موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الأربعاء 21 رمضان 1447 هجرية الموافق ل11 مارس 2026


الآية [74] من سورة  

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ


ركن التفسير

74 - (ثم قست قلوبكم) أيها اليهود صلبت عن قبول الحق (من بعد ذلك) المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات (فهي كالحجارة) في القسوة (أو أشد قسوة) منها (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقَّق) فيه إدغام التاء في الأصل في الشين (فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط) ينزل من علو إلى أسفل (من خشية الله) وقلوبكم لا تتأثروا ولا تلين ولا تخشع (وما الله بغافل عما تعملون) وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب

يقول تعالى توبيخا لبني إسرائيل وتقريعا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى الله وإحيائه الموتى "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك" كله فهي كالحجارة التي تلين أبدا ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون" قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس لما ضرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط فقيل له من قتلك قال بنو أخي قتلوني ثم قبض فقال بنو أخيه حين قبضه الله والله ما قتلناه فكذبوا بالحق بعد أن رأوه فقال الله "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك" يعني أبناء أخي الشيخ فهي كالحجارة أو أشد قسوة فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون بالأنهار الجارية ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يبن جاريا ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله وفيه إدراك لذلك بحسبه كما قال "تسبح له السموات والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا" وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه كان يقول كل حجر يتفجر منه الماء أو يتشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله نزل بذلك القرآن وقال محمد بن إسحق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس "وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله" أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق "وما الله بغافل عما تعملون" وقال أبو علي الجياني في تفسيره "وإن منها لما يهبط من خشية الله" هو سقوط البرد من السحاب قال القاضي الباقلاني وهذا تأويل بعيد وتبعه في استبعاده الرازي وهو كما قال فإن هذا خروج عن اللفظ بلا دليل والله أعلم وقال: ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار حدثنا الحكم بن هشام الثقفي حدثني يحيى ابن أبي طالب يعني ويحيى بن يعقوب في قوله تعالى "وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار" قال كثرة البكاء "وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء" قال قليل البكاء "وإن منها لما يهبط من خشية الله" قال بكاء القلب غير دموع العين وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة ما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله "يريد أن ينقض" قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى "إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها" وقال "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن" الآية وقال "والنجم والشجر يسجدان" "أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله" الآية "قالتا أتينا طائعين" "لو أنزلنا هذا القرآن على جبل" الآية "وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله" الآية وفي الصحيح "هذا جبل يحبنا ونحبه" وكحنين الجذع المتواتر خبره وفي صحيح مسلم "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" وفى صفة الحجر الأسود إنه يشهد لمن استلم بحق يوم القيامة وغير ذلك مما فى معناه وحكى القرطبي قولا إنها للتخيير أي مثلا لهذا وهذا وهذا مثل: جالس الحسن أو ابن سيرين. وكذا حكاه الرازي فى تفسيره وزاد قولا آخر أنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب كقول القائل أكلت خبزا أو تمرا وهو يعلم أيهما أكل وقال آخر إنها بمعنى قول القائل كل حلوا أو حامضا أي لا يخرج عن واحد منهما. أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين والله أعلم. " تنبيه" اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى "فهي كالحجارة أو أشد قسوة" بعد الإجماع على استحالة كونها للشك فقال بعضهم أو ههنا بمعنى الواو تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله تعالى "ولا تطع منهم آثما أو كفورا" "عذرا أو نذرا" وكما قال النابغة الذبياني: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد تريد ونصفه قاله ابن جرير: وقال جرير بن عطية: نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر قال ابن جرير يعني نال الخلافة وكانت له قدرا وقال آخرون أو ههنا بمعنى بل فتقديره: فهي كالحجارة بل أشد قسوة وكقوله "إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية" وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون" "فكان قاب قوسين أو أدنى" وقال آخرون معنى ذلك "فهي كالحجارة أو أشد قسوة" عندكم حكاه ابن جرير: وقال آخرون المراد بذلك الإبهام على المخاطب كما قال أبو الأسود: أحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة والوصيا فإن يك حبهم رشدا أصبه وليس بمخطئ إن كان غيا قال ابن جرير قالوا ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى رشد ولكنه أبهم على من خاطبه قال وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له شككت فقال كلا والله ثم انتزع يقول الله تعالى "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" فقال أوكان شاكا من أخبر بهذا من الهادي منهم ومن الضال؟ وقال بعضهم معنى ذلك فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها فى القسوة. قال: ابن جرير ومعنى ذلك على هذا التأويل فبعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره "قلت" وهذا القول الأخير يبقى شبيها بقوله تعالى "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" مع قوله "أو كصيب من السماء" وكقوله "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة" مع قوله "أو كظلمات في بحر لجي" الآية أي إن منهم من هو هكذا ومنهم من هو كهذا والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم حدثنا محمد بن أيوب حدثنا محمد بن عبدالله بن أبي الثلج حدثنا علي بن حفص حدثنا إبراهيم بن عبدالله بن حاطب عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي". رواه الترمذي في كتابه الزهد من جامعه عن محمد بن عبدالله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد به ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبدالله بن الحارث بن حاطب به وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم. وروى البزار عن أنس مرفوعا "أربع من الشقاء جمود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا".

قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملونقوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك القسوة : الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى . قال أبو العالية وقتادة وغيرهما : المراد قلوب جميع بني إسرائيل . وقال ابن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل ؛ لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله ، وقالوا : كذب ، بعد ما رأوا هذه الآية العظمى ، فلم يكونوا قط أعمى قلوبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك ، لكن نفذ حكم الله بقتله . روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي . وفي مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا .قوله تعالى : فهي كالحجارة أو أشد قسوة أو قيل هي بمعنى الواو كما قال : آثما أو كفورا . عذرا أو نذرا وقال الشاعر :نال الخلافة أو كانت له قدراأي : وكانت . وقيل : هي بمعنى بل ، كقوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون المعنى بل يزيدون . وقال الشاعر :بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملحأي : بل أنت وقيل : معناها الإبهام على المخاطب ، ومنه قول أبي الأسود الدؤليأحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة أو عليافإن يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غياولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر ، وإنما قصد الإبهام . وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شككت قال : كلا ، ثم استشهد بقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وقال : أو كان شاكا من أخبر بهذا ؟ وقيل : معناها التخيير ، أي : شبهوها بالحجارة تصيبوا ، أو بأشد من الحجارة تصيبوا ، وهذا كقول القائل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو . قيل : بل هي على بابها من الشك ، ومعناها : عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم : أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة ؟ وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى : إلى مائة ألف أو يزيدون وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر ، وفيهم من قلبه أشد من الحجر ، فالمعنى : هم فرقتان ." أو أشد " أشد مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله كالحجارة ؛ لأن المعنى : فهي مثل الحجارة أو أشد . ويجوز أو " أشد " بالفتح عطف على الحجارة . و " قسوة " نصب على التمييز . وقرأ أبو حيوة " قساوة " والمعنى واحد .قوله تعالى : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء قد تقدم معنى الانفجار . ويشقق أصله يتشقق ، أدغمت التاء في الشين ، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا ، أو عن الحجارة التي تتشقق ، وإن لم يجر ماء منفسح . وقرأ ابن مصرف " ينشقق " بالنون ، وقرأ " لما يتفجر " " لما يتشقق " بتشديد " لما " في الموضعين . وهي قراءة غير متجهة . وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " بالنون وكسر الجيم . قال قتادة : عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم . قال أبو حاتم : يجوز " لما تتفجر " بالتاء ، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء ؛ لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث الأنهار ، وهذا لا يكون في تشقق . قال النحاس : يجوز ما أنكره على المعنى ؛ لأن المعنى : وإن منها لحجارة تتشقق ، وأما يشقق فمحمول على لفظ " ما " . والشق واحد الشقوق ، فهو في الأصل مصدر ، تقول : بيد فلان ورجليه شقوق ، ولا تقل : شقاق ، إنما الشقاق داء يكون بالدواب ، وهو تشقق يصيب أرساغها ، وربما ارتفع إلى وظيفها ، عن يعقوب . والشق : الصبح . و " ما " في قوله : " لما يتفجر " في موضع نصب ؛ لأنها اسم إن واللام للتأكيد . " منه " على لفظ " ما " ، ويجوز " منها " على المعنى ، وكذلك وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء . وقرأ قتادة " وإن " في الموضعين ، مخففة من الثقيلة .قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله يقول : إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم ، لخروج الماء منها وترديها . قال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل ، ولا تفجر نهر من حجر ، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله ، نزل بذلك القرآن الكريم . ومثله عن ابن جريج . وقال بعض المتكلمين في قوله : وإن منها لما يهبط من خشية الله : البرد الهابط من السحاب . وقيل : لفظة الهبوط مجاز ، وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها ، وتخشع بالنظر إليها ، أضيف تواضع الناظر إليها ، كما قالت العرب : ناقة تاجرة ، أي : تبعث من يراها على شرائها . وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة ، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله : يريد أن ينقض ، وكما قال زيد الخيل :لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشعوذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى : " وإن منها " راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي : من القلوب لما يخضع من خشية الله .قلت : كل ما قيل يحتمله اللفظ ، والأول صحيح ، فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل ، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب ، فلما تحول عنه حن ، وثبت عنه أنه قال : إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن . وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله . فناداه حراء : إلي يا رسول الله . وفي التنزيل : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية . وقال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله يعني تذللا وخضوعا ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون بغافل في موضع نصب على لغة أهل الحجاز ، وعلى لغة تميم في موضع رفع . والباء توكيد عما تعملون أي : عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره . ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولا تحتاج " ما " إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي ، فيحذف العائد لطول الاسم ، أي : عن الذي تعملونه . وقرأ ابن كثير " يعملون " بالياء ، والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام .

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهْيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ثُمَّ هُنا لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ الَّذِي تَتَهَيَّأُ لَهُ إذا عَطَفْتَ الجُمَلَ أيْ ومَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ تَلِنْ قُلُوبُكم ولَمْ تَنْفَعْكُمُ الآياتُ فَقَسَتْ قُلُوبُكم وكانَ مِنَ البَعِيدِ قَسْوَتُها. وقَوْلُهُ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٥٢] زِيادَةُ تَعْجِيبٍ مِن طُرُقِ القَساوَةِ لِلْقَلْبِ بَعْدَ تَكَرُّرِ جَمِيعِ الآياتِ السّابِقَةِ المُشارِ إلى مَجْمُوعِها بِذَلِكَ عَلى حَدِّ قَوْلِ القَطامِيِّ: ؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا أيْ كَيْفَ أكْفُرُ نِعْمَتَكَ أيْ لا أكْفُرُها مَعَ إنْجائِكَ لِي مِنَ المَوْتِ إلَخْ. ووَجْهُ اسْتِعْمالِ (بَعْدَ) في هَذا المَعْنى أنَّها مَجازٌ في مَعْنى (مَعَ) لِأنَّ شَأْنَ المُسَبَّبِ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ السَّبَبِ ولَمّا لَمْ يَكُنِ المَقْصِدُ التَّنْبِيهَ عَلى تَأخُّرِهِ لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ وأُرِيدَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ مَعَهُ إثْباتًا أوْ نَفْيًا عَبَّرَ بِ (بَعْدَ) عَنْ مَعْنى (مَعَ) مَعَ الإشارَةِ إلى التَّأخُّرِ الرُّتْبِيِّ. والقَسْوَةُ والقَساوَةُ تُوصَفُ بِها الأجْسامُ وتُوصَفُ بِها النُّفُوسُ المُعَبَّرُ عَنْها بِالقُلُوبِ فالمَعْنى الجامِعُ لِلْوَصْفَيْنِ هو عَدَمُ قَبُولِ التَّحَوُّلِ عَنِ الحالَةِ المَوْجُودَةِ إلى حالَةٍ تُخالِفُها. وسَواءٌ كانَتِ القَساوَةُ مَوْضُوعَةً لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ الحِسِّيِّ والقَلْبِيِّ وهو احْتِمالٌ ضَعِيفٌ، أمْ كانَتْ مَوْضُوعَةً لِلْأجْسامِ حَقِيقَةً واسْتُعْمِلَتْ في القُلُوبِ مَجازًا وهو الصَّحِيحُ، فَقَدْ شاعَ هَذا (p-٥٦٣)المَجازُ حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ وصارَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى القَرِينَةِ فَآلَ اللَّفْظُ إلى الدَّلالَةِ عَلى القَدْرِ المُشْتَرِكِ بِالِاسْتِعْمالِ لا بِأصْلِ الوَضْعِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ العَطْفُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ كَما سَيَأْتِي. وقَوْلُهُ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ تَشْبِيهُ فَرْعٍ بِالفاءِ لِإرادَةِ ظُهُورِ التَّشْبِيهِ بَعْدَ حِكايَةِ الحالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِقَسَتْ لِأنَّ القَسْوَةَ هي وجْهُ الشَّبَهِ ولِأنَّ أشْهَرَ الأشْياءِ في هَذا الوَصْفِ هو الحَجْزُ فَإذا ذُكِرَتِ القَسْوَةُ فَقَدْ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالحَجَرِ ولِذا عَطَفَ بِالفاءِ؛ أيْ إذا عَلِمْتَ أنَّها قاسِيَةٌ فَشَبَّهَها بِالحِجارَةِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ يَصِفُ الحَجِيجَ: ؎عَلَيْهِنَّ شَعَثٌ عامِدُونَ لِرَبِّهِمْ ∗∗∗ فَهُنَّ كَأطْرافِ الحَنِيِّ خَواشِعُ وقَدْ كانَتْ صَلابَةُ الحَجَرِ أعْرَفَ لِلنّاسِ وأشْهَرَ لِأنَّها مَحْسُوسَةٌ فَلِذَلِكَ شُبِّهَ بِها. وهَذا الأُسْلُوبُ يُسَمّى عِنْدِي تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ وهو مِن مَحاسِنِهِ، وإذا تَتَبَّعْتَ أسالِيبَ التَّشْبِيهِ في كَلامِهِمْ تَجِدُها عَلى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لا يُهَيَّأُ فِيهِ التَّشْبِيهُ وهو الغالِبُ وضَرْبٌ يُهَيَّأُ فِيهِ كَما هُنا والعَطْفُ بِالفاءِ في مِثْلِهِ حَسَنٌ جِدًّا وأمّا أنْ يَأْتِيَ المُتَكَلِّمُ بِما لا يُناسِبُ التَّشْبِيهَ فَذَلِكَ عِنْدِي يُعَدُّ مَذْمُومًا وقَدْ رَأيْتُ بَيْتًا جَمَعَ تَهْيِئَةَ التَّشْبِيهِ والبُعْدَ عَنْهُ وهو قَوْلُ ابْنِ نَباتَةَ: ؎فِي الرِّيقِ سُكْرٌ وفي الأصْداغِ تَجْعِيدُ ∗∗∗ هَذا المُدامُ وهاتِيكَ العَناقِيدُ فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ السُّكْرَ تَهَيَّأ التَّشْبِيهُ بِالخَمْرِ ولَكِنَّ قَوْلَهُ تَجْعِيدٌ لا يُناسِبُ العَناقِيدَ فَإنْ قُلْتَ: لِمَ عَدَدْتَهُ مَذْمُومًا وما هو إلّا كَتَجْرِيدِ الِاسْتِعارَةِ. قُلْتُ لا لِأنَّ التَّجْرِيدَ يَجِيءُ بَعْدَ تَكَرُّرِ الِاسْتِعارَةِ وعِلْمٍ بِها فَيَكُونُ تَفَنُّنًا لَطِيفًا بِخِلافِ ما يَجِيءُ قَبْلَ العِلْمِ بِالتَّشْبِيهِ. وقَوْلُهُ ﴿أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ و(أوْ) بِمَعْنى بَلِ الِانْتِقالِيَّةِ لِتَوَفُّرِ شَرْطِها وهو كَوْنُ مَعْطُوفِها جُمْلَةً. وهَذا المَعْنى مُتَوَلِّدٌ مِن مَعْنى التَّخْيِيرِ المَوْضُوعَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الِانْتِقالَ يَنْشَأُ عَنِ التَّخْيِيرِ فَإنَّ القُلُوبَ بَعْدَ أنْ شُبِّهَتْ بِالحِجارَةِ وكانَ الشَّأْنُ أنْ يَكُونَ المُشَبَّهُ أضْعَفَ في الوَصْفِ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ يُبْنى عَلى ذَلِكَ ابْتِداءُ التَّشْبِيهِ بِما هو أشْهَرُ ثُمَّ عَقَّبَ التَّشْبِيهَ بِالتَّرَقِّي إلى التَّفْضِيلِ في وجْهِ الشَّبَهِ عَلى حَدِّ قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٥٦٤) ؎بَدَتْ مِثْلَ قَرْنِ الشَّمْسِ في رَوْنَقِ الضُّحى ∗∗∗ وصُورَتِها أوْ أنْتِ في العَيْنِ أمْلَحُ فَلَيْسَتْ أوْ لِلتَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ أيْ لَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى قَوْلِهِ الحِجارَةِ المَجْرُورَةِ بِالكافِ لِأنَّ تِلْكَ لَها مَوْقِعٌ ما إذا كُرِّرَ المُشَبَّهُ بِهِ كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ في الأخْبارِ عَطْفًا عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو كالحِجارَةِ أيْ فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ هي أقْوى مِنَ الحِجارَةِ والمَقْصُودُ مِنَ التَّخْيِيرِ أنَّ المُتَكَلِّمَ يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَرْمِي بِكَلامِهِ جُزافًا ولا يَذُمُّهم تَحامُلًا بَلْ هو مُتَثَبِّتٌ مُتَحَرٍّ في شَأْنِهِمْ فَلا يُثْبِتُ لَهم إلّا ما تَبَيَّنَ لَهُ بِالِاسْتِقْراءِ والتَّقَصِّي فَإنَّهُ ساواهم بِالحِجارَةِ في وصْفٍ ثُمَّ تَقَصّى فَرَأى أنَّهم فِيهِ أقْوى فَكَأنَّهُ يَقُولُ لِلْمُخاطَبِ إنْ شِئْتَ فَسَوِّهِمْ بِالحِجارَةِ في القَسْوَةِ ولَكَ أنْ تَقُولَ هم أشَدُّ مِنها وذَلِكَ يُفِيدُ مَفادَ الِانْتِقالِ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ بَلْ وهو إنَّما يَحْسُنُ في مَقامِ الذَّمِّ لِأنَّ فِيهِ تَلَطُّفًا وأمّا في مَقامِ المَدْحِ فالأحْسَنُ هو التَّعْبِيرُ بِبَلْ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: ؎فَقالَتْ لَنا أهْلا وسَهْلًا وزَوَّدَتْ ∗∗∗ جَنى النَّحْلِ بَلْ ما زَوَّدَتْ مِنهُ أطْيَبُ ووَجْهُ تَفْضِيلِ تِلْكَ القُلُوبِ عَلى الحِجارَةِ في القَساوَةِ أنَّ القَساوَةَ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِها القُلُوبُ مَعَ كَوْنِها نَوْعًا مُغايِرًا لِنَوْعِ قَساوَةِ الحِجارَةِ قَدِ اشْتَرَكا في جِنْسِ القَساوَةِ الرّاجِعَةِ إلى مَعْنى عَدَمِ قَبُولِ التَّحَوُّلِ كَما تَقَدَّمَ فَهَذِهِ القُلُوبُ قَساوَتُها عِنْدَ التَّمْحِيصِ أشَدُّ مِن قَساوَةِ الحِجارَةِ لِأنَّ الحِجارَةَ قَدْ يَعْتَرِيها التَّحَوُّلُ عَنْ صَلابَتِها وشِدَّتِها بِالتَّفَرُّقِ والتَّشَقُّقِ وهَذِهِ القُلُوبُ لَمْ تُجْدِ فِيها مُحاوَلَةٌ. وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ﴾ إلَخْ تَعْلِيلٌ لِوَجْهِ التَّفْضِيلِ إذْ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَغْرَبَ، ومَوْقِعُ هَذِهِ الواوِ الأُولى في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ عَسِيرٌ فَقِيلَ هي لِلْحالِ مِنَ الحِجارَةِ المُقَدَّرَةِ بَعْدَ (أشَدُّ) أيْ أشَدُّ مِنَ الحِجارَةِ قَسْوَةً، أيْ تَفْضِيلُ القُلُوبِ عَلى الحِجارَةِ في القَسْوَةِ يَظْهَرُ في هَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي وُصِفَتْ بِها الحِجارَةُ ومَعْنى التَّقْيِيدِ أنَّ التَّفْضِيلَ أظْهَرُ في هَذِهِ الأحْوالِ، وقِيلَ هي الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ، وكَأنَّهُ يَجْعَلُ مَضْمُونَ هَذِهِ المَعْطُوفاتِ غَيْرَ راجِعٍ إلى مَعْنى تَشْبِيهِ القُلُوبِ بِالحِجارَةِ في القَساوَةِ بَلْ يَجْعَلُها إخْبارًا عَنْ مَزايا فُضِّلَتْ بِها الحِجارَةُ عَلى قُلُوبِ هَؤُلاءِ بِما يَحْصُلُ عَنْ هَذِهِ الحِجارَةِ مِن مَنافِعَ في حِينِ تُعَطَّلُ قُلُوبُ هَؤُلاءِ مِن صُدُورِ النَّفْعِ بِها، وقِيلَ الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ وهو تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَةِ السّابِقَةِ وفِيهِ بُعْدٌ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، والظّاهِرُ أنَّها الواوُ (p-٥٦٥)الِاعْتِراضِيَّةُ وأنَّ جُمْلَةَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وبَيْنَ جُمْلَةِ الحالِ مِنها وهي قَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ والتَّوْكِيدُ بِإنَّ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وهَذا الِاهْتِمامُ يُؤْذِنُ بِالتَّعْلِيلِ ووُجُودُ حَرْفِ العَطْفِ قَبْلَها لا يُناكِدُ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١] ومِن بَدِيعِ التَّخَلُّصِ تَأخُّرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنِ التَّسَخُّرِ لِأمْرِ التَّكْوِينِ بِالخَشْيَةِ لِيَتِمَّ ظُهُورُ تَفْضِيلِ الحِجارَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ في أحْوالِها الَّتِي نِهايَتُها الِامْتِثالُ لِلْأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مَعَ تَعاصِي قُلُوبِهِمْ عَنِ الِامْتِثالِ لِلْأمْرِ التَّكْلِيفِيِّ لِيَتَأتّى الِانْتِقالُ إلى قَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . وقَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ انْفِجارَ الماءِ مِنَ الأرْضِ مِنَ الصُّخُورِ مُنْحَصِرٌ في هَذَيْنِ الحالَيْنِ وذَلِكَ هو ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الجُغْرافِيا الطَّبِيعِيَّةِ أنَّ الماءَ النّازِلَ عَلى الأرْضِ يَخْرِقُ الأرْضَ بِالتَّدْرِيجِ لِأنَّ طَبْعَ الماءِ النُّزُولُ إلى الأسْفَلِ جَرْيًا عَلى قاعِدَةِ الجاذِبِيَّةِ فَإذا اضُّغِطَ عَلَيْهِ بِثِقَلِ نَفْسِهِ مِن تَكاثُرِهِ أوْ بِضاغِطٍ آخَرَ مِن أهْوِيَةِ الأرْضِ تَطَلَّبَ الخُرُوجَ حَتّى إذا بَلَغَ طَبَقَةً صَخْرِيَّةً أوْ صَلْصالِيَّةً طَفا هُناكَ فالحَجَرُ الرَّمْلِيُّ يَشْرَبُ الماءَ، والصُّخُورُ والصَّلْصالُ لا يَخْرِقُها الماءُ إلّا إذا كانَتِ الصُّخُورُ مُرَكَّبَةً مِن مَوادَّ كِلْسِيَّةٍ وكانَ الماءُ قَدْ حَمَلَ في جَرْيَتِهِ أجْزاءً مِن مَعْدِنِ الحامِضِ الفَحْمِيِّ فَإنَّ لَهُ قُوَّةً عَلى تَحْلِيلِ الكِلْسِ. فَيُحْدِثُ ثُقْبًا في الصُّخُورِ الكِلْسِيَّةِ حَتّى يَخْرِقَها فَيَخْرُجَ مِنها نابِعًا كالعُيُونِ. وإذا اجْتَمَعَتِ العُيُونُ في مَوْضِعٍ نَشَأتْ عَنْها الأنْهارُ كالنِّيلِ النّابِعِ مِن جِبالِ القَمَرِ، وأمّا الصُّخُورُ غَيْرُ الكِلْسِيَّةِ فَلا يُفَتِّتُها الماءُ ولَكِنْ قَدْ يَعْرِضُ لَها انْشِقاقٌ بِالزَّلازِلِ أوْ بِفَلْقِ الآلاتِ فَيَخْرُجُ مِنها الماءُ إمّا إلى ظاهِرِ الأرْضِ كَما نَرى في الآبارِ وقَدْ يَخْرُجُ مِنها الماءُ إلى طَبَقَةٍ تَحْتَها فَيَخْتَزِنُ تَحْتَها حَتّى يَخْرُجَ بِحالَةٍ مِنَ الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَدْ يَجِدُ الماءُ في سَيْرِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ تَحْتَ الصَّخْرِ أوْ بَعْدَهُ مَنفَذًا إلى أرْضٍ تُرابِيَّةٍ فَيَخْرُجُ طافِيًا مِن سَطْحِ الصُّخُورِ الَّتِي جَرى فَوْقَها. وقَدْ يَجِدُ الماءُ في سَيْرِهِ مُنْخَفَضاتٍ في داخِلِ الأرْضِ فَيَسْتَقِرُّ فِيها ثُمَّ إذا انْضَمَّتْ إلَيْهِ كَمِّيّاتٌ أُخْرى تَطَلَّبَ الخُرُوجَ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ المُتَقَدِّمَةِ ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ تَنْفَجِرَ الأنْهارُ عَقِبَ الزَّلازِلِ. والخَشْيَةُ في الحَقِيقَةِ الخَوْفُ الباعِثُ عَلى تَقْوى الخائِفِ غَيْرَهُ. وهي حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في امْتِثالِ الأمْرِ التَّكْلِيفِيِّ لِأنَّها الباعِثُ عَلى الِامْتِثالِ. وجُعِلَتْ هُنا مَجازًا عَنْ قَبُولِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ (p-٥٦٦)إمّا مُرْسَلًا بِالإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، وإمّا تَمْثِيلًا لِلْهَيْئَةِ عِنْدَ التَّكْوِينِ بِهَيْئَةِ المُكَلَّفِ إذْ لَيْسَتْ لِلْحِجارَةِ خَشْيَةٌ إذْ لا عَقْلَ لَها. وقَدْ قِيلَ إنَّ إسْنادَ يَهْبِطُ لِلْحَجَرِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ والمُرادُ هُبُوطُ القُلُوبِ أيْ قُلُوبِ النّاظِرِينَ إلى الصُّخُورِ والجِبالِ أيْ خُضُوعُها فَأُسْنِدَ الهُبُوطُ إلَيْها لِأنَّها سَبَبُهُ كَما قالُوا ناقَةٌ تاجِرَةٌ أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى المُساوَمَةِ فِيها. وقَوْلُهُ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ تَذْيِيلٌ في مَحَلِّ الحالِ أيْ فَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَنْ كُلِّ صُنْعِكم وقَدْ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ تَكْمِلَةَ خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ يَعْمَلُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وهو انْتِقالٌ مِن خِطابِهِمْ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ غَيَّرَ أُسْلُوبَهُ إلى الغَيْبَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتِ لِاخْتِلافِ مَرْجِعِ الضَّمِيرَيْنِ لِأنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] عَلَيْهِ دَلَّ عَلى أنَّ الكَلامَ نُقِلَ مِن خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى خِطابِ المُسْلِمِينَ. وهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ لَهم مُباشَرَةً أوْ تَعْرِيضًا.


ركن الترجمة

Yet, in spite of this, your hearts only hardened like rocks or even harder, but among rocks are those from which rivers flow; and there are also those which split open and water gushes forth; as well as those that roll down for fear of God. And God is not negligent of all that you do.

Puis, et en dépit de tout cela, vos cœurs se sont endurcis; ils sont devenus comme des pierres ou même plus durs encore; car il y a des pierres d'où jaillissent les ruisseaux, d'autres se fendent pour qu'en surgisse l'eau, d'autres s'affaissent par crainte d'Allah. Et Allah n'est certainement jamais inattentif à ce que vous faites

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :