ركن التفسير
37 - (وإذ) منصوب باذكر (تقول للذي أنعم الله عليه) بالإسلام (وأنعمت عليه) بالاعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سبي الجاهلية اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأعتقه وتبناه (أمسك عليك زوجك واتق الله) في أمر طلاقها (وتخفي في نفسك ما الله مبديه) مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها (وتخشى الناس) أن يقولوا تزوج زوجة ابنه (والله أحق أن تخشاه) في كل شيء وتزوجها ولا عليك من قول الناس ثم طلقها زيد وانقضت عدتها قال تعالى (فلما قضى زيد منها وطرا) حاجة (زوجناكها) فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن وأشبع المسلمين خبزا ولحما (لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر) مقضيه (الله)
يقول تعالى مخبرا عن نبيه قال لمولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه وهو الذي أنعم الله عليه أي بالإسلام ومتابعة الرسول "وأنعمت عليه "أي بالعتق من الرق وكان سيدا كبير الشأن جليل القدر حبيبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له الحب ويقال لابنه أسامة الحب ابن الحب قالت عائشة رضي الله عنها ما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية إلا أمره عليهم ولو عاش بعده لاستخلفه رواه الإمام أحمد عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد عن وائل بن داود عن عبد الله البهي عنها وقال البزار حدثنا خالد بن يوسف حدثنا أبو عوانه ح وحدثنا محمد بن معمر حدثنا أبو داود حدثنا أبو عوانه أخبرني عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال حدثني أسامه بن زيد رضي الله عنهما قال: كنت في المسجد فأتاني العباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما فقالا يا أسامة استأذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأتيت رسول الله فأخبرته فقلت علي والعباس يستأذنان فقال صلى الله عليه وسلم أتدري ما حاجتهما؟ قلت لا يا رسول الله قال صلى الله عليه وسلم لكني أدري قال فأذن لهما قالا يا رسول الله جئناك لتخبرنا أي أهلك أحب إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم أحب أهلي إلي فاطمة بنت محمد قالا يا رسول الله ما نسألك عن فاطمة قال صلى الله عليه وسلم فأسامة بن زيد بن حارثه الذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها وأمها أميمة بنت عبد المطلب وأصدقها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدا من طعام وعشرة أمداد من تمر قاله مقاتل بن حيان فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها ثم وقع بينهما فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل رسول الله يقول له أمسك عليك زوجك واتق الله قال الله تعالى "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه "ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا آثارا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنها صفحا لعدم صحتها فلا نوردها وقد روى الإمام أحمد ههنا أيضا حديث من رواية حماد بن زيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه فيه غرابة تركنا سياقه أيضا وقد روى البخاري أيضا بعضه مختصرا فقال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا يعلى بن منصور عن حماد بن زيد حدثنا ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن هذه الآية "وتخفي في نفسك ما الله مبديه "نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثه رضي الله عنهما وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن حاتم بن مرزوق حدثنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال سألني علي بن الحسين رضي الله عنهما ما يقول الحسن في قوله تعالى "وتخفي في نفسك ما الله مبديه "فذكرت له فقال لا ولكن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها فلما أتاه زيد رضي الله عنه ليشكوها إليه قال اتق الله وأمسك عليك زوجك فقال قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك وقال ابن جرير حدثني إسحاق بن شاهين حدثني خالد عن داود عن عامر عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لو كتم محمد شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه "وقوله تعالى "فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها "الوطر هو الحاجة والأرب أي لما فرغ منها وفارقها زوجناكها وكان الذي ولي تزويجها منه هو الله عز وجل بمعنى أنه أوحى أن يدخل عليها بلا ولي ولا عقد ولا مهر ولا شهود من البشر قال الإمام أحمد حدثنا هاشم يعني ابن القاسم أخبرنا النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال لما انقضت عدة زينب رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة اذهب فاذكرها علي فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها وأقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت يا زينب أبشري أرسلني رسول الله يذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله فدخل عليها بغير إذن ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطعمنا عليها الخبز واللحم فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله واتبعته فجعل يتتبع حجر نسائه يسلم عليهن ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقي الستر بيني وبينه ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به "لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم "الآية كلها ورواه مسلم والنسائي من طرق عن سليمان ابن المغيرة به وقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال إن زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات وقد قدمنا في سورة النور عن محمد بن عبد الله بن جحش قال تفاخرت زينب وعائشة رضي الله عنهما فقالت زينب رضي الله عنها أنا التي نزل تزويجي من السماء وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها أنا التي نزل عزري من السماء فاعترفت لها زينب رضي الله عنها وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن المغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم إني لأدلي عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدلي بهن: إن جدي وجدك واحد وإني أنكحنيك الله عز وجل من السماء وإن السفير جبريل عليه السلام وقوله تعالى "لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا "أي إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة رضي الله عنه فكان يقال زيد بن محمد فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى "وما جعل أدعياءكم أبناءكم "إلى قوله تعالى "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله "ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله عنها لما طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه ولهذا قال تعالى في آية التحريم "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم "ليحترز من الابن الدعي فإن ذلك كان كثيرا فيهم وقوله تعالى "وكان أمر الله مفعولا "أي وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحتمه وهو كائن لا محالة كانت زينب رضي الله عنها في علم الله ستصير من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا .فيه تسع مسائل :الأولى : روى الترمذي قال : حدثنا علي بن حجر قال حدثنا داود بن الزبرقان عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه يعني بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق فأعتقته . أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه - إلى قوله - وكان أمر الله مفعولا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا : تزوج حليلة ابنه ، فأنزل الله تعالى : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبناه وهو صغير ، فلبث حتى صار رجلا يقال له زيد بن محمد ، فأنزل الله تبارك وتعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم فلان مولى فلان ، وفلان أخو فلان ، هو أقسط عند الله يعني أعدل . قال أبو عيسى : هذا حديث غريب قد روي عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها . قالت : لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه هذا الحرف لم يرو بطوله .قلت : هذا القدر هو الذي أخرجه مسلم في صحيحه ، وهو الذي صححه الترمذي في جامعه . وفي البخاري عن أنس بن مالك أن هذه الآية وتخفي في نفسك ما الله مبديه نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة . وقال عمرو بن مسعود وعائشة والحسن : ما أنزل الله على رسوله آية أشد عليه من هذه الآية . وقال الحسن وعائشة : لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية لشدتها عليه . وروي في الخبر أنه : أمسى زيد فأوى إلى فراشه ، قالت زينب : ولم يستطعني زيد ، وما أمتنع منه غير ما منعه الله مني ، فلا يقدر علي . هذه رواية أبي عصمة نوح بن أبي مريم ، رفع الحديث إلى زينب أنها قالت ذلك . وفي بعض الروايات : أن زيدا تورم ذلك منه حين أراد أن يقربها ، فهذا قريب من ذلك . وجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن زينب تؤذيني بلسانها وتفعل وتفعل ! وإني أريد أن أطلقها ، فقال له : أمسك عليك زوجك واتق الله الآية . فطلقها زيد فنزلت : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه الآية .واختلف الناس في تأويل هذه الآية ، فذهب قتادة وابن زيد وجماعة من المفسرين ، منهم الطبري وغيره - إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب بنت جحش ، وهي في عصمة زيد ، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو ; ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها ، ويشكو منها غلظة قول وعصيان أمر ، وأذى باللسان وتعظما بالشرف ، قال له : اتق الله - أي فيما تقول عنها - وأمسك عليك زوجك وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها . وهذا الذي كان يخفي في نفسه ، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف . وقال مقاتل : زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد فمكثت عنده حينا ، ثم إنه عليه السلام أتى زيدا يوما يطلبه ، فأبصر زينب قائمة ، كانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش ، فهويها وقال : سبحان الله مقلب القلوب ! فسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ، ففطن زيد فقال : يا رسول الله ، ائذن لي في طلاقها ، فإن فيها كبرا ، تعظم علي وتؤذيني بلسانها ، فقال عليه السلام : أمسك عليك زوجك واتق الله . وقيل : إن الله بعث ريحا فرفعت الستر وزينب متفضلة في منزلها ، فرأى زينب فوقعت في نفسه ، ووقع في نفس زينب أنها وقعت في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وذلك لما جاء يطلب زيدا ، فجاء زيد فأخبرته بذلك ، فوقع في نفس زيد أن يطلقها . وقال ابن عباس : وتخفي في نفسك الحب لها . وتخشى الناس أي تستحييهم .وقيل : تخاف وتكره لائمة المسلمين لو قلت طلقها ، ويقولون أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها حين طلقها . والله أحق أن تخشاه في كل الأحوال . وقيل والله أحق أن تستحي منه ، ولا تأمر زيدا بإمساك زوجته بعد أن أعلمك الله أنها ستكون زوجتك ، فعاتبه الله على جميع هذا . وروي عن علي بن الحسين : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيدا يطلق زينب ، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها ، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم خلق زينب ، وأنها لا تطيعه ، وأعلمه أنه يريد طلاقها ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية : اتق الله في قولك وأمسك عليك زوجك وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها ، وهذا هو الذي أخفى في نفسه ، ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها ، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد ، وهو مولاه ، وقد أمره بطلاقها ، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من أن خشي الناس في شيء قد أباحه الله له ، بأن قال : أمسك مع علمه بأنه يطلق . وأعلمه أن الله أحق بالخشية ، أي في كل حال . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية ، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين ، كالزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري ، والقاضي أبي بكر ابن العربي وغيرهم . والمراد بقوله تعالى : وتخشى الناس إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه . فأما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم هوي زينب امرأة زيد - وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق - فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا ، أو مستخف بحرمته . قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ، وأسند إلى علي بن الحسين قوله : فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرا من الجواهر ، ودرا من الدرر ، أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك ، فكيف قال بعد ذلك لزيد : أمسك عليك زوجك وأخذتك خشية الناس أن يقولوا : تزوج امرأة ابنه ، والله أحق أن تخشاه . وقال النحاس : قال بعض العلماء : ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة ، ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالاستغفار منه . وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه ، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس .الثانية : قال ابن العربي : فإن قيل لأي معنى قال له : أمسك عليك زوجك وقد أخبره الله أنها زوجه . قلنا : أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه الله من رغبته فيها أو رغبته عنها ، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهة فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها . فإن قيل : كيف يأمره بالتمسك بها وقد علم أن الفراق لا بد منه ؟ وهذا تناقض . قلنا : بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة ، لإقامة الحجة ومعرفة العاقبة ، ألا ترى أن الله تعالى يأمر العبد بالإيمان وقد علم أنه لا يؤمن ، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلا وحكما . وهذا من نفيس العلم فتيقنوه وتقبلوه . وقوله : ( واتق الله ) أي في طلاقها ، فلا تطلقها . وأراد نهي تنزيه لا نهي تحريم ؛ لأن الأولى ألا يطلق . وقيل : اتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج . ( وتخفي في نفسك ) قيل : تعلق قلبه . وقيل : مفارقة زيد إياها . وقيل : علمه بأن زيدا سيطلقها ؛ لأن الله قد أعلمه بذلك .الثالثة : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لزيد : ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب علي . قال : فذهبت ووليتها ظهري توقيرا للنبي صلى الله عليه وسلم ، وخطبتها ففرحت وقالت : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ودخل بها .قلت : معنى هذا الحديث ثابت في الصحيح . وترجم له النسائي ( صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ربها ) روى الأئمة - واللفظ لمسلم - عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : فاذكرها علي قال : فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها . قال : فلما رأيتها عظمت في صدري ، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ، ونكصت على عقبي ، فقلت : يا زينب ، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك ، قالت ، : ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن . قال : فقال ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار . . الحديث . في رواية ( حتى تركوه ) . وفي رواية عن أنس أيضا قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب ، فإنه ذبح شاة . قال علماؤنا : فقوله عليه السلام لزيد : فاذكرها علي أي اخطبها ، كما بينه الحديث الأول . وهذا امتحان لزيد واختبار له ، حتى يظهر صبره وانقياده وطوعه .قلت : وقد يستنبط من هذا أن يقول الإنسان لصاحبه : اخطب علي فلانة ، لزوجه المطلقة منه ، ولا حرج في ذلك . والله أعلم .الرابعة : لما وكلت أمرها إلى الله وصح تفويضها إليه تولى الله إنكاحها ، ولذلك قال : فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها . وروى الإمام جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وطرا زوجتكها ) . ولما أعلمه الله بذلك دخل عليها بغير إذن ، ولا تجديد عقد ولا تقرير صداق ، ولا شيء مما يكون شرطا في حقوقنا ومشروعا لنا . وهذا من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها أحد بإجماع من المسلمين . ولهذا كانت زينب تفاخر نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول : زوجكن آباؤكن وزوجني الله تعالى . أخرجه النسائي عن أنس بن مالك قال : كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقول . إن الله عز وجل أنكحني من السماء . وفيها نزلت آية الحجاب ، وسيأتي .الخامسة : المنعم عليه في هذه الآية هو زيد بن حارثة ، كما بيناه ، وقد تقدم خبره في أول السورة . وروي أن عمه لقيه يوما وكان قد ورد مكة في شغل له ، فقال : ما اسمك يا غلام ؟ قال : زيد ، قال : ابن من ؟ قال : ابن حارثة . قال ابن من ؟ قال : ابن شراحيل الكلبي . قال : فما اسم أمك ؟ قال : سعدى ، وكنت في أخوالي طي ، فضمه إلى صدره . وأرسل إلى أخيه وقومه فحضروا ، وأرادوا منه أن يقيم معهم ، فقالوا : لمن أنت ؟ قال : لمحمد بن عبد الله ، فأتوه وقالوا : هذا ابننا فرده علينا . فقال : اعرض عليه ، فإن اختاركم فخذوا بيده فبعث إلى زيد وقال : هل تعرف هؤلاء ؟ قال : نعم هذا أبي ، وهذا أخي ، وهذا عمي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : فأي صاحب كنت لك ؟ فبكى وقال : لم سألتني عن ذلك ؟ قال : أخيرك ، فإن أحببت أن تلحق بهم فالحق وإن أردت أن تقيم فأنا من قد عرفت فقال : ما أختار عليك أحدا . فجذبه عمه وقال : يا زيد ، اخترت العبودية على أبيك وعمك ! فقال : أي والله العبودية عند محمد أحب إلي من أن أكون عندكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهدوا أني وارث وموروث . فلم يزل يقال : زيد بن محمد إلى أن نزل قوله تعالى : ادعوهم لآبائهم ونزل ما كان محمد أبا أحد من رجالكم .السادسة : قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي رضي الله عنه : كان يقال زيد بن محمد حتى نزل ادعوهم لآبائهم فقال : أنا زيد بن حارثة . وحرم عليه أن يقول : أنا زيد بن محمد . فلما نزع عنه هذا الشرف وهذا الفخر ، وعلم الله وحشته من ذلك شرفه بخصيصة لم يكن يخص بها أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهي أنه سماه في القرآن ، فقال تعالى : فلما قضى زيد منها وطرا يعني من زينب . ومن ذكره الله تعالى باسمه في الذكر الحكيم حتى صار اسمه قرآنا يتلى في المحاريب ، نوه به غاية التنويه ، فكان في هذا تأنيس له وعوض من الفخر بأبوة محمد صلى الله عليه وسلم له . ألا ترى إلى قول أبي بن كعب حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة كذا فبكى وقال : أوذكرت هنالك ؟ وكان بكاؤه من الفرح حين أخبر أن الله تعالى ذكره ، فكيف بمن صار اسمه قرآنا يتلى مخلدا لا يبيد ، يتلوه أهل الدنيا إذا قرءوا القرآن ، وأهل الجنة كذلك أبدا ، لا يزال على ألسنة المؤمنين ، كما لم يزل مذكورا على الخصوص عند رب العالمين ، إذ القرآن كلام الله القديم ، وهو باق لا يبيد ، فاسم زيد هذا في الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة ، تذكره في التلاوة السفرة الكرام البررة . وليس ذلك لاسم من أسماء المؤمنين إلا لنبي من الأنبياء ، ولزيد بن حارثة تعويضا من الله تعالى له مما نزع عنه . وزاد في الآية أن قال : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه أي بالإيمان ، فدل على أنه من أهل الجنة ، علم ذلك قبل أن يموت ، وهذه فضيلة أخرى .السابعة : قوله تعالى : ( وطرا ) الوطر كل حاجة للمرء له فيها همة ، والجمع الأوطار . قال ابن عباس : أي بلغ ما أراد من حاجته ، يعني الجماع . وفيه إضمار ، أي لما قضى وطره منها وطلقها زوجناكها . وقراءة أهل البيت ( زوجتكها ) . وقيل : الوطر عبارة عن الطلاق ، قاله قتادة .الثامنة : ذهب بعض الناس من هذه الآية ، ومن قول شعيب : ( إني أريد أن أنكحك ) إلى أن ترتيب هذا المعنى في المهور ينبغي أن يكون : ( أنكحه إياها ) فتقدم ضمير الزوج كما في الآيتين . وكذلك قوله عليه السلام لصاحب الرداء اذهب فقد أنكحتكها بما معك من القرآن . قال ابن عطية : وهذا غير لازم ؛ لأن الزوج في الآية مخاطب فحسن تقديمه ، وفي المهور الزوجان سواء ، فقدم من شئت ، ولم يبق ترجيح إلا بدرجة الرجال ، وأنهم القوامون .التاسعة : قوله تعالى : زوجناكها دليل على ثبوت الولي في النكاح ، وقد : تقدم الخلاف في ذلك . روي أن عائشة وزينب تفاخرتا ، فقالت عائشة : أنا التي جاء بي الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة من حرير فيقول : هذه امرأتك خرجه الصحيح . وقالت زينب : أنا التي زوجني الله من فوق سبع سماوات . وقال الشعبي : كانت زينب تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأدل عليك بثلاث ، ما من نسائك امرأة تدل بهن : إن جدي وجدك واحد ، وإن الله أنكحك إياي من السماء ، وإن السفير في ذلك جبريل . وروي عن زينب أنها قالت : لما وقعت في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستطعني زيد ، وما أمتنع منه غير ما يمنعه الله تعالى مني فلا يقدر علي .
(p-٢٩)﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ. وهو مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّذَكُّرِ فَلَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ بِأنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِلنّاسِ إذْ لا جَدْوى في ذَلِكَ لَكِنَّهُ ذَكَّرَ رَسُولَهُ ﷺ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . والمَقْصُودُ بِهَذا الِاعْتِبارُ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأسْبابَ لِمُسَبَّباتِها لِتَحْقِيقِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ قالَ عَقِبَهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ وقَوْلُهُ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] . وهَذا مَبْدَأُ المَقْصُودِ مِنَ الِانْتِقالِ إلى حُكْمِ إبْطالِ التَّبَنِّي ودَحْضِ ما بَناهُ المُنافِقُونَ عَلى أساسِهِ الباطِلِ، بِناءً عَلى كُفْرِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ غَمَزُوا مَغامِزَ في قَضِيَّةِ تَزَوَّجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ بَعْدَ أنْ طَلَّقَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ وقَدْ نَهى عَنْ تَزَوُّجِ حَلائِلِ الأبْناءِ. ولِذَلِكَ خُتِمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ وتَوابِعُها بِالثَّناءِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] الآيَةَ. وبِالإعْراضِ عَنِ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ وعَنْ أذاهم. وزَيْدٌ هو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، فاللَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالإيمانِ والخَلاصِ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ بِأنْ يَسَّرَ دُخُولَهُ في مِلْكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالعِتْقِ والتَّبَنِّي والمَحَبَّةِ، ويَأْتِي التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ العَلَمِ إثْرَ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ وهو زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ الكَلْبِيُّ مِن كَلْبِ بْنِ وبَرَةَ وبَنُو كَلْبٍ مِن تَغْلِبَ. كانَتْ خَيْلٌ مِن بَنِي القَيْنِ بْنِ جَسْرٍ أغارُوا عَلى أبْياتٍ مِن بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ مِن طَيْءٍ، وكانَتْ أُمُّ زَيْدٍ وهَيَ سُعْدى بَنْتُ ثَعْلَبَةَ مِن بَنِي مَعْنٍ خَرَجَتْ بِهِ إلى قَوْمِها تَزُورُهم فَسَبَقَتْهُ الخَيْلُ المُغِيرَةُ وباعُوهُ في سُوقِ حُباشَةَ بِضَمِّ الحاءِ المُهْمَلَةِ بِناحِيَةِ مَكَّةَ فاشْتَراهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ لِعَمَّتِهِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا تَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهَبَتْهُ خَدِيجَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وزَيْدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ وذَلِكَ قَبْلَ البَعْثَةِ، فَحَجَّ ناسٌ مِن كَلْبٍ فَرَأوْا زَيْدًا (p-٣٠)بِمَكَّةَ فَعَرَفُوهُ وعَرَفَهم فَأعْلَمُوا أباهُ ووَصَفُوا مَوْضِعَهُ وعِنْدَ مَن هو، فَخَرَجَ أبُوهُ حارِثَةُ وعَمُّهُ كَعْبٌ لِفِدائِهِ فَدَخَلا مَكَّةَ وكَلَّما النَّبِيَّ ﷺ في فِدائِهِ فَأتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما فَعَرَفَهُما، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَّلامُ -: «اخْتَرْنِي أوِ اخْتَرْهُما. قالَ زَيْدٌ: ما أنا بِالَّذِي اخْتارُ عَلَيْكَ أحَدًا فانْصَرَفَ أبُوهُ وعَمُّهُ وطابَتْ أنْفُسُهُما بِبَقائِهِ، فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ مِنهُ ذَلِكَ أخْرَجَهُ إلى الحِجْرِ وقالَ: يا مَن حَضَرَ اشْهَدُوا أنَّ زَيْدًا ابْنِي يَرِثُنِي وأرِثُهُ» فَصارَ ابْنًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى حُكْمِ التَّبَنِّي بِالجاهِلِيَّةِ وكانَ يُدْعى: زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَهَ أُمَّ أيْمَنٍ مَوْلاتَهُ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وطَلَّقَها. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ زَوَّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الأسَدِيِّ حَلِيفِ آلِ عَبْدِ شَمْسٍ وهي ابْنَةُ عَمَّتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. ثُمَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ولَمّا بَطَلَ حُكْمُ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] صارَ يُدْعى: حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ. وفي سَنَةِ خَمْسٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ طَلَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُمُّها البَيْضاءُ بِنْتُ عَبْدِ المَطَّلِبِ ووَلَدَتْ لَهُ زَيْدَ بْنَ زَيْدٍ ورُقَيَّةَ ثُمَّ طَلَّقَها، وتَزَوَّجَ دُرَّةَ بِنْتَ أبِي لَهَبٍ، ثُمَّ طَلَّقَها وتَزَوَّجَ هِنْدَ بِنْتَ العَوّامِ أُخْتَ الزُّبَيْرِ. وشَهِدَ زَيْدٌ بَدْرًا والمَغازِي كُلَّها. وقُتِلَ في غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ ثَمانٍ وهو أمِيرٌ عَلى الجَيْشِ وهو ابْنُ خَمْسٍ وخَمْسُونَ سَنَةً. وزَوْجُ زَيْدٍ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ هي زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَةُ وكانَ اسْمُها بَرَّةَ فَلَمّا تَزَوَّجَها النَّبِيءُ ﷺ سَمّاها زَيْنَبَ، وأبُوها جَحْشٌ مِن بَنِي أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وكانَ أبُوها حَلِيفًا لِآلِ عَبْدِ شَمْسٍ بِمَكَّةَ وأُمُّها أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبَدِ المَطَّلَبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَها زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ في الجاهِلِيَّةِ ثُمَّ طَلَّقَها بِالمَدِينَةِ، وتَزَوَّجَها النَّبِيُّ ﷺ سَنَةَ خَمْسٍ، وتُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ وعُمُرُها ثَلاثٌ وخَمْسُونَ سَنَةً، فَتَكُونُ مَوْلُودَةً سَنَةَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، أيْ سَنَةَ عِشْرِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ. والإتْيانُ بِفِعْلِ القَوْلِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ القَوْلِ وتَكْرِيرِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] وقَوْلِهِ ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] وفي ذَلِكَ تَصْوِيرٌ لِحَثِّ (p-٣١)النَّبِيِّ ﷺ زَيْدًا إلى إمْساكِ زَوْجِهِ وأنْ لا يُطَلِّقَها، ومُعاوَدَتِهِ عَلَيْهِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ هُنا بِالمَوْصُولِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ الَّذِي يَأْتِي في قَوْلِهِ ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ﴾ لِما تُشْعِرُ بِهِ الصِّلَةُ المَعْطُوفَةُ وهي ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ مِن تَنَزُّهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ اسْتِعْمالِ ولائِهِ لِحَمْلِهِ عَلى تَطْلِيقِ زَوْجِهِ، فالمَقْصُودُ هو الصِّلَةُ الثّانِيَةُ وهي ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنها أنَّ زَيْدًا أخَصُّ النّاسِ بِهِ، وأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أحْرَصُ عَلى صَلاحِهِ، وأنَّهُ أشارَ عَلَيْهِ بِإمْساكِ زَوْجِهِ لِصَلاحِها بِهِ، وأمّا صِلَةُ ﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ فَهي تَوْطِئَةٌ لِلثّانِيَةِ. واعْلَمْ أنَّ المَأْثُورَ الصَّحِيحَ في هَذِهِ الحادِثَةِ: أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بَقِيَتْ عِنْدَهُ زَيْنَبُ سِنِينَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ؛ فَكانَ إذا جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَها ما يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ تارَةً مِن خِلافٍ أدْلَتْ عَلَيْهِ بِسُؤْدُدِها وغَضَّتْ مِنهُ بِوِلايَتِهِ فَلَمّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ عَزَمَ عَلى أنْ يُطَلِّقَها وجاءَ يُعْلِمُ رَسُولَ اللَّهِ بِعَزْمِهِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَزَوَّجَها مِن عِنْدِهِ. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ زَيْنِ العابِدِينَ: أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ سَيَنْكِحُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ يُعْلِمُهُ أنَّ اللَّهَ زَوَّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وذَلِكَ هو ما في نَفْسِهِ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أنَّهُ مُخْتارُ بَكْرِ بْنِ العَلاءِ القُشَيْرِيِّ، وأبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ ذَلِكَ كانَ في الرُّؤْيا كَما أُرِيَ أنَّهُ «قالَ لِعائِشَةَ أتانِي بِكِ المَلَكُ في المَنامِ في سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ يَقُولُ لِي: هَذِهِ امْرَأتُكَ فاكْشِفْ فَإذا هي أنْتِ فَأقُولُ: إنْ يَكُنْ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» . فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ تَوْفِيَةً بِحَقِّ النَّصِيحَةِ وهو أمْرُ نُصْحٍ وإشارَةٍ بِخَيْرٍ، لا أمْرُ تَشْرِيعٍ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في هَذا المَقامِ مُتَصَرِّفٌ بِحَقِّ الوَلاءِ والصُّحْبَةِ لا بِصِفَةِ التَّشْرِيعِ والرِّسالَةِ، وأداءُ هَذِهِ الأمانَةِ لا يَتَأكَّدُ أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ أنَّ زَيْنَبَ صائِرَةٌ زَوْجًا لَهُ لِأنَّ عِلْمَ النَّبِيءِ بِما سَيَكُونُ لا يَقْتَضِي إجْراءَهُ وإرْشادَهُ أوْ تَشْرِيعَهُ بِخِلافِ عِلْمِهِ أوْ ظَنِّهِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَعْلَمُ أنَّ أبا (p-٣٢)جَهْلٍ مَثَلًا لا يُؤْمِنُ ولَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أنْ يُبَلِّغَهُ الرِّسالَةَ ويُعاوِدَهُ الدَّعْوَةَ، ولِأنَّ رَغْبَتَهُ في حُصُولِ شَيْءٍ لا تَقْتَضِي إجْراءَ أمْرِهِ عَلى حَسَبِ رَغْبَتِهِ إنْ كانَتْ رَغْبَتُهُ تُخالِفُ ما يَحْمِلُ النّاسَ عَلَيْهِ، كَما كانَ يَرْغَبُ أنْ يَقُومَ أحَدٌ يَقْتُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ إعْلانَهُ بِالتَّوْبَةِ مِنِ ارْتِدادِهِ حِينَ جاءَ بِهِ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ يَوْمَ الفَتْحِ تائِبًا. ولِذَلِكَ كُلِّهِ لا يُعَدُّ تَصْمِيمُ زَيْدٍ عَلى طَلاقِ زَيْنَبَ عِصْيانًا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّ أمْرَهُ في ذَلِكَ كانَ عَلى وجْهِ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجِهِ. ولا يَلْزَمُ أحَدًا المَصِيرُ إلى إشارَةِ المُشِيرِ كَما اقْتَضاهُ «حَدِيثُ بَرِيرَةَ مَعَ زَوْجِها مُغِيثٍ إذْ قالَ لَها لَوْ راجَعْتِهِ ؟ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي ؟ قالَ: لا إنَّما أنا أشْفَعُ، قالَتْ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ» . وقَوْلُهُ (أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ كَلامٍ صَدَرَ مِن زَيْدٍ بِأنْ جاءَ زَيْدٌ مُسْتَشِيرًا في فِراقِ زَوْجِهِ، أوْ مُعْلِمًا بِعَزْمِهِ عَلى فِراقِها. (وأمْسِكْ عَلَيْكَ) مَعْناهُ: لازِمْ عِشْرَتَها، فالإمْساكُ مُسْتَعارٌ لِبَقاءِ الصُّحْبَةِ تَشْبِيهًا لِلصّاحِبِ بِالشَّيْءِ المُمْسَكِ بِاليَدِ. وزِيادَةُ (عَلَيْكَ) لِدِلالَةِ (عَلى) عَلى المُلازَمَةِ والتَّمَكُّنِ مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] أوْ لِتَضَمُّنِ (أمَسِكْ) مَعْنى احْبِسْ، أيِ ابْقِ في بَيْتِكَ زَوْجِكِ، وأمْرُهُ بِتَقْوى اللَّهِ تابِعٌ لِلْإشارَةِ بِإمْساكِها، أيِ اتَّقِ اللَّهَ في عِشْرَتِها كَما أمَرَ اللَّهُ ولا تَحِدْ عَنْ واجِبِ حُسْنِ المُعاشَرَةِ، أيِ اتَّقِ اللَّهَ بِمُلاحَظَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . وجُمْلَةُ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (تَقُولُ) . والإتْيانُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في قَوْلِهِ وتُخْفِي لِلدِّلالَةِ عَلى تَكَرُّرِ إخْفاءِ ذَلِكَ وعَدَمِ ذِكْرِهِ. والَّذِي في نَفْسِهِ عِلْمُهُ بِأنَّهُ سَيَتَزَوَّجُ زَيْنَبَ وأنَّ زَيْدًا يُطَلِّقُها، وذَلِكَ سِرٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ لَيْسَ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ ولا مِمّا لِلنّاسِ فائِدَةٌ مِن عِلْمِهِ حَتّى يُبَلِّغُوهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعْلِمْ عائِشَةَ ولا أباها بِرُؤْيا إتْيانِ المَلَكِ بِها في سَرَقَةِ حَرِيرٍ إلّا بَعْدَ أنْ تَزَوَّجَها. فَماصَدَقُ (ما في نَفْسِكَ) هو التَّزَوُّجُ بِزَيْنَبَ وهو الشَّيْءُ الَّذِي سَيُبْدِيهِ اللَّهُ (p-٣٣)لِأنَّ اللَّهَ أبْدى ذَلِكَ في تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ بِها، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَعْلَمُ أنَّهُ سَيَتَزَوَّجُها، ولَمْ يُبِدِ اللَّهُ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ ما أخَفاهُ في نَفْسِهِ أمْرٌ يَصْلُحُ لِلْإظْهارِ في الخارِجِ، أيْ يَكُونُ مِنَ الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ. ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (تَقَوُلُ) كَما جَعَلَهُ في الكَشّافِ لِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ مَساقَ العِتابِ عَلى أنْ يَقُولَ كَلامًا يُخالِفُ ما هو مَخْفِيٌّ في نَفْسِهِ ولا يَسْتَقِيمُ لَهُ مَعْنًى. إذْ يُفْضِي إلى أنْ يَكُونَ اللّائِقُ بِهِ أنْ يَقُولَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ وهو يُنافِي مُقْتَضى الِاسْتِشارَةِ، ويُفْضِي إلى الطَّعْنِ في صَلاحِيَةِ زَيْنَبَ لِلْبَقاءِ في عِصْمَةِ زَيْدٍ، وقَدِ اسْتَشْعَرَ هَذا صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: فَماذا أرادَ اللَّهُ مِنهُ أنْ يَقُولَ حِينَ قالَ لَهُ زَيْدٌ: أُرِيدُ مُفارَقَتَها، وكانَ مِنَ الهُجْنَةِ أنْ يَقُولَ لَهُ: افْعَلْ فَإنِّي أُرِيدُ نِكاحَها. قُلْتُ: كانَ الَّذِي أرادَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَصْمُتَ عِنْدَ ذَلِكَ، أوْ يَقُولَ أنْتَ أعْلَمُ بِشَأْنِكَ، حَتّى لا يُخالِفُ سِرَّهُ في ذَلِكَ عَلانِيَتَهُ اهـ - . وهو بِناءٌ عَلى أساسِ كَوْنِهِ عِتابًا وفِيهِ وهَنٌ. وجُمْلَةُ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ﴾، أيْ تُخَفِي ما سَيُبْدِيهِ اللَّهُ وتَخْشى النّاسَ مِن إبْدائِهِ. والخَشْيَةُ هُنا: كَراهِيَةُ ما يُرْجِفُ بِهِ المُنافِقُونَ، والكَراهَةُ مِن ضُرُوبِ الخَشْيَةِ إذِ الخَشْيَةُ جِنْسٌ مَقُولٌ عَلى أفْرادِهِ بِالتَّشْكِيكِ فَلَيْسَتْ هي خَشْيَةُ خَوْفٍ إذِ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَخافُ أحَدًا مِن ظُهُورِ تَزَوُّجِهِ بِزَيْنَبَ ولَمْ تَكُنْ قَدْ ظَهَرَتْ أراجِيفُ المُنافِقِينَ بَعْدُ؛ ولَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتَوَسَّمُ مِن خُبْثِهِمْ وسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ ما كانَ مِنهم في قَضِيَّةِ الإفْكِ، ولَمْ تَكُنْ خَشْيَةً تَبْلُغُ بِهِ مَبْلَغَ صَرْفِهِ عَمّا يَرْغَبُهُ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّدْ في تَزَوُّجِ زَيْنَبَ بَعْدَ طَلاقِ زَيْدٍ، ولَكِنَّها اسْتِشْعارٌ في النَّفْسِ، وتَقْدِيرٌ لِما سَيُرْجِفُهُ المُنافِقُونَ. والتَّعْرِيفُ في (النّاسَ) لِلْعَهْدِ، أيْ تَخْشى المُنافِقِينَ، أيْ يُؤْذُوكَ بِأقْوالِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ مُعْتَرَضَةٌ لِمُناسَبَةِ جَرَيانِ ذِكْرِ خَشْيَةِ النّاسِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ولَيْسَتْ واوَ الحالِ؛ فَمَعْنى الآيَةِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ (p-٣٤)واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] . وحَمْلُها عَلى مَعْنى الحالِ هو الَّذِي حَمَلَ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى جَعْلِ الكَلامِ عِتابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ . و (أحَقُّ) اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ فَهو بِمَعْنى حَقِيقٍ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ السّابِقِ ما يُفِيدُ وُقُوعَ إيثارِ خَشْيَةِ النّاسِ عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ ولا ما يُفِيدُ تَعارُضًا بَيْنَ الخَشْيَتَيْنِ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَرْجِيحِ خَشْيَةِ اللَّهِ عَلى خَشْيَةِ النّاسِ، والمَعْنى: واللَّهُ حَقِيقٌ بِأنْ تَخْشاهُ. ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ ما يُفِيدُ أنَّهُ قَدَّمَ خَشْيَةَ النّاسِ عَلى خَشْيَةِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُ شَيْئًا فَعَمِلَ بِخِلافِهِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما فَعَلَ إلّا ما يُرْضِي اللَّهَ، وقَدْ قامَ بِعَمَلِ الصّاحِبِ النّاصِحِ حِينَ أمَرَ زَيْدًا بِإمْساكِ زَوْجِهِ وانْطَوى عَلى عِلْمٍ صالِحٍ حِينَ خَشِيَ ما سَيَفْتَرِضُهُ المُنافِقُونَ مِنَ القالَةِ إذا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ خُفْيَةً أنْ يَكُونَ قَوْلُهم فِتْنَةً لِضُعَفاءِ الإيمانِ «كَقَوْلِهِ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأياهُ في اللَّيْلِ مَعَ زَيْنَبَ فَأسْرَعا خُطاهُما فَقالَ: ”عَلى رِسْلِكُما إنَّما هي زَيْنَبُ“ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِما وقالا: سُبْحانَ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: ”إنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ، خَشِيَتُ أنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما» “ . فَمَقامُ النَّبِيِّ ﷺ في الأُمَّةِ مَقامُ الطَّبِيبِ النّاصِحِ في بِيمارِسْتانَ يَحْوِي أصْنافًا مِنَ المَرْضى إذا رَأى طَعامًا يُجْلَبُ لِما لا يَصْلُحُ بِبَعْضِ مَرْضاهُ أنْ يَنْهى عَنْ إدْخالِهِ خَشْيَةَ أنْ يَتَناوَلَهُ مِنَ المَرْضى مَن لا يَصْلُحُ ذَلِكَ بِمَرَضِهِ ويَزِيدُ في عِلَّتِهِ أوْ يُفْضِي إلى انْتِكاسِهِ. ولَيْسَ في قَوْلِهِ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ عِتابٌ ولا لَوْمٌ ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِما حَصَلَ لَهُ مِن تَوَقِّيهِ قالَةَ المُنافِقِينَ. وحَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى مَعْنى العِتابِ ولَيْسَ في سِياقِ الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ فَأحْسَبُهم مُخْطِئِينَ فِيهِ ولَكِنَّهُ تَشْجِيعٌ لَهُ وتَحْقِيرٌ لِأعْداءِ الدِّينِ وتَعْلِيمٌ لَهُ بِأنْ يَمْضِيَ في سَبِيلِهِ ويَتَناوَلَ ما أباحَ اللَّهُ لَهُ ولِرُسُلِهِ مِن تَناوُلِ ما هو مُباحٌ مِن مَرْغُوباتِهِمُ ومَحَبّاتِهِمْ إذا لَمْ يَصُدُّهم شَيْءٌ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِمْ كَما قالَ تَعالى ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيءِ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩] (p-٣٥)وأنَّ عَلَيْهِ أنْ يُعْرِضَ عَنْ قَوْلِ المُنافِقِينَ وعَلى نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لاَ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، فَهَذا جَوْهَرُ ما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ ولَيْسَ فِيها ما يُشِيرُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَتْ في هَذِهِ القِصَّةِ أخْبارٌ مَخْلُوطَةٌ، فَإيّاكَ أنْ تَتَسَرَّبَ إلى نَفْسِكَ مِنها أُغْلُوطَةٌ، فَلا تُصْغِ ذِهْنَكَ إلى ما ألْصَقَهُ أهْلُ القِصَصِ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن تَبْسِيطٍ في حالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أمَرَ زَيْدًا بِإمْساكِ زَوْجِهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِن مُخْتَلَقاتِ القَصّاصِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلافًا مِنَ القَصّاصِينَ لِتَزْيِينِ القِصَّةِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كُلُّهُ أوْ بَعْضُهُ مِن أراجِيفِ المُنافِقِينَ وبُهْتانِهِمْ، فَتَلَقَّفَهُ القَصّاصُ وهو الَّذِي نَجْزِمُ بِهِ. ومِمّا يَدُلُّ لِذَلِكَ أنَّكَ لا تَجِدُ فِيما يُؤْثَرُ مِن أقْوالِ السَّلَفِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أثَرًا مُسْنَدًا إلى النَّبِيِّ ﷺ أوْ إلى زَيْدٍ أوْ إلى زَيْنَبَ أوْ إلى أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رِجالِهِمْ ونِساءِهِمْ ولَكِنَّها قِصَصٌ وأخْبارٌ وقِيلَ وقالَ. ولِسُوءِ فَهْمِ الآيَةِ كَبُرَ أمْرُها عَلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ واسْتَفَزَّتْ كَثِيرًا مِنَ المَلاحِدَةِ وأعْداءِ الإسْلامِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وقَدْ تَصَدّى أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ لِوَهْنِ أسانِيدِها وكَذَلِكَ عِياضٌ في الشِّفاءِ. والآنَ نُرِيدُ أنْ نَنْقُلَ مَجْرى الكَلامِ إلى التَّسْلِيمِ بِوُقُوعِ ما رُوِيَ مِنَ الأخْبارِ الواهِيَةِ السَّنَدِ لِكَيْ لا نَتْرُكَ في هَذِهِ الآيَةِ مُهْواةً لِأحَدٍ. ومَجْمُوعُ القِصَّةِ مِن ذَلِكَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَ بَيْتَ زَيْدٍ يَسْألُ عَنْهُ، فَرَأى زَيْنَبَ، وقِيلَ: رَفَعَتِ الرِّيحُ سِتارَ البَيْتِ فَرَأى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - زَيْنَبَ فَجْأةً عَلى غَيْرِ قَصْدٍ فَأعْجَبَهُ حَسْنُها وسَبَّحَ لِلَّهِ، وأنَّ زَيْنَبَ عَلِمَتْ أنَّهُ وقَعَتْ مِنهُ مَوْقِعَ الِاسْتِحْسانِ، وأنَّ زَيْدًا عَلِمَ ذَلِكَ، وأنَّهُ أحَبَّ أنْ يُطَلِّقَها لِيُؤْثِرَ بِها مَوْلاهُ النَّبِيُّ ﷺ، وأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وهو يَوَدُّ طَلاقَها في قَلْبِهِ، ويَعْلَمُ أنَّها صائِرَةٌ زَوْجًا لَهُ. وعَلى تَفاوُتِ أسانِيدِهِ في الوَهْنِ، أُلْقِيَ إلى النّاسِ في القِصَّةِ، فانْتُقِلَ غَثُّهُ وسَمِينُهُ، وتُحُمِّلَ خِفُّهُ ورَزِينُهُ، فَأخَذَ مِنهُ كُلٌّ ما وسِعَهُ فَهْمُهُ ودِينُهُ. ولَوْ كانَ كُلُّهُ واقِعًا لَما كانَ فِيهِ مَغْمَزٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ. (p-٣٦)فَأمّا رُؤْيَتُةُ زَيْنَبَ في بَيْتِ زَيْدٍ إنْ كانَتْ عَنْ عَمْدٍ فَذَلِكَ أنَّهُ اسْتَأْذَنَ في بَيْتِ زَيْدٍ، فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ واجِبٌ، فَلا شَكَّ أنَّهُ رَأى وجْهَها وأعْجَبَتْهُ، ولا أحْسَبُ ذَلِكَ لِأنَّ النِّساءَ لَمْ يَكُنَّ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ، قالَ تَعالى ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا ما ظَهَرَ مِنها﴾ [النور: ٣١] أيِ الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وزَيْدٌ كانَ مِن أشَدِّ النّاسِ اتِّصالًا بِالنَّبِيِّ، وزَيْنَبُ كانَتِ ابْنَةَ عَمَّتِهِ وزَوْجَ مَوْلاهُ ومَتْبَناهُ، فَكانَتْ مُخْتَلِطَةً بِأهْلِهِ، وهو الَّذِي زَوَّجَها زَيْدًا، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ما رَآها إلّا حِينَ جاءَ بَيْتَ زَيْدٍ، وإنْ كانَتِ الرِّيحُ رَفَعَتِ السِّتْرَ فَرَأى مِن مَحاسِنِها وزِينَتِها ما لَمْ يَكُنْ يَراهُ مِن قَبْلُ، فَكَذَلِكَ لا عَجَبَ فِيهِ لِأنَّ رُؤْيَةَ الفَجْأةِ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْها، وحُصُولَ الِاسْتِحْسانِ عَقِبَ النَّظَرِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرامٍ أمْرٌ قَهْرِيٌّ لا يَمْلِكُ الإنْسانُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وهَلِ اسْتِحْسانُ ذاتِ المَرْأةِ إلّا كاسْتِحْسانِ الرِّياضِ والجَنّاتِ والزُّهُورِ والخَيْلِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا سَمّاهُ اللَّهُ زِينَةً؛ إذا لَمْ يُتْبِعُهُ النُّظّارُ نَظْرَةً. وأمّا ما خَطَرَ في نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَوَدَّةِ تَزَوُّجِها فَإنْ وقَعَ فَما هو بِخَطْبٍ جَلِيلٍ؛؛ لِأنَّهُ خاطِرٌ لا يَمْلِكُ المَرْءُ صَرْفَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وقَدْ عَلِمَتَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ لَيْسَ بِلَوْمٍ، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ لَوْمٌ ولا تَوْبِيخٌ عَلى عَدَمِ خَشْيَةِ اللَّهِ ولَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِخَشْيَةِ النّاسِ. وإنَّما تَظْهَرُ مَجالاتُ النُّفُوسِ في مَيادِينِ الفُتُوَّةِ بِمِقْدارِ مُصابَرَتِها عَلى الكَمالِ في مُقاوَمَةِ ما يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ المَرائِي مِن ضَعْفٍ في النُّفُوسِ وخَوْرِ العَزائِمِ، وكَفاكَ دَلِيلًا عَلى تَمَكُّنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن هَذا المَقامِ وهو أفْضَلُ مَن تَرْسُخُ قَدَمُهُ في أمْثالِهِ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُراجِعُ زَيْدًا في إمْساكِ زَوْجِهِ مُشِيرًا عَلَيْهِ بِما فِيهِ خَيْرٌ لَهُ وزَيْدٌ يَرى ذَلِكَ إشارَةً ونُصْحًا لا أمْرًا وشَرْعًا. ولَوْ صَحَّ أنَّ زَيْدًا عَلِمَ مَوَدَّةَ النَّبِيِّ ﷺ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ فَطَلَّقَها زَيْدٌ لِذَلِكَ دُونَ أمْرٍ مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولا التَّماسٍ لَما كانَ عَجَبًا؛ فَإنَّهم كانُوا يُؤْثِرُونَ النَّبِيَّ ﷺ عَلى أنْفُسِهِمْ، وقَدْ تَنازَلَ لَهُ دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بَعْدَ أنْ صارَتْ لَهُ في سَهْمِهِ مِن مَغانِمِ خَيْبَرَ، وقَدْ عَرَضَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أنْ يَتَنازَلَ عَنْ إحْدى زَوْجَتَيْهِ يَخْتارُها لِلْمُؤاخاةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ (p-٣٧)بَيْنَهُما. وأمّا إشارَةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى زَيْدٍ بِإمْساكِ زَوْجِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّها سَتَصِيرُ زَوْجَةً لَهُ فَهو أداءٌ لِواجِبِ أمانَةِ الِاسْتِنْصاحِ والِاسْتِشارَةِ، وقَدْ يُشِيرُ المَرْءُ بِالشَّيْءِ يَعْلَمُهُ مَصْلَحَةً وهو يُوقِنُ أنَّ إشارَتَهُ لا تُمْتَثَلُ. والتَّخْلِيطُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ تَخْلِيطٌ بَيْنَ التَّصَرُّفِ المُسْتَنِدِ لِما تَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ الأحْوالِ وبَيْنَ ما في عِلْمِ اللَّهِ في الباطِنِ، وأشْبَهُ مَقامٍ بِهِ مَقامُ مُوسى مَعَ الخَضِرِ في القَضايا الثَّلاثِ. ولَيْسَ هَذا مِن خائِنَةِ الأعْيُنِ، كَما تَوَهَّمَهُ مَن لا يُحْسِنُ؛ لِأنَّ خائِنَةَ الأعْيُنِ المَذْمُومَةِ ما كانَتْ مِنِ الخِيانَةِ والكَيْدِ. ولَيْسَ هو أيْضًا مِنَ الكَذِبِ لِأنَّ قَوْلَ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِزَيْدٍ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ لا يُناقِضُ رَغْبَتَهُ في تَزَوُّجِها وإنَّما يُناقِضُهُ لَوْ قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تُمْسِكَ زَوْجَكَ، إذْ لا يَخْفى أنَّ الِاسْتِشارَةَ طَلَبُ النَّظَرِ فِيما هو صَلاحٌ لِلْمُسْتَشِيرِ لا ما هو صَلاحٌ لِلْمُسْتَشارِ. ومِن حَقِّ المُسْتَشارِ إعْلامُ المُسْتَشِيرِ بِما هو صَلاحٌ لَهُ في نَظَرِ المُشِيرِ، وإنْ كانَ صَلاحُ المُشِيرِ في خِلافِهِ فَضْلًا عَلى كَوْنِ ما في هَذِهِ القِصَّةِ؛ إنَّما هو تَخالُفٌ بَيْنَ النَّصِيحَةِ وبَيْنَ ما عَلِمَهُ النّاصِحُ مِن أنَّ نُصْحَهُ لا يُؤَثِّرُ. فَإنْ قُلْتَ: فَما مَعْنى ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: لَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ الآيَةَ. قُلْتُ: أرادَتْ أنَّ رَغْبَةَ النَّبِيءِ ﷺ في تَزَوُّجِ زَيْنَبَ أوْ إعْلامَ اللَّهِ إيّاهُ بِذَلِكَ كانَ سِرًّا في نَفْسِهِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ إذْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ إلى أحَدٍ، وعَلى ذَلِكَ السِّرِّ انْبَنى ما صَدَرَ مِنهُ لِزَيْدٍ في قَوْلِهِ ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ ورامَ تَزَوُّجَها عَلِمَ أنَّ المُنافِقِينَ سَيَرْجُفُونَ بِالسُّوءِ، فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِ ذَلِكَ لِلْأُمَّةِ وتَبْلِيغِ خَبَرَهُ بَلَّغَهُ ولَمْ يَكْتُمْهُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في كَتْمِهِ تَعْطِيلُ شَرْعٍ ولا نَقْصُ مَصْلَحَةٍ فَلَوْ كانَ كاتِمًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي هي حِكايَةُ سِرٍّ في نَفْسِهِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ تَعالى، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ وحْيًا بَلَّغَهُ؛ لِأنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ كُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ. واعْلَمْ أنَّ لِلْحَقائِقِ نِصابَها، ولِلتَّصَرُّفاتِ مَوانِعَها وأسْبابَها، وأنَّ النّاسَ قَدْ تَمْتَلِكُهُمُ العَوائِدُ، فَتَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِ الفَوائِدِ، فَإذا تَفَشَّتْ أحْوالٌ في (p-٣٨)عاداتِهِمُ اسْتَحْسَنُوها ولَوْ ساءَتْ، وإذا نَدَرَتِ المَحامِدُ دافَعُوها إذا رامَتْ مُداخَلَةَ عُقُولِهِمْ وشاءَتْ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِ الفِطْرَةِ عَنْ وضْعِها، والمُباعَدَةِ بَيْنَ الحَقائِقِ وشَرْعِها. ولَمّا جاءَ الإسْلامُ أخَذَ يَغْزُو تِلْكَ الجُيُوشَ لِيَقْلَعَها مِن أقاصِيها، ويُنْزِلُها مِن صَياصِيها، فالحَسَنُ المَشْرُوعُ ما تَشْهَدُ الفِطْرَةُ لِحُسْنِهِ، والقَبِيحُ المَمْنُوعُ الَّذِي أماتَتْهُ الشَّرِيعَةُ وأمَرَتْ بِدَفْنِهِ. * * * ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ طُوِيَ كَلامٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وتَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَقْبَلْ مِنكَ ما أشَرْتَ عَلَيْهِ ولَمْ يُمْسِكْها. ومَعْنى (قَضى): اسْتَوْفى وأتَمَّ. واسْمُ (زَيْدٌ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلَمّا قَضى مِنها وطَرًا، أيْ قَضى الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمَتَ عَلَيْهِ، فَعَدَلَ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ زَيْدٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ قالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَ يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَلَمّا نُزِعَ عَنْهُ هَذا الشَّرَفُ حِينَ نَزَلَ (﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) وعَلِمَ اللَّهُ وحَشَتَهُ مِن ذَلِكَ شَرَّفَهُ بِخَصِيصَةٍ لَمْ يَكُنْ يَخُصُّ بِها أحَدًا مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهي أنْ سَمّاهُ في القُرْآنِ، ومَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِاسْمِهِ في الذِّكْرِ الحَكِيمِ نُوِّهَ غايَةَ التَّنْوِيهِ اهـ. والوَطَرُ: الحاجَةُ المُهِمَّةُ والنَّهْمَةُ، قالَ النّابِغَةُ: ؎فَمَن يَكُنْ قَدْ قَضى مِن خَلَّةٍ وطَرًا فَإنَّنِي مِنكِ ما قَضَّيتُ أوْطارِي والمَعْنى: فَلَمّا اسْتَتَمَّ زَيْدٌ مُدَّةَ مُعاشَرَةِ زَيْنَبَ فَطَلَّقَها، أيْ فَلَمّا لَمْ يَبْقَ لَهُ وطَرٌ مِنها. (p-٣٩)ومَعْنى زَوَّجْناكَها إذْنًا لَكَ بِأنْ تَتَزَوَّجَها، وكانَتْ زَيْنَبُ أيِّمًا فَتَزَوَّجَها الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِرِضاها. وذَكَرَ أهْلُ السِّيَرِ: أنَّها زَوَّجَها إيّاهُ أخُوها أبُو أحْمَدَ بْنُ الضَّرِيرِ واسْمُهُ عَبْدُ بْنُ جَحْشٍ فَلَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِتَزَوُّجِها قالَ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: ما أجِدُ في نَفْسِي أوْثَقَ مِنكَ فاخْطُبْ زَيْنَبَ عَلَيَّ، قالَ زَيْدٌ: فَجِئْتُها فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَذْكُرُكِ. فَقالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رَبِّي، وقامَتْ إلى مَسْجِدِها وصَلَّتْ صَلاةَ الِاسْتِخارَةِ فَرَضِيَتْ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ فَبَنى بِها. وكانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ وتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ آباؤُكُنَّ وزَوَّجَنِي رَبِّي. وهَذا يَقْتَضِي إنْ لَمْ يَتَوَلَّ أخُوها أبُو أحْمَدَ تَزْوِيجَها، فَتَكُونُ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الوَلِيَّ في النِّكاحِ كالمالِكِيَّةِ دُونَ قَوْلِ الحَنَفِيَّةِ. ولَمْ يُذْكَرْ في الرِّواياتِ أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أصْدَقَها فَعَدَّهُ بَعْضُ أهْلِ السَّيَرِ مِن خُصُوصِيّاتِهِ ﷺ فَيَكُونُ في تَزَوُّجِها خُصُوصِيَّتانِ نَبَوِيَّتانِ. وأشارَ إلى حِكْمَةِ هَذا التَّزْوِيجِ في إقامَةِ الشَّرِيعَةِ وهي إبْطالُ الحَرَجِ الَّذِي كانَ يَتَحَرَّجُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن أنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ زَوْجَةَ دَعِيِّهِ، فَلَمّا أبْطَلَهُ اللَّهُ بِالقَوْلِ إذْ قالَ ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] أكَّدَ إبْطالَهُ بِالفِعْلِ حَتّى لا يَبْقى أدْنى أثَرٍ مِنَ الحَرَجِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ: إنَّ ذاكَ وإنْ صارَ حَلالًا فَيَنْبَغِي التَّنَزُّهُ عَنْهُ لِأهْلِ الكَمالِ، فاحْتِيطَ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ بِإيقاعِ التَّزَوُّجِ بِامْرَأةِ الدَّعِيِّ مِن أفْضَلِ النّاسِ وهو النَّبِيُّ ﷺ . والجَمْعُ بَيْنَ اللّامِ وكَيْ تَوْكِيدٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ العِلَّةُ غَيْرَ ذَلِكَ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأحْكامِ التَّشْرِيعِيَّةِ أنْ تَكُونَ سَواءً بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ والأُمَّةِ حَتّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ زَوَّجْناكَها. وأمْرُ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مِن إباحَةِ تَزَوُّجِ مَن كُنَّ حَلائِلَ الأدْعِياءِ، فَهو مَعْنى الأمْرِ التَّشْرِيعِيِّ فِيهِ. ومَعْنى (مَفْعُولًا) أنَّهُ مُتَّبَعٌ مُمْتَثَلٌ فَلا يُنَزَّهُ أحَدٌ عَنْهُ، قالَ تَعالى ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ وهو ما عَلِمَ أنَّهُ يَكُونُ وقَدَّرَ أسْبابَ كَوْنِهِ، (p-٤٠)فَيَكُونُ مَعْنى (مَفْعُولًا) واقِعًا. والأمْرُ مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ، والمَفْعُولُ هو المُسَبَّبُ. وتَزَوُّجُ النَّبِيءِ ﷺ زَيْنَبَ مِن أمْرِ اللَّهِ بِالمَعْنَيَيْنِ.