ركن التفسير
3 - (لن تنفعكم أرحامكم) قرابتكم (ولا أولادكم) المشركون الذين لأجلهم أسررتم الخبر من العذاب في الآخرة (يوم القيامة يفصل) بالبناء للمفعول والفاعل (بينكم) وبينهم فتكونوا في الجنة وهم في جملة الكفار في النار (والله بما تعملون بصير)
وقوله تعالى "لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير" أي قراباتكم لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءا ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخسر وضل عمله ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد ولو كان قريبا إلى نبي من الأنبياء. قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال "في النار" فلما قفى دعاه فقال "إن أبي وأباك في النار" ورواه مسلم وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به.
قوله تعالى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصيرقوله تعالى : لن تنفعكم أرحامكم لما اعتذر حاطب بأن له أولادا وأرحاما فيما بينهم ، بين الرب عز وجل أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئا يوم القيامة إن عصي من أجل ذلك .يفصل بينكم فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكافرين النار . وفي يفصل قراءات سبع : قرأ عاصم " يفصل " بفتح الياء وكسر الصاد مخففا . وقرأ حمزة والكسائي مشددا إلا أنه على ما لم يسم فاعله . وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد مشددة . وروي عن علقمة كذلك بالنون مخففة . وقرأ قتادة وأبو حيوة " يفصل " بضم الياء وكسر الصاد مخففة من أفصل . وقرأ الباقون " يفصل " بياء مضمومة وتخفيف الفاء وفتح الصاد على الفعل المجهول ، واختاره أبو عبيد . فمن خفف فلقوله : وهو خير الفاصلين وقوله : إن يوم الفصل . ومن شدد فلأن ذلك أبين في الفعل الكثير المكرر المتردد . ومن أتى به على ما لم يسم فاعله فلأن الفاعل معروف . ومن أتى به مسمى الفاعل رد الضمير إلى الله تعالى . ومن قرأ بالنون فعلى التعظيم .والله بما تعملون بصير
﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يُفْصَلُ بَيْنَكم واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . تَخَلَّصَ مِن تَبْيِينِ سُوءِ عاقِبَةِ مُوالاةِ أعْداءِ الدِّينِ في الحَياةِ الدُّنْيا، إلى بَيانِ سُوءِ (p-١٤١)عاقِبَةِ تِلْكَ المُوالاةِ في الآخِرَةِ، ومُناسَبَةُ حُسْنِ التَّخَلُّصِ قَوْلُهُ ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢] الدّالُّ عَلى مَعْنى: أنَّ وِدادَتَهم كُفْرَكم مِن قَبْلِ أنْ يَثْقَفُوكم تَنْقَلِبُ إلى أنْ يُكْرِهُوكم عَلى الكُفْرِ حِينَ يَثْقَفُوكم، فَلا تَنْفَعُكم ذَوُو أرْحامِكم مِثْلُ الأُمَّهاتِ والإخْوَةِ الأشِقّاءِ ولَلْأُمِّ، ولا أوْلادُكم، ولا تَدْفَعُ عَنْكم عَذابَ الآخِرَةِ إنْ كانُوا قَدْ نَفَعُوكم في الدُّنْيا بِصِلَةِ ذَوِي الأرْحامِ ونُصْرَةِ الأوْلادِ. فَجُمْلَةُ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ إلى آخِرِها مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ سُؤالٍ مَفْرُوضٍ مِمَّنْ يَسْمَعُ جُمْلَةَ ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة: ٢]، أيْ مِن حَقِّ ذَلِكَ أنْ يُسْألَ عَنْ آثارِهِ لِخَطَرِ أمْرِها. وإذا كانَ ناشِئًا عَنْ كَلامٍ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]، فَهو أيْضًا مُفِيدٌ تَعْلِيلًا ثانِيًا بِحَسَبِ المَعْنى، ولَوْلا إرادَةُ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ لَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً بِالواوِ عَلى الَّتِي قَبْلَها، وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّ ما صَدَرَ مِن حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ مِمّا عُدَّ عَلَيْهِ هو مُوالاةٌ لِلْعَدُوِّ، وأنَّهُ اعْتَذَرَ بِأنَّهُ أرادَ أنْ يَتَّخِذَ عِنْدَ المُشْرِكِينَ يَدًا يَحْمُونَ بِها قَرابَتَهُ (أيْ أُمَّهُ وإخْوَتَهُ) . ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ في نَفْيِ النَّفْعِ بِذِكْرِ الأرْحامِ لِمُوافَقَةِ قِصَّةِ حاطِبٍ لِأنَّ الأُمَّ ذاتُ رَحِمٍ والإخْوَةُ أبْناؤُها هم إخْوَتُهُ مِن رَحِمَهِ. وأمّا عَطْفُ ﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾ فَتَتْمِيمٌ لِشِمُولِ النَّهْيِ قَوْمًا لَهم أبْناءٌ في مَكَّةَ. والمُرادُ بِالأرْحامِ: ذَوُو الأرْحامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ لِظُهُورِ القَرِينَةِ. و(يَوْمَ القِيامَةِ) ظَرْفٌ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن فِعْلِ (لَنْ تَنْفَعَكم)، وفِعْلِ (يَفْصِلُ بَيْنَكم) . إذْ لا يَلْزَمُ تَقَدُّمُ العامِلَيْنِ عَلى المَعْمُولِ المُتَنازَعِ فِيهِ إذا كانَ ظَرْفًا لِأنَّ الظُّرُوفَ تَتَقَدَّمُ عَلى عَوامِلِها وأنْ أبَيْتَ هَذا التَّنازُعَ فَقُلْ هو ظَرْفُ (تَنْفَعَكم) واجْعَلْ لِ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ظَرْفًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. والفَصْلُ هُنا: التَّفْرِيقُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ القَضاءَ. والمَعْنى: يَوْمَ القِيامَةِ يُفَرَّقُ بَيْنَكم وبَيْنَ ذَوِي أرْحامِكم وأوْلادِكم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] . (p-١٤٢)والمَعْنى: أنَّهم لا يَنْفَعُونَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَما لَكم تَرْفُضُونَ حَقَّ اللَّهِ مُراعاةً لَهم وهم يَفِرُّونَ مِنكم يَوْمَ اشْتِدادِ الهَوْلِ، خَطَّأ رَأْيَهم في مُوالاةِ الكُفّارِ أوَّلًا بِما يَرْجِعُ إلى حالِ مَن والَوْهُ. ثُمَّ خَطَّأهُ ثانِيًا بِما يَرْجِعُ إلى حالِ مَنِ اسْتَعْمَلُوا المُوالاةَ لِأجْلِهِمْ، وهو تَقْسِيمٌ حاصِرٌ إشارَةً إلى أنَّ ما أقْدَمَ عَلَيْهِ حاطِبٌ مِن أيِّ جِهَةِ نَظَرٍ إلَيْهِ يَكُونُ خَطَأً وباطِلًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُفْصَلُ بَيْنَكم) بِبِناءِ (يُفْصَلُ) لِلْمَجْهُولِ مُخَفَّفًا. وقَرَأهُ عاصِمٌ ويَعْقُوبُ (يَفْصِلُ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ لِعِلْمِهِ مِنَ المَقامِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (يُفَصِّلُ) مُشَدَّدَ الصّادِ مَكْسُورَةً مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مُبالَغَةً في الفَصْلِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اللَّهِ المَعْلُومِ مِنَ المَقامِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ (يُفَصَّلُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وتَشْدِيدِ الصّادِ مَفْتُوحَةً مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ مِن فَصَّلَ المُشَدِّدِ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ ووَعْدٌ.