موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الاثنين 21 شعبان 1447 هجرية الموافق ل09 فبراير 2026


الآية [32] من سورة  

ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلْإِثْمِ وَٱلْفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ


ركن التفسير

32 - (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر (إن ربك واسع المغفرة) بذلك وبقبول التوبة ونزل فيمن كان يقول صلاتنا وصيامنا حجنا (هو أعلم) عالم (بكم إذ أنشأكم من الأرض) أي خلق أباكم آدم من التراب (وإذ أنتم أجنة) جمع جنين (في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم) لا تمدحوها على سبيل الاعجاب أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن (هو أعلم) أي عالم (بمن اتقى)

فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأخرى "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما". وقال ههنا "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال. قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمني وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبة" أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالرزاق به وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبدالأعلى أخبرنا ابن ثور حدثنا معمر عن الأعمش عن أبي الضحى أن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر وزنا الشفتين التقبيل وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم وكذا قال مسروق والشعبي. وقال عبدالرحمن بن نافع الذي يقال له ابن لبابة الطائفي قال سألت أبا هريرة عن قول الله "إلا اللمم" قال القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "إلا اللمم" إلا ما سلف وكذا قال زيد بن أسلم. وقال ابن جرير حدثنا ابن المثنى حدثتا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن مجاهد أنه قال في هذه الآية "إلا اللمم" قال الذي يلم بالذنب ثم يدعه قال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جما أي عبد لك ما ألما وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى "إلا اللمم" قال الرجل يلم بالذب ثم ينزع عنه قال وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما وقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعا قال ابن جرير حدثني سليمان بن عبدالجبار حدثنا أبو عاصم حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما" وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن عثمان البصري عن أبي عاصم النبيل ثم قال هذا حديث صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق وكذا قال البزار لا نعلمه يروى متصلا إلا من هذا الوجه وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل وإنما ذكره البغوي في تفسير سورة تنزيل وفي صحته مرفوعا نظر. ثم قال ابن جرير حدثنا محمد بن عبدالله بن بزيع حدثنا يزيد بن زريع حدثنا يونس عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه أراه رفعه في "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال "اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود. واللمم من السرقة ثم يتوب ولا يعود واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود قال فذلك الإلمام" وحدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن في قول الله تعالى "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر ثم لا يعود. وحدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن أبي رجاء عن الحسن في قول الله "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم" قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون هو الرجل يصيب اللمة من الزنا واللمة من شرب الخمر فيجتنبها ويتوب منها. وقال ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس "إلا اللمم" يلم بها في الحين قلت الزنا؟ قال الزنا ثم يتوب وقال ابن جرير أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه قال اللمم الذي يلم المرة. وقال السدي قال أبو صالح سئلت عن اللمم فقلت هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب وأخبرت بذلك ابن عباس فقال لقد أعانك عليها ملك كريم حكاه البغوي. وروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح وهو ضعيف عن عمرو بن شعيب أن عبدالله بن عمرو قال اللمم ما دون الشرك وقال سفيان الثوري عن جابر الجعفي عن عطاء عن ابن الزبير "إلا اللمم" قال ما بين الحدين حد الزنا وعذاب الآخرة وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "إلا اللمم" كل شيء بين الحدين حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات فهو اللمم وهو دون كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وقوله تعالى "إن ربك واسع المغفرة" أي رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها كقوله تعالى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم "وقوله تعالى "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض" أي هو بصير بكم عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر عنكم وتقع منكم حين أنشأ أباكم آدم من الأرض واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر ثم قسمهم فريقين فريقا للجنة وفريقا للسعير وكذا قوله "وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟ قال مكحول كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ثم كنا مراضيع فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبانا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخا لا أبالك فماذا بعد هذا ننتظر؟ رواه ابن أبي حاتم عنه. وقوله تعالى "فلا تزكوا أنفسكم" أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم "هو أعلم بمن اتقى" كما قال تعالى "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا". وقال مسلم في صحيحه حدثنا عمرو الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو بن عطاء قال سميت ابنتي برة فقالت لي زينب بنت أبي سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وسميت برة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تزكوا أنفسكم إن الله أعلم بأهل البر منكم" فقالوا بم نسميها؟ قال "سموها زينب" وقد ثبت أيضا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا خالد الحذاء عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال مدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله "ويلك قطعت عنق صاحبك - مرارا - إذا كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك " ثم رواه عن غندر عن شعبة عن خالد الحذاء به وكذا رواه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة من طرق عن خالد الحذاء به. وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع وعبدالرحمن قالا أخبرك سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث قال جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه قال فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب ورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به.

قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هذا نعت للمحسنين ; أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك ; لأنه أكبر الآثام . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك . والفواحش الزنى : وقال مقاتل : كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار والفواحش كل ذنب فيه الحد . وقد مضى في ( النساء ) القول في هذا . ثم استثنى استثناء منقطعا وهيالمسألة الثانية : فقال : إلا اللمم وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه . وقد اختلف في معناها ; فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي : اللمم كل ما دون الزنى . وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار ; كان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان ; فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ; فقال : لعل زوجها غاز فنزلت هذه الآية ، وقد مضى في آخر " هود " وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج ; فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة ، فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه . والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم . والله أعلم .وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه . خرجه مسلم . وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل ، وزاد فيه بعد العينين واللسان : وزنى الشفتين القبلة . فهذا قول . وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب . قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس . قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا . وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل إلا اللمم قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده ; قال الشاعر [ أمية بن أبي الصلت ] : إن تغفر اللهم تغفر جماوأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده ، ونحوه عن الزهري ، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود ، وأن يسرق أو يشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود . ودليل هذا التأويل قوله تعالى : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم الآية .ثم قال : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم فضمن لهم المغفرة ; كما قال عقيب اللمم : إن ربك واسع المغفرة فعلى هذا التأويل يكون إلا اللمم استثناء متصلا . قال عبد الله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك . وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا ، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس ؛ قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة . ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس . وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة ; فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش ، والوجه الآخر : هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه . وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به . وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت ، وقاله زيد بن أسلم وابنه ; وهو كقوله تعالى : وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف . وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة ; قاله نفطويه . قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما ; أي في الحين بعد الحين . قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل ، لأن العرب لا تقول : ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله . وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة . وأنشد غير الجوهري :بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملينا فما ملك القلبأي : اقرب .وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين . وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب ; أي خطر . وقال محمد ابن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم . ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : إن للشيطان لمة وللملك لمة الحديث . وقد مضى في " البقرة " عند قوله تعالى : الشيطان يعدكم الفقر . وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه ; يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما ; أي : الحين بعد الحين . وإنما زيارتك إلمام ، ومنه إلمام الخيال ; قال الأعشى :ألم خيال من قتيلة بعدما وهى حبلها من حبلنا فتصرماوقيل : إلا بمعنى الواو . وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب . وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة .قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به ; لأنه يقع من غير قصد واختيار ، وقد مضى في " النور " بيانه . واللمم أيضا طرف من الجنون ، ورجل ملموم أي به لمم . ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل ; قال الشاعر :فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن إلا كلمة حالم بخيالالثالثة : قوله تعالى : إن ربك واسع المغفرة لمن تاب من ذنبه واستغفر ; قاله ابن عباس . وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة ، فقلت : لمن هذه ؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب ، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا ، فقلت : وكيف ذلك ؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة . فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت .قوله تعالى : هو أعلم بكم من أنفسكم إذ أنشأكم من الأرض يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع . قال الترمذي أبو عبد الله : وليس هو كذلك عندنا ، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض ، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة ، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها ، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات ; منهم كالدر يتلألأ ، وبعضهم أنور من بعض ، وبعضهم أسود كالحممة ، وبعضهم أشد سوادا من بعض ; فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه .حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة فقال قائل : يا رسول الله ، ومن مضى من الخلق ؟ قال : نعم ، عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات ؟ قال : نعم ، مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها .قلت : - وقد تقدم في أول ( الأنعام ) - أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها .وإذ أنتم أجنة جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن ، سمي جنينا لاجتنانه واستتاره . قال عمرو بن كلثوم :هجان اللون لم تقرأ جنيناوقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك ، وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي ، ثم صرنا شيوخا - لا أبا لك ! - فما بعد هذا ننتظر ؟ ! .وروى ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ثابت بن الحارث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق ; فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية : هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض إلى آخرها . ونحوه عن عائشة : كان اليهود ، بمثله .فلا تزكوا أنفسكم أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها ، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع .هو أعلم بمن اتقى أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله ; عن الحسن وغيره . قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة ، وما هي صانعة ، وإلى ما هي صائرة . وقد مضى في ( النساء ) الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم فتأمله هناك . وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم . والله تعالى أعلم .

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ . عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠] إلَخْ فَبَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّ لِلَّهِ أُمُورَ الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ [النجم: ٢٥] انْتَقَلَ إلى أهَمِّ ما يَجْرِي في الدّارَيْنِ مِن أحْوالِ النّاسِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ ما عَلى الأرْضِ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠] المُرادُ بِهِ الإشارَةُ إلى الجَزاءِ وهو إثْباتٌ لِوُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ. فالمَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن هَذا الكَلامِ هو قَوْلُهُ ما في الأرْضِ؛ لِأنَّ المُهِمَّ ما في الأرْضِ إذْ هم مُتَعَلِّقُ الجَزاءِ، وإنَّما ذُكِرَ مَعَهُ ما في السَّماواتِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ لِلْإعْلامِ بِإحاطَةِ مُلْكِ اللَّهِ لِما احْتَوَتْ عَلَيْهِ العَوالِمُ كُلُّها، ونُكْتَةُ الِابْتِداءِ بِالتَّتْمِيمِ دُونَ تَأْخِيرِهِ الَّذِي هو مُقْتَضًى ظاهِرٌ في التَّتْمِيماتِ هي الِاهْتِمامُ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ؛ لِأنَّهُ أوْسَعُ وأشْرَفُ ولِيَكُونَ المَقْصُودُ وهو قَوْلُهُ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا﴾ [النجم: ٣١] الآيَةَ مُقْتَرِنًا بِما يُناسِبُهُ مِن ذِكْرِ ما في الأرْضِ؛ لِأنَّ المَجْزِيِّينَ هم أهْلُ الأرْضِ، فَهَذِهِ نُكْتَةُ مُخالَفَةُ مُقْتَضى الظّاهِرِ. فَيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ ”لِيَجْزِيَ“ بِما في الخَبَرِ مِن مَعْنى الكَوْنِ المُقَدَّرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، أيْ: كائِنٌ مِلْكًا لِلَّهِ كَوْنًا عِلَّتُهُ أنْ يَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا والَّذِينَ أحْسَنُوا مِن أهْلِ الأرْضِ، وهُمُ الَّذِينَ (p-١٢٠)يَصْدُرُ مِنهُمُ الإساءَةُ والإحْسانُ فاللّامُ في قَوْلِهِ (لِيَجْزِيَ) لامُ التَّعْلِيلِ، جُعِلَ الجَزاءُ عِلَّةً لِثُبُوتِ مِلْكِ اللَّهِ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ. ومَعْنى هَذا التَّعْلِيلِ أنَّ مِنَ الحَقائِقِ المُرْتَبِطَةِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ المِلْكِ ارْتِباطًا أوَّلِيًّا في التَّعَقُّلِ والِاعْتِبارِ لا في إيجادٍ، فَإنَّ مِلْكَ اللَّهِ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ناشِئٌ عَنْ إيجادِ اللَّهِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، واللَّهُ حِينَ أوْجَدَها عالِمٌ أنَّ لَها حَياتَيْنِ وأنَّ لَها أفْعالًا حَسَنَةً وسَيِّئَةً في الحَياةِ الدُّنْيا وعالِمٌ أنَّهُ مُجْزِيها عَلى أعْمالِها بِما يُناسِبُها جَزاءً خالِدًا في الحَياةِ الآخِرَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ الجَزاءُ غايَةً لِإيجادِ ما في الأرْضِ فاعْتُبِرَ هو العِلَّةَ في إيجادِهِمْ، وهي عِلَّةٌ باعِثَةٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَها غَيْرُها؛ لِأنَّ العِلَّةَ الباعِثَةَ يَكْمُنُ تَعَدُّدُها في الحِكْمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ”أعْلَمُ“ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [النجم: ٣٠]، أيْ: مِن خَصائِصِ عِلْمِهِ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ الجَزاءُ. والباءُ في قَوْلِهِ (بِما عَمِلُوا) وقَوْلِهِ ”بِالحُسْنى“ لِتَعْدِيَةِ فُعْلى ”لِيَجْزِيَ“ و”يَجْزِيَ“ فَما بَعْدُ الباءَيْنِ في مَعْنى مَفْعُولِ الفِعْلَيْنِ، فَهُما داخِلَتانِ عَلى الجَزاءِ، وقَوْلُهُ ”بِما عَمِلُوا“ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ: بِمِثْلِ ما عَمِلُوا، أيْ: جَزاءً عادِلًا مُماثِلًا لِما عَمِلُوا؛ فَلِذَلِكَ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ عَيْنِ ما عَمِلُوهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. وقَوْلُهُ بِالحُسْنى، أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى، أيْ: بِأفْضَلِ مِمّا عَمِلُوا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مُضاعَفَةِ الحَسَناتِ كَقَوْلِهِ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾ [النمل: ٨٩] . والحُسْنى: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَجْزِي وهي المَثُوبَةُ بِمَعْنى الثَّوابِ. وجاءَ تَرْتِيبُ التَّفْصِيلِ لِجَزاءِ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ عَلى وفْقِ تَرْتِيبِ إجْمالِهِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ [النجم: ٣٠] عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ. وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ﴾ إلَخْ صِفَةٌ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا، أيِ الَّذِينَ أحْسَنُوا واجْتَنَبُوا كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ، أيْ: فَعَلُوا الحَسَناتِ واجْتَنَبُوا المَنهِيّاتِ، (p-١٢١)وذَلِكَ جامِعُ التَّقْوى. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اجْتِنابَ ما ذُكِرَ يُعَدُّ مِنَ الإحْسانِ؛ لِأنَّ فِعْلَ السَّيِّئاتِ يُنافِي وصْفُهم بِالذِّينَ أحْسَنُوا، فَإنَّهم إذا أتَوْا بِالحَسَناتِ كُلِّها ولَمْ يَتْرُكُوا السَّيِّئاتِ، كانَ فِعْلُهُمُ السَّيِّئاتِ غَيْرُ إحْسانٍ، ولَوْ تَرَكُوا السَّيِّئاتِ وتَرَكُوا الحَسَناتِ، كانَ تَرْكُهُمُ الحَسَناتِ سَيِّئاتٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ كَبائِرَ الإثْمِ بِصِيغَةِ جَمْعِ (كَبِيرَةَ) . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَبِيرَ الإثْمِ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ اسْمَ الجِنْسِ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ. والمُرادُ بِكَبائِرِ الإثْمِ: الآثامُ الكَبِيرَةُ فِيما شَرَعَ اللَّهُ وهي ما شَدَّدَ الدِّينُ التَّحْذِيرَ مِنهُ أوْ ذَكَرَ وعِيدًا بِالعَذابِ أوْ وصَفَ عَلى فاعِلِهِ حَدًّا. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: الكَبائِرُ كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِراثِ مُرْتَكِبِها بِالدِّينِ وبِرِقَّةِ دِيانَتِهِ. وعَطْفُ الفَواحِشِ يَقْتَضِي أنَّ المَعْطُوفَ بِها مُغايِرٌ لِلْكَبائِرِ، ولَكِنَّها مُغايَرَةٌ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ الوَجْهِيِّ، فالفَواحِشُ أخَصُّ مِنَ الكَبائِرِ وهي أقْوى إثْمًا. والفَواحِشُ: الفِعْلاتُ الَّتِي يُعَدُّ الَّذِي فَعَلَها مُتَجاوِزًا الكَبائِرَ مِثْلُ الزِّنى والسَّرِقَةِ وقَتْلِ الغِيلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ في سُورَةِ الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣] الآيَةَ وفي سُورَةِ النِّساءِ في قَوْلِهِ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] . واسْتِثْناءُ اللَّمَمِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّمَمَ لَيْسَ مِن كَبائِرِ الإثْمِ ولا مِنَ الفَواحِشِ. فالِاسْتِثْناءُ بِمَعْنى الِاسْتِدْراكِ. ووَجْهُهُ أنَّ ما سُمِّيَ بِاللَّمَمِ ضَرْبٌ مِنَ المَعاصِي المُحَذَّرِ مِنها في الدِّينِ، فَقَدْ يَظُنُّ النّاسُ أنَّ النَّهْيَ عَنْها يَلْحَقُها بِكَبائِرِ الإثْمِ؛ فَلِذَلِكَ حُقَّ الِاسْتِدْراكُ، وفائِدَةُ هَذا الِاسْتِدْراكِ عامَّةٌ وخاصَّةٌ: أمّا العامَّةُ: فَلِكَيْ لا يُعامِلَ المُسْلِمُونَ مُرْتَكِبَ شَيْءٍ مِنها مُعامَلَةَ مَن يَرْتَكِبُ الكَبائِرَ، وأمّا الخاصَّةُ: فَرَحْمَةٌ بِالمُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَدْ يَرْتَكِبُونَها فَلا يَفُلُّ ارْتِكابُها مِن نَشاطِ طاعَةِ المُسْلِمِ (p-١٢٢)ولِيَنْصَرِفَ اهْتِمامُهُ إلى تَجَنُّبِ الكَبائِرِ. فَهَذا الِاسْتِدْراكُ بِشارَةٌ لَهم، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ رَخَّصَ في إتْيانِ اللَّمَمِ. وقَدْ أخْطَأ وضّاحُ اليَمَنِ في قَوْلِهِ النّاشِئِ عَنْ سُوءِ فَهْمِهِ في كِتابِ اللَّهِ وتَطَفُّلِهِ في غَيْرِ صِناعَتِهِ: ؎فَما نَوَّلَتْ حَتّى تَضَرَّعْتُ عِنْدَها وأنْبَأْتُها ما رَخَّصَ اللَّهُ في اللَّمَمِ واللَّمَمُ: الفِعْلُ الحَرامُ الَّذِي هو دُونَ الكَبائِرِ والفَواحِشِ في تَشْدِيدِ التَّحْرِيمِ، وهو ما يَنْدُرُ تَرْكُ النّاسِ لَهُ فَيُكْتَفى مِنهم بِعَدَمِ الإكْثارِ مِنِ ارْتِكابِهِ. وهَذا النَّوْعُ يُسَمِّيهِ عُلَماءُ الشَّرِيعَةِ الصَّغائِرَ في مُقابَلَةِ تَسْمِيَةِ النَّوْعِ الآخَرِ. فَمَثَّلُوا اللَّمَمَ في الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ بِالقُبْلَةِ والغَمْزَةِ. سُمِّيَ: اللَّمَمُ، وهو اسْمُ مَصْدَرِ ألَمَّ بِالمَكانِ إلْمامًا إذا حَلَّ بِهِ ولَمْ يُطِلِ المُكْثَ، ومِن أبْياتِ الكِتابِ: ؎فَرِيشِي مِنكُمُ وهَوايَ مَعْكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِماما وقَدْ قِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ يُسَمّى نَبْهانَ التَّمّارَ كانَ لَهُ دُكّانٌ يَبِيعُ فِيهِ تَمْرًا، أيْ: بِالمَدِينَةِ فَجاءَتْهُ امْرَأةٌ تَشْتَرِي تَمْرًا فَقالَ لَها: إنَّ داخِلَ الدُّكّانِ ما هو خَيْرٌ مِن هَذا، فَلَمّا دَخَلَتْ راوَدَها عَلى نَفْسِها فَأبَتْ فَنَدِمَ فَأتى النَّبِيءَ ﷺ وقالَ: ما مِن شَيْءٍ يَصْنَعُهُ الرَّجُلُ إلّا وقَدْ فَعَلْتُهُ، أيْ: غَصْبًا عَلَيْها إلّا الجِماعَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةً أُلْحِقَتْ بِسُورَةِ النَّجْمِ المَكِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لَهُ لِأجْلِ تَوْبَتِهِ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ اللَّمَمَ بِالهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ ولا يَفْعَلُ فَهو إلْمامٌ مَجازِيٌّ. وقَوْلُهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِثْناءِ اللَّمَمِ مِنِ اجْتِنابِهِمْ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ شَرْطًا في ثُبُوتٍ وصْفِ الَّذِينَ أحْسَنُوا لَهم. وفِي بِناءِ الخَبَرِ عَلى جَعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ (رَبُّكَ) دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ إشْعارٌ بِأنَّ سِعَةَ المَغْفِرَةِ رِفْقٌ بِعِبادِهِ الصّالِحِينَ شَأْنَ الرَّبِّ مَعَ مَرْبُوبِهِ الحَقِّ. (p-١٢٣)وفِي إضافَةِ رَبٍّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ دُونَ ضَمِيرِ الجَماعَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ العِنايَةَ بِالمُحْسِنِينَ مِن أُمَّتِهِ قَدْ حَصَلَتْ لَهم بِبَرَكَتِهِ. والواسِعُ: الكَثِيرُ المَغْفِرَةِ، اسْتُعِيرَتِ السِّعَةُ لِكَثْرَةِ الشُّمُولِ؛ لِأنَّ المَكانَ الواسِعَ يُمْكِنُ أنْ يَحْتَوِيَ عَلى العَدَدِ الكَثِيرِ مِمَّنْ يَحِلُّ فِيهِ قالَ تَعالى ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ غافِرٍ. * * * ﴿هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ . الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووُقُوعُهُ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] يُنْبِئُ عَنِ اتِّصالِ مَعْناهُ بِمَعْنى ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُوَجَّهٍ لِلْيَهُودِ كَما في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ وغَيْرِهِ. وأصْلُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ ثابِتِ بْنِ حارِثٍ الأنْصارِيِّ. قالَ: «كانَتِ اليَهُودُ إذا هَلَكَ لَهم صَبِيٌّ صَغِيرٌ يَقُولُونَ: هو صِدِّيقٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيءَ ﷺ فَقالَ: كَذِبَتْ يَهُودُ، ما مِن نَسَمَةٍ يَخْلُقُها اللَّهُ في بَطْنِ أُمِّهِ إلّا أنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ لَهِيعَةَ ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ وتَرَكَهُ وكِيعٌ ويَحْيى القَطّانُ وابْنُ مَهْدِيٍّ. وقالَ الذَّهَبِيُّ: العَمَلُ عَلى تَضْعِيفِهِ، قُلْتُ: لَعَلَّ أحَدُ رُواةِ هَذا الحَدِيثِ لَمْ يَضْبُطُ فَقالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّما قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخْذًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ إلَخْ، حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وإلّا فَإنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ والخَوْضُ مَعَ اليَهُودِ إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: حَكى الثَّعْلَبِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَخَرُوا بِأعْمالِهِمْ. وكَأنَّ الباعِثَ عَلى تَطَلُّبِ سَبَبٍ لِنُزُولِها قَصْدُ إبْداءِ وجْهِ اتِّصالِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ وأنَّهُ اسْتِيفاءٌ لِمَعْنى سِعَةِ المَغْفِرَةِ بِبَيانِ سِعَةِ الرَّحْمَةِ واللُّطْفِ بِعِبادِهِ إذْ سَلَكَ بِهِمْ مَسْلَكَ اليُسْرِ والتَّخْفِيفِ فَعَفا عَمّا لَوْ أخَذَهم بِهِ لَأحْرَجَهم فَقَوْلُهُ ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-١٢٤)﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ ثُمَّ يَجِيءُ الكَلامُ في التَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ . فَيَنْبَغِي أنْ تَحُلَّ جُمْلَةُ هو أعْلَمُ بِكم إلى آخِرِها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِجُمْلَةِ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ مِنَ الِامْتِنانِ، فَكَأنَّ السّامِعِينَ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ الِامْتِنانَ شَكَرُوا اللَّهَ وهَجَسَ في نُفُوسِهِمْ خاطَرُ البَحْثِ عَنْ سَبَبِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ بِهِمْ فَأُجِيبُوا بِأنَّ رَبَّهم أعْلَمُ بِحالِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ فَهو يُدَبِّرُ لَهم ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ، ونَظِيرُهُ ما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ قالَ اللَّهُ تَعالى أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ خَيْرًا مِن بَلْهَ ما اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ إذْ أنْشَأكم ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ ”أعْلَمُ“، أيْ: هو أعْلَمُ بِالنّاسِ مِن وقْتِ إنْشائِهِ إيّاهم مِنَ الأرْضِ وهو وقْتُ خَلْقِ أصْلِهِمْ آدَمَ. والمَعْنى: أنَّ إنْشاءَهم مِنَ الأرْضِ يَسْتَلْزِمُ ضِعْفَ قَدْرِهِمْ عَنْ تَحَمُّلِ المَشاقِّ مَعَ تَفاوُتِ أطْوارِ نَشْأةِ بَنِي آدَمَ، فاللَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ وعَلِمَ أنَّ آخِرَ الأُمَمِ وهي أُمَّةُ النَّبِيءِ ﷺ أضْعَفُ الأُمَمِ. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي جاءَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن قَوْلِ مُوسى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ حِينَ فَرَضَ اللَّهُ عَلى أُمَّتِهِ خَمْسِينَ صَلاةً إنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ وإنِّي جَرَّبْتُ بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: وهم أشَدُّ مِن أُمَّتِكَ قُوَّةً، فالمَعْنى أنَّ الضَّعْفَ المُقْتَضِيَ لِسِعَةِ التَّجاوُزِ بِالمَغْفِرَةِ مُقَرَّرٌ في عِلْمِ اللَّهِ مِن حِينِ إنْشاءِ آدَمَ مِنَ الأرْضِ بِالضَّعْفِ المُلازِمِ لِجِنْسِ البَشَرِ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِ، قالَ تَعالى ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، فَإنَّ إنْشاءَ أصْلِ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ وهي عُنْصُرٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي مُلازَمَةَ الضَّعْفِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ المُنْحَدِرَةِ مِن ذَلِكَ الأصْلِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «إنَّ المَرْأةَ خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ أعْوَجَ» . وقَوْلُهُ ﴿وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ يَخْتَصُّ بِسِعَةِ المَغْفِرَةِ والرِّفْقِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وهو مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . والأجِنَّةُ: جَمْعُ جَنِينٍ، وهو نَسْلُ الحَيَوانِ ما دامَ في الرَّحِمِ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ؛ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ. (p-١٢٥)وفي بُطُونِ أُمَّهاتِكم صِفَةٌ كاشِفَةٌ إذِ الجَنِينُ لا يُقالُ إلّا عَلى ما في بَطْنِ أُمِّهِ. وفائِدَةُ هَذا الكَشْفِ أنَّ فِيهِ تَذْكِيرًا بِاخْتِلافِ أطْوارِ الأجِنَّةِ مِن وقْتِ العُلُوقِ إلى الوِلادَةِ، وإشارَةٌ إلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِتِلْكَ الأطْوارِ. وجُمْلَةُ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ هو أعْلَمُ بِكم وجُمْلَةُ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى إلَخْ، والفاءُ لِتَفْرِيعِ الِاعْتِراضِ، وهو تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العُجْبِ بِأعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ عَجَبًا يُحْدِثُهُ المَرْءُ في نَفْسِهِ أوْ يُدْخِلُهُ أحَدٌ عَلى غَيْرِهِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِعَمَلِهِ. وتُزَكُّوا مُضارِعُ زَكّى الَّذِي هو مِنَ التَّضْعِيفِ المُرادِ مِنهُ نِسْبَةُ المَفْعُولِ إلى أصْلِ الفِعْلِ نَحْوُ جَهَّلَهُ، أيْ: لا تَنْسُبُوا لِأنْفُسِكُمُ الزَّكاةَ. فَقَوْلُهُ: أنْفُسُكم صادِقٌ بِتَزْكِيَةِ المَرْءِ نَفْسَهُ في سِرِّهِ أوْ عَلانِيَّتِهِ فَرَجَعَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ فَلا تُزَكُّوا إلى مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّوْزِيعَ عَلى الآحادِ مِثْلَ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم. والمَعْنى: لا تَحْسَبُوا أنْفُسَكم أزْكِياءَ وابْتَغُوا زِيادَةَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ أوْ لا تَثِقُوا بِأنَّكم أزْكِياءُ فَيَدْخُلَكُمُ العُجْبُ بِأعْمالِكم، ويَشْمَلُ ذَلِكَ ذِكْرَ المَرْءِ أعْمالَهُ الصّالِحَةَ لِلتَّفاخُرِ بِها، أوْ إظْهارِها لِلنّاسِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا إذا كانَ فِيهِ جَلْبُ مَصْلَحَةٍ عامَّةٍ كَما قالَ يُوسُفُ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ. وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: كانَ النّاسُ يَعْمَلُونَ أعْمالًا حَسَنَةً ثُمَّ يَقُولُونَ: صَلاتُنا وصِيامُنا وحَجُّنا وجِهادُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ. ويَشْمَلُ تَزْكِيَةَ المَرْءِ غَيْرَهُ فَيَرْجِعُ ”أنْفُسَكم“ إلى مَعْنى قَوْمِكم أوْ جَماعَتِكم مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، أيْ: لِيُسَلِّمَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ. والمَعْنى: فَلا يُثْنِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بِالصَّلاحِ والطّاعَةِ لِئَلّا يُغَيِّرَهُ ذَلِكَ. وقَدْ ورَدَ النَّهْيُ في أحادِيثَ عَنْ تَزْكِيَةِ النّاسِ بِأعْمالِهِمْ. ومِنهُ «حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ حِينَ ماتَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ في بَيْتِها ودَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَحْمَةُ (p-١٢٦)اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ - كُنْيَةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ - فَشَهادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ، فَقالَتْ: إذا لَمْ يُكْرِمْهُ اللَّهُ فَمَن يُكْرِمُهُ اللَّهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ وإنِّي واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي. قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: فَلا أُزَكِّي أحَدًا بَعْدَ ما سَمِعْتُ هَذا مِن رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ - . وقَدْ شاعَ مِن آدابِ عَصْرِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ الصَّحابَةِ التَّحَرُّزُ مِنَ التَّزْكِيَةِ وكانُوا يَقُولُونَ: إذا أثْنَوْا عَلى أحَدٍ: لا أعْلَمُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا ولا أُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا. ورَوى مُسْلِمٌ «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ عَطاءٍ قالَ: سَمَّيْتُ ابْنَتِي بَرَّةَ فَقالَتْ لِي زَيْنَبُ بِنْتُ أبِي سَلَمَةَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهى عَنْ هَذا الِاسْمِ. وسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تُزَكُّوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِأهْلِ البِرِّ مِنكم، قالُوا: بِمَ نُسَمِّيها ؟ قالَ: سَمُوُّها زَيْنَبَ» . وقَدْ ظَهَرَ أنَّ النَّهْيَ مُتَوَجِّهٌ إلى أنْ يَقُولَ أحَدٌ ما يُفِيدُ زَكاءَ النَّفْسِ، أيْ: طَهارَتَها وصَلاحَها، تَفْوِيضًا بِذَلِكَ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّ لِلنّاسِ بَواطِنَ مُخْتَلِفَةَ المُوافَقَةِ لِظَواهِرِهِمْ وبَيْنَ أنْواعِها بَوْنٌ. وهَذا مِنَ التَّأْدِيبِ عَلى التَّحَرُّزِ في الحُكْمِ والحِيطَةِ في الخِبْرَةِ واتِّهامِ القَرائِنِ والبَوارِقِ. فَلا يَدْخُلُ في هَذا النَّهْيِ الإخْبارُ عَنْ أحْوالِ النّاسِ بِما يُعْلَمُ مِنهم وجُرِّبُوا فِيهِ مِن ثِقَةٍ وعَدالَةٍ في الشَّهادَةِ والرِّوايَةِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ التَّعْدِيلِ بِالتَّزْكِيَةِ وهو لَفْظٌ لا يُرادُ بِهِ مِثْلَ ما أُرِيدَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ﴾ بَلْ هو لَفْظٌ اصْطَلَحَ عَلَيْهِ النّاسُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ ومُرادُهم مِنهُ واضِحٌ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى مَوْقِعَ البَيانِ لِسَبَبِ النَّهْيِ أوْ لِأهَمِّ أسْبابِهِ، أيْ: فَوَّضُوا ذَلِكَ إلى اللَّهِ إذْ هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى، أيْ: بِحالِ مَنِ اتَّقى مِن كَمالِ تَقْوى أوْ نَقْصِها أوْ تَزْيِيفِها. وهَذا مَعْنى ما ورَدَ في الحَدِيثِ أنْ يَقُولَ مَن يُخْبِرُ عَنْ أحَدٍ بِخَيْرٍ لا أُزَكِّي عَلى اللَّهِ أحَدًا، أيْ: لا أُزَكِّي أحَدًا مُعْتَلِيًا حَقَّ اللَّهِ، أيْ: مُتَجاوِزًا قَدْرِي.


ركن الترجمة

As for those who avoid the greater sins and shameful acts, except minor trespasses, your Lord's forgiveness surely has great amplitude. He is fully knowledgeable of you as He produced you from the earth, and since you were a foetus in your mother's womb. So do not assert your goodness; he is better who takes heed and preserves himself.

ceux qui évitent les plus grands péchés ainsi que les turpitudes et [qui ne commettent] que des fautes légères. Certes, le pardon de Ton Seigneur est immense. C'est Lui qui vous connaît le mieux quand Il vous a produits de terre, et aussi quand vous étiez des embryons dans les ventres de vos mères. Ne vantez pas vous-mêmes votre pureté; c'est Lui qui connaît mieux ceux qui [Le] craignent.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :