موقع الباحث في القرآن الكريم
القائمة
توقيت المغرب :
الأربعاء 21 رمضان 1447 هجرية الموافق ل11 مارس 2026


الآية [72] من سورة  

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ


ركن التفسير

72 - (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) وهم المهاجرون (والذين آووا) النبي صلى الله عليه وسلم (ونصروا) وهم الأنصار (أولئك بعضهم أولياء بعض) في النصرة والإرث (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وِلايتهم) بكسر الواو وفتحها (من شيء) فلا إرث بينكم وبينهم ولا نصيب لهم في الغنيمة (حتى يهاجروا) وهذا منسوخ بآخر السورة (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) لهم من الكفار (إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق) عهد فلا تنصروهم عليهم وتنقضوا عهدهم (والله بما تعملون بصير)

ذكر تعالى أصناف المؤمنين وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاءوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك وإلى أنصار وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم وواسوهم في أموالهم ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم فهؤلاء "بعضهم أولياء بعض" أي كل منهم أحق بالآخر من كل وأحد ولهذا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار كل اثنين أخوان فكانوا يتوارثون بذلك إرثا مقدما على القرابة حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث. ثبت ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس ورواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عنه وقال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة وغير واحد. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع عن شريك عن عاصم عن أبي وائل عن جرير وهو ابن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" تفرد به أحمد. وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سفيان حدثنا عكرمة يعني ابن إبراهيم الأزدي حدثنا عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "المهاجرون والأنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة" هكذا رواه في مسند عبدالله بن مسعود. وقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه فقال "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" الآية وقال "لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة" الآية وقال تعالى "للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" الآية وأحسن ما قيل في قوله "ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا" أي لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم فإن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء لا يختلفون في ذلك ولهذا قال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار في مسنده: حدثنا محمد بن معمر حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن حذيفة قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الهجرة والنصرة فاخترت الهجرة ثم قال لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقوله تعالى "والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم" قرأ حمزة ولايتهم بالكسر والباقون بالفتح وهما واحد كالدلالة والدلالة "من شيء حتى يهاجروا" هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا بل أقاموا في بواديهم فهؤلاء ليس لهم في المغانم نصيب ولا في خمسها إلا ما حضروا فيه القتال. كما قال أحمد: حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن يزيد بن الخصيب الأسلمي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وقال "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله إذا لقيت عدوكم من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم" انفرد به مسلم وعنده زيادات أخر وقوله "وإن استنصركم في الدين فعليكم النصر" الآية يقول تعالى وإن استنصركم هؤلاء الأعراب الذين لم يهاجروا في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار بينكم وبينهم ميثاق أي مهادنة إلى مدة فلا تخفروا ذمتكم ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنه.

قوله تعالى إن الذين آمنوا ختم السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به . وقد تقدم معنى الهجرة والجهاد لغة ومعنى .والذين آووا ونصروا معطوف عليه . وهم الأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ، وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون .أولئك رفع بالابتداء بعضهم ابتداء ثان أولياء بعض خبره ، والجميع خبر إن . قال ابن عباس : أولياء بعض في الميراث ، فكانوا يتوارثون بالهجرة ، وكان لا يرث من آمن ولم يهاجر من هاجر فنسخ الله ذلك بقوله : وأولو الأرحام الآية . أخرجه أبو داود . وصار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين . ولا يتوارث أهل ملتين شيئا . ثم جاء قوله عليه السلام : ألحقوا الفرائض بأهلها على ما تقدم بيانه في آية المواريث . وقيل : ليس هنا نسخ ، وإنما معناه في النصرة والمعونة ، كما تقدم في " النساء " .والذين آمنوا ابتداء والخبر ما لكم من ولايتهم من شيءوقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ( من ولايتهم ) بكسر الواو . وقيل هي لغة . وقيل : هي من وليت الشيء ، يقال : ولي بين الولاية . ووال بين الولاية . والفتح في هذا أبين وأحسن ، لأنه بمعنى النصرة والنسب . وقد تطلق الولاية والولاية بمعنى الإمارة .قوله تعالى وإن استنصروكم في الدين يريد إن دعوا هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم فأعينوهم ، فذلك فرض عليكم فلا تخذلوهم . إلا أن يستنصروكم على قوم كفار بينكم وبينهم ميثاق فلا تنصروهم عليهم ، ولا تنقضوا العهد حتى تتم مدته . ابن العربي : إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة ، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك ، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم . كذلك قال مالك وجميع العلماء ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال ، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد . الزجاج : ويجوز " فعليكم النصر " بالنصب على الإغراء .

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هَذِهِ الآياتُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْإعْلامِ بِأحْكامِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، نَشَأ عَنْ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ أنَّهُ مُسْلِمٌ وأنَّ المُشْرِكِينَ أكْرَهُوهُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، ولَعَلَّ بَعْضَ الأسْرى غَيْرَهُ قَدْ قالَ ذَلِكَ وكانُوا صادِقِينَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِمْ وظَنُّوهم أوْلِياءَ لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِحُكْمِ مَن آمَنَ واسْتَمَرَّ عَلى البَقاءِ بِدارِ الشِّرْكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها تَبْيِينُ مَنازِلِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا والكُفّارِ، والمُهاجِرِينَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وذِكْرُ نِسَبِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ. وتَعَرَّضَتِ الآيَةُ إلى مَراتِبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا فابْتَدَأتْ بِبَيانِ فَرِيقَيْنِ اتَّحَدَتْ أحْكامُهم في الوِلايَةِ والمُؤاساةِ حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ واحِدٍ وهَؤُلاءِ هم فَرِيقا المُهاجِرِينَ والأنْصارِ (p-٨٤)الَّذِينَ امْتازُوا بِتَأْيِيدِ الدِّينِ. فالمُهاجِرُونَ امْتازُوا بِالسَّبْقِ إلى الإسْلامِ وتَكَبَّدُوا مُفارَقَةَ الوَطَنِ. والأنْصارُ امْتازُوا بِإيوائِهِمْ. وبِمَجْمُوعِ العَمَلَيْنِ حَصَلَ إظْهارُ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وأهْلِهِ وقَدِ اشْتَرَكَ الفَرِيقانِ في أنَّهم آمَنُوا وأنَّهم جاهَدُوا، واخْتُصَّ المُهاجِرُونَ بِأنَّهم هاجَرُوا واخْتُصَّ الأنْصارُ بِأنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا، وكانَ فَضْلُ المُهاجِرِينَ أقْوى لِأنَّهم فَضَّلُوا الإسْلامَ عَلى وطَنِهِمْ وأهْلِيهِمْ، وبادَرَ إلَيْهِ أكْثَرُهم، فَكانُوا قُدْوَةً ومِثالًا صالِحًا لِلنّاسِ. والمُهاجَرَةُ هَجْرُ البِلادِ، أيِ الخُرُوجُ مِنها وتَرْكُها. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ: ؎إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجَـرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ وأصْلُ الهِجْرَةِ التَّرْكُ واشْتُقَّ مِنهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِخُصُوصِ تَرْكِ الدّارِ والقَوْمِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَهم كانَ أنَّهم يَتْرُكُونَ قَوْمَهم ويَتْرُكُهم قَوْمُهم إذْ لا يُفارِقُ أحَدٌ قَوْمَهُ إلّا لِسُوءِ مُعاشَرَةٍ تَنْشَأُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. وقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ مِن أشْهَرِ أحْوالِ المُخالِفِينَ لِقَوْمِهِمْ في الدِّينِ فَقَدْ هاجَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . وهاجَرَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهاجَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمِهِ، وهاجَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهاجَرَ المُسْلِمُونَ بِإذْنِهِ إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ إلى المَدِينَةِ يَثْرِبَ، ولَمّا اسْتَقَرَّ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِالمَدِينَةِ غَلَبَ عَلَيْهِمْ وصْفُ المُهاجِرِينَ وأصْبَحَتِ الهِجْرَةُ صِفَةَ مَدْحٍ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في مَقامِ التَّفْضِيلِ «لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» «وقالَ لِلْأعْرابِيِّ: ويْحَكَ إنَّ شَأْنَها شَدِيدٌ. وقالَ: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» . والإيواءُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] في هَذِهِ السُّورَةِ. والنَّصْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ: ”ونَصَرُوا“ النَّصْرُ الحاصِلُ قَبْلَ الجِهادِ وهو نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِأنَّهم يَحْمُونَهم بِما يَحْمُونَ بِهِ أهْلَهم، ولِذَلِكَ غَلَبَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ وصْفُ الأنْصارِ. (p-٨٥)واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِمْ بِالإخْبارِ عَنْهم، ولِلتَّعْرِيضِ بِالتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِهِ في الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الفِرَقِ الأُخْرى. ولَمّا أطْلَقَ اللَّهُ الوَلايَةَ بَيْنَهُمُ احْتَمَلَ حَمْلَها عَلى أقْصى مَعانِيها، وإنْ كانَ مَوْرِدُها في خُصُوصِ ولايَةِ النَّصْرِ فَإنَّ ذَلِكَ كَوُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي في المِيراثِ جُعِلَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] أيْ في المِيراثِ فَنَسَخَتْها وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. فَحَمَلَها ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما يَشْمَلُ المِيراثَ، فَقالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ وكانَ لا يَرِثُ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرِ الَّذِي آمَنَ وهاجَرَ فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الوَلايَةُ هي في المُوالاةِ والمُؤازَرَةِ والمُعاوَنَةِ دُونَ المِيراثِ اعْتِدادًا بِأنَّها خاصَّةٌ بِهَذا الغَرَضِ وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والشّافِعِيِّ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ وأهْلِ المَدِينَةِ. ولا تَشْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ أيْ ولَوْ كانَ عاصِبًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ جاءَ عَلى أُسْلُوبِ تَقْسِيمِ الفِرَقِ فَعُطِفَ كَما عُطِفَتِ الجُمَلُ بَعْدَهُ ومَعَ ذَلِكَ قَدْ جُعِلَ تَكْمِلَةً لِحُكْمِ الفِرْقَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ فَصارَ لَهُ اعْتِبارانِ وقَدْ وقَعَ في المُصْحَفِ مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ آيَةً واحِدَةً نِهايَتُها قَوْلُهُ تَعالى: واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ فَإنَّ وصْفَ الإيمانِ أيِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ يُقابِلُهُ وصْفُ الشِّرْكِ وأنَّ وصْفَ الهِجْرَةِ يُقابِلُهُ وصْفُ المُكْثِ بِدارِ الشِّرْكِ، فَلَمّا بَيَّنَ أوَّلَ الآيَةِ ما لِأصْحابِ الوَصْفَيْنِ - الإيمانِ والهِجْرَةِ - مِنَ الفَضْلِ وما بَيْنَهم مِنَ الوَلايَةِ انْتَقَلَتْ إلى بَيانِ حالِ الفَرِيقِ الَّذِي يُقابِلُ أصْحابَ الوَصْفَيْنِ وهو فَرِيقٌ ثالِثٌ، فَبَيَّنَتْ حُكْمَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَأثْبَتَتْ لَهم وصْفَ الإيمانِ وأمَرَتِ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِالتَّبَرُّؤِ مِن ولايَتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا، (p-٨٦)فَلا يَثْبُتُ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ حُكْمُ التَّوارُثِ ولا النَّصْرِ إلّا إذا طَلَبُوا النَّصْرَ عَلى قَوْمٍ فَتَنُوهم في دِينِهِمْ. وفِي نَفْيِ ولايَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لَهم، مَعَ السُّكُوتِ عَنْ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مُعْتَبَرُونَ مُسْلِمِينَ ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ بِمُقاطَعَتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لَهم عَلى الهِجْرَةِ. والوَلايَةُ بِفَتْحِ الواوِ في المَشْهُورِ وكَذَلِكَ قَرَأها جُمْهُورُ القُرّاءِ، وهي اسْمٌ لِمَصْدَرِ ”تَوَلّاهُ“ وقَرَأها حَمْزَةُ وحْدَهُ بِكَسْرِ الواوِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الفَتْحُ أجْوَدُ هُنا؛ لِأنَّ الوِلايَةَ الَّتِي بِكَسْرِ الواوِ في السُّلْطانِ يَعْنِي في وِلاياتِ الحُكْمِ والإمارَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ يَجُوزُ فِيها الكَسْرُ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ وأرادَ إبْطالَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الفَتْحَ هُنا أجْوَدُ. وما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ باطِلٌ، والفَتْحُ والكَسْرُ وجْهانِ مُتَساوِيانِ مِثْلَ الدَّلالَةِ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها. والظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها ”في“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، تَؤُولُ إلى مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ: طَلَبُوا أنْ تَنْصُرُوهم لِأجْلِ الدِّينِ، أيْ لِرَدِّ الفِتْنَةِ عَنْهم في دِينِهِمْ إذا حاوَلَ المُشْرِكُونَ إرْجاعَهم إلى دِينِ الشِّرْكِ وجَبَ نَصْرُهم؛ لِأنَّ نَصْرَهم لِلدِّينِ لَيْسَ مِنَ الوَلايَةِ لَهم بَلْ هو مِنَ الوَلايَةِ لِلدِّينِ ونَصْرِهِ وذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، سَواءٌ اسْتَنْصَرَهُمُ النّاسُ أمْ لَمْ يَسْتَنْصِرُوهم إذا تَوَفَّرَ داعِي القِتالِ، فَجَعَلَ اللَّهُ اسْتِنْصارَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا مِن جُمْلَةِ دَواعِي الجِهادِ. و”عَلَيْكُمُ النَّصْرُ“ مِن صِيَغِ الوُجُوبِ، أيْ: فَواجِبٌ عَلَيْكم نَصْرُهم، وقُدِّمَ الخَبَرُ وهو ”عَلَيْكم“ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. و”ال“ في ”النَّصْرِ“ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ لِأنَّ ”اسْتَنْصَرُوكم“ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ نَصْرٍ والمَعْنى: فَعَلَيْكم نَصْرُهم. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُتَعَلِّقِ النَّصْرِ وهو المَنصُورُ عَلَيْهِمْ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ يَقْتَضِي عَدَمَ قِتالِهِمْ إلّا إذا نَكَثُوا عَهْدَهم مَعَ (p-٨٧)المُسْلِمِينَ، وعَهْدُهم مَعَ المُسْلِمِينَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُسْلِمِينَ المُتَمَيِّزِينَ بِجَماعَةٍ ووَطَنٍ واحِدٍ، وهم يَوْمَئِذٍ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، فَأمّا المُسْلِمُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا مِن دارِ الشِّرْكِ فَلا يَتَحَمَّلُ المُسْلِمُونَ تَبِعاتِهِمْ، ولا يَدْخُلُونَ فِيما جَرُّوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن عَداواتٍ وإحَنٍ لِأنَّهم لَمْ يَصْدُرُوا عَنْ رَأْيِ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، فَما يَنْشَأُ بَيْنَ الكُفّارِ المُعاهِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ الباقِينَ في دارِ الكُفْرِ لا يُعَدُّ نَكْثًا مِنَ الكُفّارِ لِعَهْدِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ مِن عُذْرِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لا نَعْلَمُ حِينَ عاهَدْناكم أنَّ هَؤُلاءِ مِنكم؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِمُعاشَرَةٍ، وهَؤُلاءِ ظاهِرُ حالِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ يُساكِنُونَهم ويُعامِلُونَهم. وقَوْلُهُ: واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ العَطْفُ عَلى المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يُقاتِلُوا قَوْمًا بَيْنَهم وبَيْنَهم مِيثاقٌ. وفِي هَذا التَّحْذِيرِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ وأنَّهُ لا يَنْقُضُهُ إلّا أمْرٌ صَرِيحٌ في مُخالَفَتِهِ.


ركن الترجمة

Those who accepted the faith and set out of their homes, and fought in the way of God wealth and soul, and those who gave them shelter and helped them, are friends of one another. You are not responsible for protecting those who embraced the faith but did not leave their homes, until they do so. In ease they ask for your help in the name of faith, you are duty bound to help them, except against a people with whom you have a treaty; for God sees all that you do.

Ceux qui ont cru, émigré et lutté de leurs biens et de leurs personnes dans le sentier d'Allah, ainsi que ceux qui leur ont donné refuge et secours, ceux-là sont alliés les uns des autres. Quant à ceux qui ont cru et n'ont pas émigré, vous ne serez pas liés à eux, jusqu'à ce qu'ils émigrent. Et s'ils vous demandent secours au nom de la religion, à vous alors de leur porter secours, mais pas contre un peuple auquel vous êtes liés par un pacte. Et Allah observe bien ce que vous œuvrez.

ملاحظات :

يمكن أن تشثمل بعض الآيات على هفوات بسيطة مرتبطة أساسا بمواقع الهمزة أو بتشكيل الحروف .... والتصحيح مستمر على الدوام.... فالمرجو المساعدة في تبليغنا بهذه الهفوات فور اكتشافها و لكم الأجر.

االتراجم الموجودة في الموقع هي مأخوذة من الترجمات المتداولة وليس من عملنا الشخصي، وهي ليست إلا ترجمة لمعاني آيات القرآن رجوعا لبعض التفاسير الموجودة، وليست ترجمة حرفية أو مضبوطة، لأن القرآن لا يُترجم، فهو كلام الله، وهذه الترجمات للاستئناس فقط وموجه لغير المسلمين لكي تكون مجرد بداية للتعرف إلى القرآن، وليس أكثر من ذلك.

أنت الزائر رقم

موقع   الباحث في القرآن الكريم  من تطوير  

عليم للتقنيات الحديثة

Alim New Technologies) alim.new.tech@gmail.com ) - جميع الحقوق محفوظة © 2012

شارك الموقع عبر :