ركن التفسير
60 - (وتضحكون) استهزاء (ولا تبكون) لسماع وعده ووعيده
"وتضحكون" منه استهزاء وسخرية "ولا تبكون" أي كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا".
وتضحكون استهزاء ولا تبكون انزجارا وخوفا من الوعيد . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ما رئي بعد نزول هذه الآية ضاحكا إلا تبسما . وقال أبو هريرة : لما نزلت أفمن هذا الحديث تعجبون قال أهل الصفة : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ثم بكوا حتى جرت دموعهم على خدودهم ، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاءهم بكى معهم فبكينا لبكائه ; فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلج النار من بكى من خشية الله ولا يدخل الجنة مصر على معصية الله ولو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيغفر لهم ويرحمهم إنه هو الغفور الرحيم . وقال أبو حازم : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يبكي ، فقال له : من هذا ؟ قال : هذا فلان ; فقال جبريل : إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء ، فإن الله تعالى ليطفئ بالدمعة الواحدة بحورا من جهنم .
(p-١٦٠)﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ ﴿وأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وما عُطِفَ عَلَيْهِ وبُيِّنَ بِهِ مِن بَيانٍ أوْ صِفَةٍ، فُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والحَدِيثُ: الكَلامُ والخَبَرُ. والإشارَةُ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإنْذارِ بِأخْبارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ، فالمُرادُ بِالحَدِيثِ بَعْضُ القُرْآنِ بِما في قَوْلِهِ ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ [الواقعة: ٨١] . ومَعْنى العَجَبِ هُنا الِاسْتِبْعادُ والإحالَةُ كَقَوْلِهِ ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، أوْ كِنايَةٌ عَنِ الإنْكارِ. والضَّحِكُ: ضَحِكُ الِاسْتِهْزاءِ. والبُكاءُ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِهِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] . ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ حَيْثُ حَلُّوا بِحِجْرِ ثَمُودَ في غَزْوَةِ تَبُوكَ «لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم»، أيْ: ضارِعِينَ لِلَّهِ أنْ لا يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم أوْ خاشِعِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَهم. والمَعْنى: ولا تَخْشَوْنَ سُوءَ عَذابِ الإشْراكِ فَتُقْلِعُوا عَنْهُ. وسامِدُونَ: مِنَ السُّمُودِ وهو ما في المَرْءِ مِنَ الإعْجابِ بِالنَّفْسِ، يُقالُ: سَمَدَ البَعِيرُ، إذا رَفَعَ رَأْسَهُ في سَيْرِهِ، مُثِّلَ بِهِ حالُ المُتَكَبِّرِ المُعْرِضِ عَنِ النُّصْحِ المُعْجَبِ بِما هو فِيهِ بِحالِ البَعِيرِ في نَشاطِهِ. وقِيلَ السُّمُودُ: الغِناءُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ، والمَعْنى: فَرِحُونَ بِأنْفُسِكم تَتَغَنَّوْنَ بِالأغانِي لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِما تَسْمَعُونَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] عَلى أحَدِ تَفْسِيرَيْنِ. (p-١٦١)وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ هَذا الحَدِيثُ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ تُقابِلُوهُ بِالضَّحِكِ والِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ ولا لِأنْ لا يَتُوبَ سامِعُهُ، أيْ لَوْ قابَلْتُمْ بِفِعْلِكم كَلامًا غَيْرَهُ لَكانَ لَكم شُبْهَةٌ في فِعْلِكم، فَأمّا مُقابَلَتُكم هَذا الحَدِيثَ بِما فَعَلْتُمْ فَلا عُذْرَ لَكم فِيها.