَرِيمَةَ العَظِيمَةَ سَواءٌ في ذَلِكَ مَن باشَرَ القَتْلَ وأمَرَ بِهِ ومَن سَكَتَ عَنْهُ ولَمْ يَنْصُرِ الأنْبِياءَ. وقَدْ قَتَلَ اليَهُودُ مِنَ الأنْبِياءِ أشْعِياءَ بْنَ أمْوَصَ الَّذِي كانَ حَيًّا في مُنْتَصَفِ القَرْنِ الثّامِنِ قَبْلَ المَسِيحِ قَتَلَهُ المَلِكُ مَنسِيٌّ مَلِكُ اليَهُودِ سَنَةَ ٧٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ نُشِرَ نَشْرًا عَلى جِذْعِ شَجَرَةٍ. وأرْمِياءَ النَّبِيءَ الَّذِي كانَ حَيًّا في أواسِطِ القَرْنِ السّابِعِ قَبْلَ المَسِيحِ وذَلِكَ لِأنَّهُ أكْثَرَ التَّوْبِيخاتِ والنَّصائِحَ لِلْيَهُودِ فَرَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وزَكَرِيّاءَ الأخِيرَ أبا يَحْيَ قَتَلَهُ هِيرُودُسُ العِبْرانِيُّ مَلِكُ اليَهُودِ مِن قِبَلِ الرُّومانِ لِأنَّ زَكَرِيّاءَ حاوَلَ تَخْلِيصَ ابْنِهِ يَحْيى مِنَ القَتْلِ وذَلِكَ في مُدَّةِ نُبُوءَةِ عِيسى، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّاءَ قَتَلَهُ هِيرُودُسُ لِغَضَبِ ابْنَةِ أُخْتِ هِيرُودُسَ عَلى يَحْيى. وقَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ أيْ بِدُونِ وجْهٍ مُعْتَبَرٍ في شَرِيعَتِهِمْ فَإنَّ فِيها: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] فَهَذا القَيْدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى اليَهُودِ بِأُصُولِ دِينِهِمْ لِتَخْلِيدِ مَذَمَّتِهِمْ، وإلّا فَإنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ لا يَكُونُ بِحَقٍّ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وإنَّما قالَ الأنْبِياءَ لِأنَّ الرُّسُلَ لا تُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أعْداؤُهم لِأنَّهُ مُنافٍ لِحِكْمَةِ الرِّسالَةِ الَّتِي هي التَّبْلِيغُ قالَ تَعالى ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ [غافر: ٥١] وقالَ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ومِن ثَمَّ كانَ ادِّعاءُ النَّصارى أنَّ عِيسى قَتَلَهُ اليَهُودُ ادِّعاءً مُنافِيًا لِحِكْمَةِ الإرْسالِ ولَكِنَّ اللَّهَ أنْهى مُدَّةَ رِسالَتِهِ بِحُصُولِ المَقْصِدِ مِمّا أُرْسِلَ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ فِيهِ إلى نَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ الأوْلى فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلْإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ المُشارِ إلَيْهِ حِرْصًا عَلى مَعْرِفَتِهِ، ويَكُونُ العِصْيانُ والِاعْتِداءُ سَبَبَيْنِ آخَرَيْنِ لِضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ ولِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، والآيَةُ حِينَئِذٍ مِن قَبِيلِ التَّكْرِيرِ وهو مُغْنٍ عَنِ العَطْفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الثّانِي هو الكُفْرَ بِآياتِ اللَّهِ وقَتْلَهُمُ النَّبِيئِينَ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى سَبَبِ ضَرْبِ الذِّلَّةِ إلَخْ فَما بَعْدَ كَلِمَةِ ذَلِكَ هو سَبَبُ السَّبَبِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إدْمانَ العاصِي يُفْضِي إلى التَّغَلْغُلِ فِيها والتَّنَقُّلِ مِن أصْغَرِها إلى أكْبَرِها. والباءُ عَلى الوَجْهَيْنِ سَبَبِيَّةٌ عَلى أصْلِ مَعْناها. ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ إحْدى الباءَيْنِ بِمَعْنى (p-٥٣١)مَعَ عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ اسْمِ الإشارَةِ الثّانِي تَكْرِيرًا لِلْأوَّلِ أخْذًا مِن كَلامِ الكَشّافِ الَّذِي احْتَفَلَ بِهِ الطَّيِّبِيُّ فَأطالَ في تَقْرِيرِهِ وتَفْنِينِ تَوْجِيهِهِ فَإنَّ فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ما يَنْبُو عَنْهُ نَظْمُ القُرْآنِ. وكانَ الَّذِي دَعا إلى فَرْضِ هَذا الوَجْهِ هو خُلُوَّ الكَلامِ مِن عاطِفٍ يَعْطِفُ بِما عَصَوْا عَلى بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ إذا كانَتِ الإشارَةُ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ. ولَقَدْ نَبَّهْناكَ آنِفًا إلى دَفْعِ هَذا بِأنَّ التَّكْرِيرَ يُغْنِي غَناءَ العَطْفِ.


ركن الترجمة

Remember, when you said: "O Moses, we are tired of eating the same food (day after day), ask your Lord to give us fruits of the earth, herbs and cucumbers, grains and lentils and onions;" he said: "Would you rather exchange what is good with what is bad? Go then to the city, you shall have what you ask." So they were disgraced and became indigent, earning the anger of God, for they disbelieved the word of God, and slayed the prophets unjustly, for they transgressed and rebelled.

Et [rappelez-vous] quand vous dîtes: «O Moïse, nous ne pouvons plus tolérer une seule nourriture. Prie donc ton Seigneur pour qu'Il nous fasse sortir de la terre ce qu'elle fait pousser, de ses légumes, ses concombres, son ail (ou blé), ses lentilles et ses oignons!» - Il vous répondit: «Voulez-vous échanger le meilleur pour le moins bon? Descendez donc à n'importe quelle ville; vous y trouverez certainement ce que vous demandez!». L'avilissement et la misère s'abattirent sur eux; ils encoururent la colère d'Allah. Cela est parce qu'ils reniaient les révélations d'Allah, et qu'ils tuaient sans droit les prophètes. Cela parce qu'ils désobéissaient et transgressaient.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :